كُتب هذا التنقيب يوم الخميس الماضي قبل التوقيع على اتفاقيّة المجلس العسكري وقوى الحريَّة والتغيير، ونُشر يوم الجمعة الماضية بملف (الممر)، صحيفة السوداني، تأخر نشره سبب الانترنت بالطبع، وعدم توفّري على خطّ، لذلك ربما يجده القارئ متأخّراً عن الأحداث الجارية. وهو عن الانتصار المدني يوم 30 يونيو على محاولات الانتكاس العسكري الذي بدأ بمجزرة الاعتصام، وتواصل إلى يوم الإخراس العظيم هذا.

(1)
هذه هي الأيام، والذي لم يَشهدها فعليه إعادةُ حياته. وهذه ليست شماتة، بل هي تبشير بما سيأتي من جموحٍ وسلسلةٍ لا نهائيَّةٍ من الانتصارات الثابتة. جرى النيلُ فَرِحاً ببناته وأبنائه. وأقول، إن أبهج ما شاهدته في يوم النصر الكبير على إرادة البندقيَّة، كان اعتلاءُ البنات لصهوة تلك الجموع العجيبة، وفاقوا رصافئهمُ من الشباب، كما أن الآباء والأمهات انهزموا أمام إرادة أبنائهم الأطفال، فحملوهم على الأكتاف، وذرفنا الدموع لرؤيتهم هكذا كالملائكة الشامخين.

(2)
هذه هي الأيام الجديدة، إذ في خضمِّ القيامة التي يتفق فيها الطُغاة على هدفٍ واحدٍ وهو قتل البشر، بلا هوادةٍ وبقوَّة عينٍ يُحسدون عليها، كما يجلس ترمب وبوتين ومحمد بن سلمان كأصدقاء لا مُوقف لحميميَّتهم الباذخة، يرتفعُ شعبُ السودان بطموحات الإنسانيَّة إلى سقفٍ غير محدد؛ إلى ذرى الأديان والأخلاق والفلسفات وجماليات الفنون والموسيقى. في الثلاثين من يونيو كان الإذهال هو صاحب الموقف، وعندما عدنا إلى منازلنا في المساء لنرى ردّة فعل حكّامنا أصابنا الذهول مرةً أخرى، لأنهم، بلا أدنى شعورٍ بجلودهم حتَّى، تشبّثوا بالسلطة التي منحتها لهم ذات الملايين التي خرجت ذلك اليوم.

(3)
إن الفرصة التي مُنحت للمجلس العسكري، كطرف من الممكن التفاوض معه، قد انتهت. قال الشعب كلمته بكل وضوح، وبلا أية مهادنة في المستقبل، سنخرج ونخرج إلى الشوارع دون قيدٍ أو شرط، وعلى المجلس العسكري الاستماع بذهنٍ مفتوح لصوت الشعب، الذي يقول إنه شعبه، فكيف القول بهذا وفي ذات الوقت يصمّون آذانهم عن كل هذا الصراخ المُفزع بمطلبٍ قليلٍ جدّاً وهو مدنية الدولة وديموقراطيتها التي سالت لأجلها حشودُ الدماء والجثث المغدورة والوجوه التي لن ينساها الشعب، هذا الشعب سيخرج إلى الأبد، وإن لم يسلّم المجلس السلطة للمدنيين فإنه، ببساطة، أصم.

(4)
هذه هي أيام الأهازيج الداوية، والسلام الذي ينتقلُ من وجهٍ لوجه، الالتحام والمحبة المتبادلة من كلّ شخصٍ يلتقي شخصاً آخر في الطريق؛ في المواصلات العامّة، في الركشات، في ميادين والمواكب، في المنافي، حيث طُرِد الشعب إلى قاراتٍ بعيدةٍ وحُرموا من الوجود في أماكنهم الطبيعيّة، نراهم انتفضوا. كيف، بقلَّةٍ قليلةٍ من البشر، يتحدثون عن تفويض الشعب لهم؟ هل نعيش عصراً غريباً من اللامنطق؟ نعم نعيشه. عندما رأيتُ بوتين وترامب ومحمد بن سلمان، على طاولةٍ واحدة، يُكيلون المحبة والإطراء لبعضهم البعض، عرفت، وكانت جميع آداب وفنون العالم تتحدث عن ذلك العالم المجنون المستقبلي، إننا نواجه الجنون المطلق، والمد الطاغي لكلّ من يرفض المنطق البسيط بحق البشر في الحياة؛ حيث يُقتَل الناس في الشوارع عبر مسيراتهم السلمية برصاص قنّاصين يعتبرونهم، من يقولون إنهم يحفظون الأمن، مجهولين!.

