وساطة أثيوبيا بعد تعليق عضوية السودان في الاتحاد الافريقي من أجل التحول الى حكم مدني في السودان توضح الفرق الهائل بين مسيرة الشعوب في سبيل تحقيق انعتاقها النهائي و اللحاق بموكب البشرية من أجل تحقيق معادلة الحرية و العدالة. و توضح الفرق الكبير بين مسيرة الدول الأفريقية و محاولاتها الجادة و ايمانها بالديمقراطية فعلى سبيل المثال نجد أن كثير من الدول الافريقية قد قطعت شوطا لا بأس به في مسألة حل أزمة نظم الحكم فالتجربة تتجسد في أثيوبيا نفسها و مسألة ترسيخ الديمقراطية و حل الصراع عبر الطرق السلمية و كذلك نجد جنوب افريقيا و السنغال و كينيا و نجيريا و رواندا و في نفس الوقت نجد أن هذه النزعة أي حل أزمة نظم الحكم و التي تفضي الى تحقيق ديمقراطية غير منقوصة تغيب عن مسرح الأحداث السياسية في العالم العربي. 

ستنجح وساطة أثيوبيا في مسألة التحول الى حكم مدني في السودان فخلفها يقف الاتحاد الافريقي الذي يعطي مؤشرات بأن أفريقيا جادة في تحولها الى مسألة الحكم المدني أما مجافاتها لكل أنواع الانقلابات العسكرية فمسألة لا ريب فيها و حتى على مستوى العالم فان افريقيا مدعوة بأن تكون جزء من الطلب العالمي فيما يتعلق بالنشاط الاقتصادي فافريقيا كانت بعد حقبة الاستقلال و لأسباب قد وضعت أمامها العراقيل حتى لا تكون جزء من النشاط الاقتصاد العالمي لذلك قد غابت فيها مظاهر النجاح لاقتصاديات التنمية أما اليوم و لأسباب كثيرة فيما يتعلق بالاقتصاد العالمي فان افريقيا مدعوة بأن تكون ذات حظوة في مسألة الطلب العالمي لنشاط اقتصادي قد دخلت فيه الصين الى مسرح الاحداث كمنافس لأوروبا و امريكا.
و قد وعت النخب و الريادات الوطنية الواعية في بعض الدول الافريقية و من ضمنها أثيوبيا التي تقوم بالوساطة من أجل احلال حكم مدني في السودان بأن تحقيق أي نجاح باهر فيما يتعلق بمشاريع اقتصاديات التنمية لا يمكن أن يكون الا في ظل نظم ديمقراطية غير منقوصة و هذا ما يتطابق مع رغبة الشعب السوداني في مسيرته الطويلة منذ فجر الاستقلال الى لحظة نجاح ثورة ديسمبر فروح ثورة ديسمبر في مسألة تحقيق ديمقراطية غير منقوصة نجدها أقرب لمحاولات أثيوبيا و من خلفها الاتحاد الافريقي أكثر من قربها من العالم العربي الذي مازال يقاوم و بشراسة مسألة تحقيق ديمقراطية تقوم على أساس المواطنة لأسباب كثيرة و لكن أبرزها سيطرة سلطة الأب و ميراث التسلط في العالم العربي و من نصيبنا في السودان من وراثة سلطة الأب و ميراث التسلط نجده كما يقول هشام شرابي في ظهور فكرة الأبوية المستحدثة و أبرز تجلياتها هي صورة المجلس العسكري الذي يسيطر عليه البرهان و حميدتي و كذلك سيطرة جهاز الأمن الذي مازال يحاول من خلف الكواليس نفخ الروح في جثة الانقاذ الثمرة المرة لفكر الحركة الاسلامية السودانية.
فالمجلس العسكري و جهاز المخابرات في السودان يحاول تجسيد فكرة الأبوية المستحدثة و هي عكس روح ثورة الانعتاق النهائي التي قد جسدتها ثورة ديسمبر من أجل تحقيق الديمقراطية . الآن في ظل الحراك الذي يجسد روح ثورة ديسمبر نجد أن السودان في وعي شعبه من أجل تحقيق معادلة الحرية و العدالة يدرك أن نصيره متمثل في دور اثيوبيا و الاتحاد الافريقي بعكس العالم العربي الذي تمثله السعودية و الامارات و مصر في محاولتهم تأبيد فكرة سلطة الأب و ميراث التسلط بوقوفهم خلف المجلس العسكري و جهاز المخابرات لنظام الحركة الاسلامية السودانية.
السعودية و الامارات و مصر يحزنها قيادة السودان لموجة الربيع العربي الثانية بحكمة و عبقرية الشعب السوداني و يرى محور السعودية و مصر و الامارات في نجاح السودان لقيادة الموجة الثانية من مد الربيع العربي تهديد مباشر لعروشهم التي قد أصبحت في مهب الريح في المدى المنظور بعد أن كان التهديد على المدى المتوسط. أن قيادة السودان للموجة الثانية لمد الربيع العربي هي تهديد مباشر و خاصة بعد أن رأت كل من السعودية و الامارات و مصر أن الجزائر قد استنسخت نسخة ثورة ديسمبر السودانية في سلميتها و كانت نتيجتها تنحية بوتفليقة و مازال الحراك الجزائري مواصلا لنشاطه الذي يطالب بتغيير كامل و شامل من أجل تحقيق مطالب الشعب.
