سقطت آخر حكومات المشير عمر حسن أحمد البشير والمتحالفين معه من جنرالات القوات المسلحة والمليشيات القبلية والانتهازيين وعلماء بلاط السلطان. تنازل الرئيس عن السلطة، مرغماً، لوزير دفاعه الفريق عوض

أبنعوف وقائد أركان حربه كمال عبد المعروف والأمل يحدوهم، جميعاً، في خداع الشعب وإستمرار القديم المرفوض في شكل جديد زائف ومفضوح. لم تنطلي الحيلة علي الجماهير الثائرة فتم إستبدال مجلس اللجنة الأمنية للنظام بمجلس عسكري آخر، مماثل، بقيادة عبد الفتاح البرهان وقائد ‘قوات الدعم السريع’، محمد حمدان دقلو؛ ولاعجب، فدولة الإسلام السياسي تقرأ من نفس الكتاب ومجلسي أبنعوف والبرهان العسكريين ليس أكثر من فصل مكرر، ممل، من سفر عهد نظام دولة الإنقاذ ومشروعها الحضاري، البالي والقديم. فمنذ إنقلاب الثلاثين من يونيو 1989 وإلى اللحظة التي إستقبلنا فيها عيد الفرح بالهلع والولع ودموع الحزن والبكاء علي شهداء مجزرة القيادة البشعة، ما زال السودان يرزح تحت ثقل وطأة حكم نظام تحالف العسكر والإسلاميين.


لا شك أن السادس من أبريل من عام 2019 مثل لحظة تاريخية فاصلة في مسيرة ثورة شعب السودان الصابر لكن، كما برهن واقع مجريات الأحداث وبقدر الثقة والتفاؤل في عنفوان ووعي الثورة المتصاعد، لم تكن محطة الإعتصام، أمام ‘قيادة قوات الشعب المسلحة’، هي النهائية في رحلة البحث المقدس عن الحرية والعدالة والديمقراطية. الأن، بعد إن إنقشع ضباب صدمة المصيبة والفجيعة ودفع الشعب السوداني ثمن التجربة بأرواح شابة – فتية، وجب علينا، كلنا المعنيين بالثورة، تحمل مسؤولية تعويلنا العاطفي علي شبح "قوات للشعب مسلحة" في المشاركة في إحداث التغيير نحو دولة الحرية والعدالة.

باللجوء للأعتصام أمام قيادة القوات المسلحة، قد تكون الثورة أعطت الإنطباع بوصولها لأقصى أساليب النضال السلمي، فترسخ ذلك في ذهن المتربصين بالثورة والمتسلقين، الطامعين في السلطة، أن فض الإعتصام يعني إنطفاء شعلتها ونهاية مسيرتها الملهمة والفريدة. كما هو متوقع من سوء تقدير عقلية ‘الفهلوة’ والتآمر خاب ظن مجلس البرهان وحمدان وإنقلب السحر على الساحر ليُشْعِل فعل الغدر والخيانة ملايين من مشاعل الغضب على حقيقة نوايا اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ وعمق دُهمَة مشروع دولة الإسلام السياسي في السودان. لكن، بعد ما "ماحدث ما حدث" تيقين الشعب أنه لامفر أو خيار من ضرورة طول النفس والبال والغوص في أعمق - أعماق دولة الفساد والإستبداد إذا كان الهدف هو إقتلاعها من جذورِ- جذورها. فالثورة التي ترسخ وعيها في عقل الجماهير تستمد قوة دفعها من رصيد تضحيات شهداء الحرية والكرامة الذين إرتقوا إلي فراديس العُلا وهم علي ثقة من وفاء شعبهم لتحقيق حلمهم في دولة الشعب المدنية، الديمقراطية، السَمحَة والمتسامحة.