(5)
هذه هي الأيام التي يجب أن نُفكِّر فيها بانتظام، كما قلنا من قبل، إن فضّ الاعتصام هو تاريخٌ فاصلٌ للسودان، بين من هم ضدَّ حياة الشعب، ومن هم معها، بين السودان القديم والسودان الجديد، بين الماضي والمستقبل، من يظنّ أن هذا الحدث قد يُنسى ويتغيَّب عن كوابيس الشعب الذي يعيشها يوميَّاً فهو واهم، حتَّى لجان التحقيق الوهميَّة لن تُطفئ نار المطالب الواضحة، الجليّة، المليونيّة، برفض الدولة العسكريّة جملةً وتفصيلاً. وقد قالها أحدُ أصدقائنا: عايزين حكومة مدنيّة نعارضها، ليه نحن عمرنا كلّو بنعارض في بندقيّة؟.

(6)
كتبت في الأيام التي تلت جريمة فضَّ الاعتصام ما يلي: [كُنتُ جالساً أمام باب المنزل قبل أيام، غارقاً في ظلمةِ كُهرباءٍ مقطوعة أتفكّر في هذه الأيام، ولم تخطر ببالي سوى كلمة (كابوس). تذكّرت أنها كلمة أثيرة لدى صديقنا التشكيلي المعروف، فسارعت للاتصال به علّه يتّفق معي في التشبيه، وعندما ردَّ على المكالمة -ولم تبدأ أسئلة الحال والأحوال- عاجلني: بالله عامل كيف مع الكابوس؟.
بالموازاة مع الواقع الحي يعيشُ الكثيرُ منّا واقعاً مريراً آخر في أحلامه، بسرياليَّةٍ منقطعة النظير تسيطر عليها وجوه سادة المجلس العسكري. في واحدةٍ رأيتُ أن ميدان القيادة قد عاد ولكن سيطر على منصّته خمسةُ كيزانٍ هفتانين جداً، أحدهم بلباس عسكري، وبينما كنتُ أتفرَّج مع أمي الراحلة على تمثالٍ غير مكتملٍ يقوم بنحته أفّه الذي تحوَّلَ نحّاتاً، صرخ أحدهم: الجماعة ديل ما عندهم سلاح يا شباب. ثمَّ اندفعت الجماهير باتجاههم وأوسعوهم ركلاً وضرباً، مع مناداة بعضهم بالتزام السلميَّة.
في كابوسٍ آخر رأيتُ مدينتنا وقد تحوَّلت حديثةً فجأة، بحيث تعبر خطوط الميترو في السماء وتحت الأرض، وكانت باصات نظيفة وهادئة تنقل الناس من وإلى مطار الخرطوم الدولي. وكنتُ، بلا سببٍ، أروح وأجيء في هذه الرحلات، وألتقي في كلّ واحدةٍ بأصدقاء وصديقات بعضهم غادر البلاد منذ أمدٍ، وبعضهم لا يزال في الداخل. في واحدةٍ من الرحلات اكتظَّ الباص بزملائنا السابقين بصحيفة الأحداث، وفجأة ظهرت ثلاثُ صورٍ داخل أطرٍ دائريَّةٍ تحمل ثلاث صورٍ للمرشّحين في الانتخابات التي تجري في البلاد. صورة مرشّح "التيار الإسلامي" –هكذا كُتب على الشاشة السابحة في الفضاء- وبجانبه علامة 1.6%، لم أتبيّن صورته، الأخرى لمرشَّح الحريّة والتغيير بلا ملامح وكُتب بجانبه 10%، أمام الثالثة، الواضحة كالشمس، لرئيس المجلس العسكري الحالي وقد كُتب بجانبه الرقم المرعب: 60%.
في ثالثٍ كنّا، وائل محجوب وعلاء الدين محمود وآخرين، نتجوَّل في ساحة الاعتصام التي لم تكن بجانب القيادة بأي حالٍ من الأحوال، وكانت الأجواء سعيدة، توقّفت فجأةً باندهاشٍ أراقبُ صديقة قديمة كانت متديّنة ومحجّبة جدّاً وابنةُ كيزانٍ مشهورين مُعتبرين، لكنّها كانت ترتدي زيَّاً رياضيّاً ضيّقاً وشعرها كان طليقاً وجميلاً، حتَّى هي قد زاد جمالها بنسبةٍ هائلة، وكانت في وضعيّة الاستعداد المشهورة في الأولمبيّات العالميّة. عندما رأتني أجفلت، تحرَّكتُ تجاهها فإذا بها تُخرج حجاباً غليظاً من مكانٍ غامض، وتلفّ جسدها وشعرها بسرعةٍ فائقة، وبعيونٍ تقدح شرراً صرخت: أتيت لتشمت فيَّ أليس كذلك؟. وصحوت.]

