الثورة السودانية الحالية هي أطول الثورات العربية المعاصرة عمرا في الشارع، بدأ الخروج جماهيريا في 19 ديسمبر 2018، وعلى مدى قرابة السبعة شهور متصلة إلى الآن، تنوعت أساليبها وصورها، من المظاهرات الليلية والمواكب والاعتصامات والإضرابات العامة، وأيام العصيان المدني، وصولا إلى مليونية حاشدة مبدعة، متسعة الجغرافيا بطول وعرض وعمق السودان، وفي منافي السودانيين الاختيارية والجبرية بعواصم أوروبية كبرى، وإلى حد بدت معه آخر مليونية في 30 يونيو 2019، كأنها افتتاحية جديدة للثورة، التي لا يهزمها تقادم الزمن، ولا يخبو وهجها مع تدافع الأيام والشهور، بل يزداد حضورها الجماهيرى بثبات وحيوية مدهشة.

وقد لا تكون الظاهرة غريبة على الشعب السوداني، وهو أقدم وأعرق وأسبق الشعوب العربية في صناعة الثورات على الطغيان الداخلي، نقصد هنا الثورات من الطراز الشعبي الخالص، واستنادا إلى قوة الناس في الشارع، وليس إلى دوائر القوة في أجهزة الدولة المتشكلة حديثا، عقب الاستقلال وجلاء الاستعمار القديم، على النحو الذي عرفه العرب في خمسينيات وستينيات القرن العشرين باسم ثورات الضباط الأحرار، بينما مشى السودان بعد استقلاله في مسار يخصه، فلم تكن في السودان ملكيات وراثية مغلقة من النوع الخليجي، ولا ملكيات متنورة نسبيا كما في المغرب والأردن، ولا جهاز دولة قوي متسع النفوذ، كما في جمهوريات دول «الضباط الأحرار»، وكان الضعف النسبي لجهاز الدولة السوداني مغريا بالثورة الشعبية عليه، فضلا عن حيوية المثقفين السودانيين، والوجود المتصل لكيانات حزبية طائفية تقليدية وحديثة، لم تكن هي الأخرى قادرة على تحقيق نصر نهائي، وهو ما يفسر الحلقة المفرغة التي دار فيها تاريخ السودان بعد استقلاله في أوائل عام 1956، وتوالت فيها نظم حكم برلماني وعسكري بالتتابع، فلم يستمر الحكم البرلماني الأول سوى سنتين، أعقبه انقلاب الجنرال عبود، الذي استمر في الحكم لنحو ست سنوات، قامت بعدها ثورة السودان الشعبية العظيمة في أكتوبر 1964، وكانت ثورة استثنائية في زمانها العربي، قادها القضاة وقتها، وبدعوة إلى إضراب عام، فزع منه الجنرال عبود، وترك الحكم للأحزاب التقليدية وقتها، وفي تجربة برلمانية عليلة، لم تستمر سوى قرابة الخمس سنوات، أعقبها انقلاب جعفر النميري والضباط الناصريين في مايو 1969، الذي دهس محاولة انقلاب ضباط الحزب الشيوعي عليه في أوائل سنوات حكمه، واستمر في الحكم إلى أواسط الثمانينيات، منقلبا على دعاواه الأيديولوجية الأولى، ومتحالفا مع «إخوان» الراحل حسن الترابى في أواخر سنواته، ومتورطا في تهريب «يهود الفلاشا» الإثيوبيين إلى كيان الاغتصاب الإسرائيلي، بالتوازي مع ارتدائه العمامة الدينية وزعمه تطبيق الشريعة الإسلامية، وإلى أن جرى خلعه بثورة شعبية جديدة في إبريل 1985، وبعد توطئة سريعة لمدة سنة من حكم مجلس عسكري انتقالي برئاسة الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب، ترك سوار الذهب الجمل بما حمل، وبدأت تجربة برلمانية مأزومة مضطربة، قطع الطريق عليها انقلاب عسكري جديد في 30 يونيو 1989، دبره الشيخ حسن الترابي الذي كان فشل في الحصول على مقعد برلماني، بالتعاون مع ضباط عمر حسن البشير، واستمر حكم الانقلاب الإخواني بالترابي وبدونه لنحو ثلاثين سنة، وإلى أن جرى عزل البشير بثورة شعبية، تتواصل فصولها، ويبدو فيها الشعب السوداني عازما هذه المرة على كسر الدائرة الخبيثة، وبهدي من شعارات السلام والعدالة والحرية، و»المدنية» التي هي خيار الشعب، في مظاهرات بمئات الألوف، وربما بالملايين، فقد بلغ عدد سنوات الحكم العسكري في السودان نحو 52 سنة من إجمالى 63 سنة مرت بعد استقلال السودان، وفي السنوات القليلة البينية، حكم المدنيون بنظام برلماني، لم يكن حصاده أفضل كثيرا، وكان مغريا دائما بالانقلاب الدورى عليه.