في كل مراحل الحكم التي مرت بها، لم تخل دولة الإسلام السياسي في السودان من مظاهر عسكرة الحياة المدنية؛ إن لم يكن ذلك بسبب وجود القائد الأعلي للقوات المسلحة، المشير عمر حسن أحمد البشير، علي رأس السلطة المدنية، فبسبب الحروب الأهلية في أقاليم دارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق. إضاف تقنين الإسلاميين لمظاهر عسكرة الريف بَلَّةً إلى طين الإستثمار في الأستقطاب القبلي والجهوي؛ ولنا في ذلك ذكري سيئة في مليشيات الجنجويد ودورها في الحرب الأهلية في غرب البلاد. في هذا السياق تم إخراج تاجر الأبل ومتعهد خدمات الحراسات المسلحة وغزوات الثأر والغنائم، محمد حمدان دقلو، من حدود ولاء القبيلة والعشيرة الضيق إلي رحاب ظلام التحالف مع دولة أيدلوجيا الدين والعسكر ليصبح فيما بعد شوكتها الضروس التي تخوض بها حروب الوكالة وسيفها البتار الذي تهتك به سلام النسيج الاجتماعي وباب مكرها في التي تدع منه رياح العنصرية والإستعلاء الديني والثقافي.

بعد إدخال بعد التعديلات والتعيينات السطحية والشكلية على تركيبة مليشيا الجنجويد القبلية، المنفلتة، أعيد تسميتها ب ‘قوات الدعم السريع’، ورُفِّعَ مقام قائدها، محمد حمدان دقلو، لرتبة جنرال بغرض التخصيص والتجويد في حماية النظام وبطانته الفاسدة. هكذا تآمرت سخرية الصدف مع أسوأ تقديرات الدولة المنزوعة الضمير والأخلاق ليصبح زعيم مليشيات الحراسة القبلية حليفاً إستراجيا لدولة أيدلوجيا الدين وصاحب لطريقها في التمكين من الجاه والسلطان. بعد أن إشتد ساعد إبن قبيلة الرزيقات العربية رمي بها إبن عمه، موسي هلال، فصرعه وأزاحه عن الطريق لتدين له السيادة في القبيلة وتخلص له ملكية جبل عامر وما في باطنه من ثورة الذهب النقي - الخالص. هذا ما كان من صعود محمد حمدان دقلو على مستوى الولاء للعرق ومذهب أيدلوجيا السلطة والنظام. أما على مستوى محاور القارات ودول الجوار فقد سوقت دولة الإنقاذ ربيبها المخلص عند الأتحاد الأوروبي التي إشترى بضاعة حراسته لما وراء - وراء حدود بحاره من هجمة المهاجرين، المعدمين، الهاربين من جحيم حروب وديكتاتوريات إفريقيا العديدة والعتيدة. كذلك كان حظه عند دولتي الأمارات والسعودية اللتان دفعتا ثمن إنابة مليشياته عنهم في حربهم ضد الشيعة - الحوثيين في اليمن.

في أبسط التقديرات يمكن القول أن محمد حمدان دقلو تربع علي عرش أمارة حقيقية تحدها أرض خصبة وتمتلك من المال والرجال ما تجود به علي ذوي القربي والغرباء ولها من النفوذ والحصانة ما يجعلها تفكر وتطمح في ما تشاء وتفعل ما تريد وتشتهي. لذلك، بعد سقوط دولة عمر حسن أحمد البشير لم ير حمدان دقلو كبيراً له من بين قيادات القوات المسلحة فقام بالتمرد على دور متعهد حراسة نظام اللانظام.

