حسن عبد العاطي

الأمين العام للمنتدى المدني القومي في السودان

نقلا عن القدس العربي

منذ انطلاق تظاهراتهم الشعبية العارمة في ديسمبر/ كانون الأول 2018، يطالب السودانيون باستعادة حقوقهم السياسية بعد عقود من المصادرة. وقد تمكّنت "قوى الحرية والتغيير" من تحقيق إنجازاتٍ بالغة الأهمية في هذا الإطار، بدءًا من الحفاظ على سلمية التحرّك وإسقاط الرئيس عمر البشير، وصولًا إلى الانخراط في حوار مع المجلس العسكري، سعت من خلاله إلى تأمين انتقالٍ سلميٍّ للسلطة في البلاد إلى حكومة مدنية، غير أن قوى الثورة المضادة في السودان راحت تتحايل على الدعوات الدولية لتحقيق هذا الانتقال، فضربت عرض الحائط بمهلة الاتحاد الأفريقي، القاضية بطي صفحة الحكم العسكري وفتح صفحة مدنية، في مهلةٍ أقصاها نهاية شهر يونيو/ حزيران الجاري.

وقد خطا المجلس العسكري أخيرا خطوة كبرى في الاتجاه النقيض لما تعمل غالبية السودانيين على إنجازه، ولِما دأب الاتحاد الأفريقي على الدعوة إليه، فدهَم مركز اعتصام قوىً حافظت على سلميتها، على الرغم من تعرّضها للاعتداء مرارًا، وأراق دماء غزيرة وعزيزة، إثر استهدافه الناشطين السلميين مباشرة هذه المرة، ومن دون مواربة، أو عبر أطراف ثالثة، كما كان يحصل في السابق.

ثمّة حاجة ملحّة، أكثر من أي وقت مضى، لأن يُضاعف الاتحاد الأفريقي من جهوده للدفع باتجاه إنجاز التحوّل الديمقراطي المنشود في السودان. لقد ابتدع المجلس العسكري حججًا، واختلق أعذارًا وذرائع شتى للتنصل من المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، فتارة اتهم الثورة زورًا بأنها لم تعُد سلمية، في وقت كان فيه ناشطوها يتلقون الرصاص في صدورهم، وطورًا اتهمها بمحاولة الاستئثار بالسلطة، فيما الحقيقة أن نضالها ما هو إلا لإنهاء الاستئثار، وتدشين أسس دولةٍ تقوم على مبادئ المواطنة والحرية والمساواة، وتعود إلى لعب دور حيوي بنّاء في محيطها الإقليمي، بعد طيّ النزاعات والمآسي الإنسانية في محافظاتها الغربية والجنوبية والشرقية، دارفور وجنوب كردوفان والنيل الأزرق.

واليوم، تبرز الحاجة إلى ثني بعض الدول في المنطقة عن دعم المجلس العسكري، وتسويق شرعيته المصطنعة، أو المفروضة على القسم الأكبر من السودانيين قسرًا. كذلك تبرز الحاجة إلى ما يتجاوز مجرّد إعلانِ مواقفَ تندّد بالاعتداء على المتظاهرين والمعارضين في عموم البلاد، وتدين تسويفات المجلس العسكري المتكرّرة التي أفرغت المفاوضات من مضمونها، وجعلتها عملية شراءٍ للوقت، يُراد منها تنظيم صفوفه، وخلط الأوراق على الأرض، والتنكيل بقوى الحرية والتغيير، وإعادة إحياء هياكل الدولة الأمنية العميقة التي كرّسها الرئيس السابق وممارساته. رهاننا اليوم على ضغط الشعوب المحبّة للحرية، في العالم العربي وفي أفريقيا والعالم، على حكوماتها لتحقيق هذه الأهداف.

لقد آن الأوان لإرسال بعثات دولية لتقصي الحقائق على الأرض، ولتحميل الأطراف التي تدفع الأمور نحو الهاوية المسؤولية عن أفعالها على الملأ. ثمّة محاولاتٌ حثيثةٌ من السلطة العسكرية للتعتيم الكامل على ما يجري حاليًا من انتهاكات، ولتقويض جهود التفاوض التي دفع مئات من السودانيين ثمنًا لها قتلًا واعتقالًا وتنكيلًا. وقطع شبكات التواصل مثال على نية طمس الصور التي يجري تناقلها من داخل السودان إلى كل متابع للأحداث في الدول القريبة والبعيدة. وقد صارت ضروريةً دعوة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى التعجيل في عقد جلسة طارئة لبحث تطور الأوضاع في السودان، وبات العمل على تفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة المعمول بها في الاتحاد الأفريقي بالغ الأهمية.

قبل أقل من ثلاثة أسابيع من انتهاء مهلة الاتحاد الأفريقي لتحقيق انتقال سلمي للسلطة إلى حكومة مدنية، والتي أكّد عليها مجلس الأمن الدولي في اجتماعه أخيرا، نقف في السودان أمام مفترق طرق، فإما أن نتمكّن من الدفع بمسار التغيير إلى نهاياته التي تتيح لكلّ سوداني، بمعزلٍ عن خلفيته الإثنية والدينية، التمتعَ بحقوقه باعتباره إنسانا حرّا كريما، وتضميدَ جراحٍ طال نزيفها، أو تنجح الدولة العميقة في إعادة إنتاج نفسها وتفرض شرعيّتها بالقوة، تجاوزًا لإرادة أعداد غفيرة ممن كانوا يحلمون بمستقبل أفضل، وتفتح الباب واسعًا أمام نزاعات مسلحة جديدة في البلاد.