الثورة السودانية توافرت لها قيادة منظمة وبمزاج ثوري ملحوظ، قد يدرك أكثر أهمية الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في عملية التغيير

وبالطبع، تأمل الثورة السودانية هذه المرة، وتريد الخروج النهائي من مصائر الدائرة الخبيثة المفرغة، وعندها عناصر قوة لم تكن متاحة من قبل، صحيح أن خروج السودانيين والسودانيات، وتدفقهم الباهر إلى الشوارع والميادين، وبسالتهم منقطعة النظير، رغم ارتقاء مئات الشهداء، بل ربما ببركة دم الشهداء بالذات، والتردي المخيف المرعب في أحوال الاقتصاد، فقد كان الدولار يساوى عشرة جنيهات سودانية زمن صعود انقلاب البشير والترابي، وصار الدولار يساوي اليوم 42 ألف جنيه سوداني، وهذه الأحوال مع غيرها، سبب أكثر من كاف لخروج الجموع إلى الشوارع، في تمرد تلقائىي واسع، انفسحت له ميادين الحركة والأمل بعد عزل البشير، ومع توافر قيادة تنظيمية ذات مصداقية، وبروح مدنية شابة، تستثني جماعات الإخوان، وما يسمى «الحركة الإسلامية» التي كانت سند ديكتاتورية البشير العسكرية، وهو ما يوفر لتحالف «قوى الحركة والتغيير» تجانسا أفضل، رغم المروحة الواسعة التي تضمها من تيارات التفكير والسياسة السودانية، فالتحالف يضم ثلاث كتل حزبية هي «قوى الإجماع الوطني» و»نداء السودان» و»التجمع الاتحادي المعارض»، إلى جوار «تجمع المهنيين»، وهو الدينامو المحرك الرئيسي، ورغم وجود قوى تقليدية طائفية قديمة، كحزب «الأمة القومي» بزعامة الصادق المهدي، وعلى نحو أخف في أثره الطائفي، كما هي أحوال «التجمع الاتحادي المعارض»، الذي يعود أصله التاريخي للطائفة الختمية، بينما يعبر «حزب الأمة» عن الطائفة المهدية، حتى إن جرى تحديث نسبي على حزب الصادق المهدي، لكن دائرة التحالف الثوري المتسع، تمتاز هذه المرة بحضور أثقل وزنا لجماعات التحديثيين المثقفين الشبان، وبحضور لافت لجماعات اليسار الماركسي والقومي والوطني، وعلى نحو ما توحي به أدوار «الحزب الشيوعي» و»المؤتمر السوداني» و»حزب البعث» و»الحزب الناصري» المنضمة للتحالف، ما يعني، أن الثورة السودانية توافرت لها قيادة منظمة وبمزاج ثوري ملحوظ، قد يدرك أكثر أهمية الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في عملية التغيير، وأولوية الاستقلال الوطني والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية، وليس التوقف فقط عند كسب ضمانات الحريات العامة والتعددية وتداول السلطة بانتخابات دورية، ما قد يفسر حرص «تحالف الحرية والتغيير» على مد فترة الانتقال المدني، وإعادة صياغة الظروف والأوضاع والتشريعات واللوائح، بما يكفل لها وزنا أكبر عند إجراء انتخابات عامة، والمعروف أن تحالف «الحرية والتغيير» طالب بفترة انتقالية مدنية تصل إلى أربع سنوات، ثم وافق في المفاوضات مع «المجلس العسكري الانتقالي» على اختصارها إلى ثلاث سنوات، بينما يزايد ويناور «المجلس العسكري»، لتثبيت المصالح التي ينتمي إليها، ويريد اختصار «المرحلة الانتقالية» إلى أقصر مدى ممكن، وإلى فترة لا تتجاوز العام الواحد، وبدعوى تسريع الاحتكام لصناديق الاقتراع، ما يعني نهاية لأحلام وأشواق الثورة السودانية المعاصرة، والعودة المباشرة إلى حكم الأحزاب الطائفية التقليدية، وجماعات اليمين الديني التي تتربص بالثورة وأهلها، وتملك مفاتيح ما تبقى من اقتصاد السودان، وتمثل بجلاء معنى «الثورة المضادة» في أحوال السودان اليوم.