إنكشتف خطة الثورة المضادة، الفطيرة والبليدة، لمجلس أبنعوف وعبد المعروف فتم إستبداله بمجلس البرهان وحمدان الذي لم يرى غير ضعف قدراته العسكرية وفقر حيلته السياسية فتنازل لقائد المليشيات، المرهوبة الجانب، عن منصب نائب رئيس المجلس؛ ولا حرج، فتحت إمرته الكثير من الرجال والأعيان وفي جعبته الوفير من المال و العتاد. هكذا تراءت لحمدان دقلو فرصة الغزو الجديد الذي سوف يمهد له الطريق لسرايا حاكم عموم بلاد السودان. ولم لا، فلو لا موافقته علي إزاحة سيد نعمته ورئيسه السابق ورفضه تنفيذ فتوة علماء السلطان وفض إعتصام القيادة بالقوة وقتل الثلث من الشعب الأعزل لما تغير الحال ولحدث ما لا يحمد عقباه وإنفلت الزمام واللجام في دولة العسكر والملشيات والخونة وشذاذ الأفق والأوطان. بعد أن دلف حمدان دقلو إلى قصر السيادة وسيطرت قواته علي مفاصل الدولة الحيوية في الخرطوم، عاصمة البلاد، ودفع من حر ماله الذي جناه من تجارة ذهب أمارة جبل عامر مرتبات موظفي الخدمة المدنية إكتشف تواضع قدرات الدولة السودانية فقرر الإحتفاظ بالسلطة لنفسه ولمن رضيَ به رئيساً وقائداً ملهماً ومهاباً.

لكن الوقوف في مجرى سيل ثورة الجماهير الجارف ليس كالعبور السهل فوق حدود مضارب القباءل والعشائر. فالثورة تستمد شرعيتها من الميادين والشوارع الفاتحة زراعيها لضوء الشمس وهي تنادي وتتطالب بقيام دولة مواطنة مدنية، ديمقراطية تتعارض في جوهرها وظاهرها مع كل ما أدى إلي صعود منطق قوة السلاح وأمراء الفتن والحروب. ولكن، لا تُكلَّف النفس إلا في ما وَسَعتْ من حكمة ودراية ولاحيلة لأبن البادية غير إستدعاء وإستنهاض همة أمثاله من زعماء القبائل والمتسلقين على أكتاف الآخرين والهاربين إلي الأمام من فولول النظام ومتعهدي صناعة الحشود الزائفة، مدفوعة الثمن. هذا بإختصار هو كل ما يعرفه حمدان دقلو عن دينماكية التغيير والتبديل في مسيرة الكون والحياة؛ مع كل الإحترام والتقدير لكل من عرف اليسير بما يكفي لمعرفة نفسه وقدر الأخرين.

بعد أن تحقق مجلس البرهان وحمدان العسكري من إصطفاف الشعب السوداني خلف مطالب الدولة المدنية، الديمقراطية، هرع يستجدي القبول و الشرعية من حكام دول الجوار الذين لا يعرفون بابا أو طريق لشرعية يستمدونها من الشعب للحكم والسيادة. فكانت زيارات دولة مصر، السعودية، الأمارات المتحدة، إريتريا، تشاد، يوغندا ومن خلف الستار دولة ‘خليفة حفتر’ الليبية. فعن دولة تشاد حدث ولاحرج. أما دولة أريتريا فحالها يحكي عن حال شعبها المسجون داخل أسوار وطنه والموزع والمشتت على حدود المنافي وأرصفة المواني وحال رئيسه أسياس أفورقي الذي سئل ذات مرة في مقابلة صحفية نادرة عما إذا كان ينوي إجراء إنتخابات فأجاب في إزدراء وإقتضاب: "أية إنتخابات". أما دولة يوغندا فلا يمكن الأتيان بذكرها من غير تقديمها وتعريفها برئيسها الوحيد - الفريد، يوري موسيفني، العسكري الذي صار له برلمانا يخصه وحده من الحوار والمريدين والمنافقين. هذا ما لزم من توضيح في أهدار الوقت والمال في زيارات وعلاقات جوار لافائدة لها لدولة تنشد الحرية لعشبها والأمانة والإستقامة في ساستها وحكامها؛ أم ماذا كان يتوقع عسكر السودان من فرعون مصر الجديد، الجنرال الذي تخلص من بزته العسكرية على أعتاب منصة العرش والتتويج غير الوصية والنصيحة بالخداع والتزييف. حقيقةً "أن الطيور على أشكالها تقع". أما دولة "التابعية السعودية" فهي ليس إكثر من نظام مُلْك عضوض يتربع علي عرشه ولي عهد متهم بأبشع جرائم الإغتيال السياسي في العصر الحديث ولاحرج من تتصافح الأيادي الملطخة بالدماء إذا عزَّت لقيا الأسوياء من ذوي العفة والطهارة والنقاء. أما دولة الأمارت فهي ترفل في ترف أفكار شيوخها وسلاطينها الذين لم يتركوا في عقلها السياسي مكاناً لإستيعاب أبعاد ثورة تهدف للتحرير المطلق للإنسان من سلطة الفرد والجهة والقبيلة.