(7)
أخيراً، في خصوص القوة، كتب هنري ميللر في أربعينيّات القرن الماضي: [لكي نُجري تجربة إنسانية عُظمى يجب أن يكون لدينا أولاً رجال. وخلف مفهوم "الرجل" يجب أن تكمن العظمة. لا يوجد حزب سياسي قادر على جلب مملكة الإنسان. يُمكن لعمال العالم أن يُنظِّموا ذات يوم، إذا كفّوا عن الإصغاء إلى قادتهم المتعصِّبين، أخويَّة الإنسان. ولكن لا يمكن للرجال أن يكونوا أخوة ما لم يصبحوا أولاً أنداداً، أي، متساويين بالمعنى الفخم للكلمة. وما يمنع الرجال من الاتحاد كأخوة هو انعدام كفاءَتهم الأساسيّة. العبيد لا يستطيعون الاتحاد؛ والجماهير الغفيرة لا تستطيع الاتحاد؛ والجهلة لا يستطيعون الاتحاد. إننا نعجز عن الاتحاد إلا بإطاعة أرقى دوافعنا. على حافز التفوّق على الذات أن يكون غريزيَّاً، وليس فقط نظريَّاً أو قابلاً للتصديق. وإذا لم نبذل مجهوداً لإدراك الحقائق التي في داخلنا سوف نفشل مراراً وتكراراً. وكالديموقراطيين، والجمهوريين، والفاشستيين والشيوعيين، نحن جميعاً نقف على أرضيَّة واحدة. وهذا أحد الأسباب الذي يجعلنا نخوض الحرب بطريقة جميلة جداً. إننا ندافع بحياتنا عن المبادئ التافهة التي تفرّقنا. والمبدأ العام، الذي هو تأسيس إمبراطوريَّة الإنسان على الأرض، لا نرفع إصبعاً لندافع عنه. نحن خائفون من أيّ حافزٍ يرفعنا من القذارة. إننا نحارب فقط من أجل الوضع الراهن، وضعنا الراهن. نُحارب ورؤوسنا منكّسة وعيوننا مُغمضة. في الحقيقة لا يوجد هناك أبداً وضعٌ راهن، اللهم إلا في أذهان الحمقى السياسيين. كلّ شيءٍ جارٍ، وأولائك الذين على جانب المدافع يُحاربون الأشباح. ما هي الخيانة الأعظم؟ إنها الشك فيما يُحارب المرء من أجله. هنا يسير الجنون والخيانة يداً بيد. إن الحرب هي شكل من أشكال الجنون- سواء أكان من أنبلها أم أحطّها، حسب زاوية نظرك. ذلك أن الجنون الجماعي هو الذي يعجز الحكماء عن القضاء عليه. والفوضى هي السبب الأول الذي يُمكن أن يُورَد كتفسيرٍ للحرب. عندما تفشل الأسلحة الأخرى كلها يلجأ المرء إلى القوَّة. ولكن قد لا يكون هنالك بأس في الأسلحة التي ننبذها بسهولةٍ ويُسر. لعلها في حاجة إلى شحذ، أو لعلنا نحن في حاجةٍ لتحسين مهاراتنا، أو كلاهما. أن تقاتل يعني أن تعترف بأنك مُشوَّش؛ إنه تصرّف يدل على اليأس، وليس على القوة. يمكن للجرذ أن يُقاتل بشكلٍ رائع عندما يتورَّط، فهل يجب أن نُحاكي الجرذ؟. لكي يعرف الإنسان السلام يجب أن يُجرِّب الصراع. عليه أن يمر بالمرحلة البطوليَّة قبل أن يتمكن من التصرُّف كحكيم. يجب أن يُصبح ضحيةً لانفعالاته قبل أن يتمكن من التعالي عليها. ولكي تُستنهض طبيعة الإنسان الانفعاليَّة، لتُسلِّمه إلى الشيطان وتُخضعه للاختبار الأسمى، يجب أن يجري صراع يتضمن شيئاً أكثر من الوطن، والمبادئ السياسيَّة، والآيديولوجيات..إلخ. إن الحرب الحقيقية هي ثورة الإنسان ضد طبيعته المُغاليَة. وهذه الحرب تستمر إلى الأبد دون إراقة دماء، تحت عنوان مُسالم هو الارتقاء. في هذه الحرب يُصنِّف الإنسان نفسه إلى الأبد في صفوف الملائكة. وعلى الرغم من أنه ربما، كفرد، يُهزم، إلا أنه يمكن أن يتأكد من النتيجة: لأنَّ الكون كلَّه معه]*.

------

هامش:
*من رواية: كابوس مُكيَّف الهواء ترجمة أسامة منزلجي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.