والقصة، مع ذلك، أعقد مما يبدو في ظاهر الحوادث السودانية، وأوسع بمراحل من صراع «تحالف الحرية والتغيير» ضد «المجلس العسكري» المنتسب عضويا لنظام البشير المعزول، ففيها ما هو مشترك مع حالات الثورات العربية المعاصرة، إذ تقوم الثورات عفية في الشوارع والميادين، وفي مشاهد أسطورية تكاد تخلع القلب فرحا، ثم تعقبها مشاهد السياسة التي تميت الروح كمدا، وتحكم قوى الثورة المضادة بالغصب أو حتى بالانتخابات، وكأن الثورات مجرد فواصل عابرة بين حكمين متشابهين أو متطابقين في جوهر الاختيارات الكبرى، هذا طبعا في أقطار «الثورات اليتيمة» التي نجت من مصائر الحروب الأهلية، فما بالك بما هو أسوأ، وعلى النحو الذي تردت إليه أحوال سوريا واليمن وليبيا، والمخاطر من النوعين ماثلة في حالة السودان، ربما الفارق، أن السودان تحت حكم تحالف العسكر وجماعات اليمين الديني، عانى مآسي الحروب الداخلية والأهلية أكثر من أي بلد عربي آخر، قتل فيها مئات الآلاف من أهل السودان جنوبا وشمالا، وضاع ثلث أراضيه بانفصال «جنوب السودان»، الذي لم يفده الانفصال، وأخذ موارد السودان البترولية، وتاه في حروب داخلية تبدو بلا آخر، توازت مع حروب تمرد ورغبات انفصال في ما تبقى من السودان، فالعسكر في السودان، ليسوا فقط في الجيش الرسمي وأجهزة الأمن وقوات التدخل السريع، بل ثمة ثماني حركات مسلحة لها جيوشها في «دارفور» و»النيل الأزرق» و»جنوب كردوفان» وجبال النوبة وغيرها، وحل هذه الجيوش، وتحويل حركاتها إلى أحزاب مدنية كما يقال، لا يبدو مهمة سهلة، خصوصا في ظل التنوع العرقى المفرط في السودان، وتغول التأثيرات الخارجية والتدخلات في شؤون ناسه وترابه، وتفشي نفوذ مشايخ القبائل والطرق الصوفية، التي يلجأ إليها «المجلس العسكري» لتدعيم دوره، وتثبيت سلطته، ويسعد بهتافاتها على طريقة «عسكرية 100%»، وهذه الظروف كلها، مع التردي المفزع لأحوال الاقتصاد، تهدد ثورة السودان، وبالقدر ذاته الذي تهدد به هدوء وسلام السودان، وهو ما قد يلزم بالبحث عن صيغة سودان جديد، وبأوسع مما قد تعنيه شعارات الحرية والسلام والعدالة، التي قد يفهمها كل طرف بحسب مصالحه، وأهل السودان، بالطبع، أدرى بشعابه، وعندهم نخبة تفكير وعقل وحكمة ممتازة واسعة التأثير، وكما صنع السودانيون ثورتهم الفريدة عظيمة البهاء، فهم قادرون على رسم وتشكيل الصورة المضيئة للسودان الجديد، وفك شيفرات المعادلات الصعبة، حفظ الله السودان وأهله من كل سوء.
كاتب مصري
نقلا عن القدس العربي
///////////////////