لذلك سنرى أن كل العراقيل التي سوف توضع أمام ثورة ديسمبر ستأتي من جهة العالم العربي و نظم حكمه التي لا تعرف أن الحرية قد أصبحت مطلب شعبي و سوف يحطم نسق الطاعة الذي ترتكز عليه نظم قد كرست فكرة الأبوية المستحدثة التي تريد التحديث و ترفض الحداثة التي تحطم فكرة استغلال المعتقدات الدينية و المعتقدات الاجتماعية البالية و المعتقدات السياسة التي تجسد فكرة الابوية المستحدثة كما نراها في أزمة نظم الحكم في العالم العربي. ثورة ديسمبر في السودان قد أعطت مؤشرات بأن فكرة استغلال الدين قد انتهت و الى الأبد و كذلك قد انتهت الاعتقادات الاجتماعية البالية في دوي شعارات ثورة ديسمبر كل البلد دارفور و قد نسفت روح العنصري المغرور في مناداتها بديمقراطية غير منقوصة تنهي حيل السياسيين السودانيين و أدمانهم للفشل منذ فجر الاستقلال.
بالمناسبة ان الشعب السوداني في ثورة ديسمبر قد أثبت أنه متقدم على النخب بمسافة و قد أجبر النخب أن تلحق بموكب الثورة و قد وفوضها أن تقود نيابة عنه من أجل تحقيق أهداف الثورة و عليه فان النخب السودانية مطالبة بالتخلص من هشاشة البناء الفكري الذي يريد لنا التحديث و يرفض الحداثة. و الذي يؤكد لنا أن النخب السودانية تريد لنا التحديث و ترفض الحداثة تمترسها في أحزاب مازالت غارقة في وحل الفكر الديني من كل شاكلة و لون و كما يقول هشام شرابي في نقده لمفكري الاصلاح بأنهم كانوا يعتقدون اعتقاد خاطئ بأن المحافظة على القيم الاسلامية هي تعبير عن روح الاصلاح في الوقت نفسه أن هذه الأفكار ما هي الا تكريس لسطة الأب و ميراث التسلط و قد تجلت في معالجتهم للقضايا الحياتية الملموسة بالتجريدات العقائدية لا من خلال الواقع الحي و المعاش و كذلك أخذهم الساذج للعقل قد أوقعهم في مناظرات عقيمة لا طائل من وراءها بل كرس لنظم استبدادية ليس لأحد فيها صفة المواطنة كما يقول منتسكيو.
في نظر هشام شرابي أن ظاهرة البعث الاسلامي و أفكار الاحياء الاسلامي ما هي الا ثمرة من ثمرات سلطة الاب و ميراث التسلط فيجب على النخب السودانية و في سبيل تخلصها من هشاشة البناء الفكري أن تتخلص من كل فكر يدعو الى فكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين لأنه فكر يقوم فقط على التلفيق و التوفيق و لا يخدم غير فكرة الترقيع. ففكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين التي قد دعى لها أحدهم نجدها تنبعث و تساعد على أذكاء روح من يحاول أن يقف بجانب المجلس العسكري في موكب نصرة الشريعة و هي توضح انبعاث جديد و محاولة لتأبيد سلطة الأب و ميراث التسلط و السبب هو هشاشة البناء الفكري في السودان و هو المسؤل من انتشار وحل الفكر الديني الذي نجده في أغلبية أحزاب السودان بل في فكر كثير من المفكرين السودانيين و كما اسلفت و قلت نجده في فكر من دعى لفكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين و كذلك في فكر من يزعم أن هناك أمكانية مقاربة لانزال الفكر الديني السوداني و مصالحته مع الديمقراطية و يقترح مقاربة لفكر كل من الترابي و عبد الخالق و الاستاذ محمود و هنا تتضح هشاشة البناء الفكري للنخب السودانية التي تجيد المغالطات و لا تريد أن تخرج من حيز الايمان و التقديس و التبجيل الذي يجعل النص الديني نص لا تاريخي لا يثمر الا سلطة الأب و ميراث التسلط في زمن قد أصبحت فيه الحداثة ماضي روحي للانسانية الحالية و قد أصبح الدين في مستوى دين الخروج من الدين و قد أعلن زوال سحره و قد خرج بغير رجعة من حقول السياسة و الاجتماع و الاقتصاد.
ستنجح الوساطة الاثيوبية و سيكون هناك تحول الى الحكم المدني و لكن أكبر المهددات للتحول الى ديمقراطية غير منقوصة هي هشاشة البناء الفكري التي تسيطر على ساحة الفكر السودانية و نلاحظها في ظاهرة تقدم الشعب على النخب. الشعب السوداني الآن في مستوى وعي يذكرك بمستوى وعي الشعب الانجليزي في القرن السابع عشر و ذاك المستوى من الوعي قد كان سر نجاح الثورة في انجلترى و بعدها بقرن كامل نجد أن مستوى وعي الشعب الفرنسي قد وصل الى ذاك المستوى و كان سر نجاح الثورة الفرنسية و عليه أن الثورة الفرنسية قد سبقها انفجار معرفي و كان لها آباء كفولتير و جان جاك روسو فعلى النخب السودانية أن تخرج من هشاشة البناء الفكري لكي تلحق بمستوى وعى الشعب الذي قد حقق ثورة ناجحة قد تمثلت في روح ثورة ديسمبر التي تريد أن تصل الى مرحلة الديمقراطية و زهرتها البديعة أي الفردانية و تحقيق كل آمال الشعب السوداني لا يتم الا في ظل فكر ليبرالي يرتضي نمط الانتاج الرأسمالي لأنه و كما يؤكد هشام شرابي إن النظام الرأسمالي و نمط انتاجه وحده القادر على كسر سلطة الأب و ميراث التسلط.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////