أما دولة أثيوبيا الشقيقة، فسعيها مقدرُ ومشكور، ولكن هي نفسها ما زالت ترزح تحت وطأة سيطرة دولة تحالف التقراي والعسكر العميقة. أبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، أتى للسلطة من باب سياسة الإقصاء والتمكين، ولكن بقي في ضميره كثير من اليقظة والحياة فشرع في إصلاح ما خربته دولة حزبه الحاكم، لذلك، في تقديره بالقياس لما تعانيه بلاده، أن التنازلات لا تقف عند حدود المواقف المبدئية إذا كانت البديل هو ويلات الحرب وفوضى اللانظام.

أغلبنا يعرف أنه لن يحدث تغيير حقيقي، يعني كل السودانيين، من غير أسقاط وتصفية نظام دولة الإسلام السياسي ومنظومة ظلمها وظلامها. بمنطق دولة القانون والنظام المكان الطبيعي لنظام تحالف دولة الإسلام السياسي والعسكر هو صالات المحاكم وزنازين السجون وأوسخ مزابل التاريخ. ولاشك إن الطريق لذلك هو عمل مما ليس منه بد وإتمام إسقاط دولة الفساد والإستبداد وللمرة الثالثة وبنفس الطرق والوسائل، السلمية، الجماهيرية، الناجعة والمتحضرة التي أسقطت دولتي تحالف العسكر والكيزان الكذوبتين، الأولي والثانية. فوق كل ذلك نعرف جيداً أنه لا بديل لشارع الثورة العريض إذا أردنا أن أن يكون التغيير جزريا وعميقا بقدر عمق وتجزر دولة تحالف الكيزان والعسكر المتمكنة والعويصة؛ فمطالب الشعب التي دفع ثمنهعا بالنفس والنفيس لا تقبل المساومة وأنصاف الحلول التي تبقي على بقايا نظام دولة الفساد والإستبداد عين المشكلة المستعصية المعنية بالتبديل والتغيير الثوري، الجزري والشامل. وبين هذا وذاك لنا أن نتوقع أن تآمر وتعنت الدولة العميقة سوف يتصاعد في إطراد مع كبر هاجس الهزيمة الوشيكة ودنو لحظة الحساب والعقاب العسيرة ولكن، في المقابل، الفعل الثوري، أيضا، سوف يصعد ويرتقي بقدر تحققه من عمق وتمكن دولة تحالف العسكر والإسلام السياسي وإزدياد ثقته في وعي وتكاتف الجماهير والقوى السياسة التي تتصدر عملية المقاومة والتغيير.

في النهاية، لاخيار آخر غير التمسك الصارم بوحدة العمل الثوري والإنخراط في العمل الجماهيري على كل المستويات وخاصة على مستوى والميادين والشوارع والإستعداد لعملية تغيير وتجديد عريضة وعميقة بقدر الهوة السحيقة التي أوقعتنا فيها الديكتاتوريات العسكرية والعقائدية. ليكن هذا وعدنا وعهدنا الصادق لشهداء الحرية والكرامة في تحقيق دولتهم: الدولة المدنية، الحرة والمستنيرة التي حملوها بين طيات روحهم الخفاقة وحلمو بها في عز النهار وقيظ الظهيرة ورسموها لوحات بديعة علي صفحة الجدران وحبات رمل الشوارع. فلا بديل للحياة غير حياة العزة والكرامة ولا إرادة غير إرادة الجماهير الغفيرة.


عثمان عابدين عثمان
17/06/2019 ؛ @13:44
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
https://www.facebook.com/notes/osman-abdin-osman/%D8%A7%D9%84%