صبيحة يوم وقفة عيد الفطر قامت قوات «الجنجويد» التي يرأسها الفريق أول محمد حمدان دقلو (المعروف أيضا بلقب حميدتي) بما وصفته «منظمة العفو الدولية» بـ«اجتياح قاتل» ضد جموع المعتصمين السلميين السودانيين أمام مقر «القيادة العامة للجيش» الذي هو أيضاً مركز «المجلس العسكري الانتقالي» الذي يقود السودان منذ عزل الرئيس عمر حسن البشير في 12 نيسان/إبريل الماضي.

ركّب السودانيون مصطلح الجنجويد من ثلاثة معان: الجنّ، والجواد، والمدفع الرشاش، أي هي الرجل الأشبه بالجنّي راكب الخيل الذي يحمل سلاحا رشاشا، كما أنها تستخدم كفعل رباعي (جنجد) وتعني محترف النهب المسلح، وقد نشأ المصطلح على خلفية أزمة إقليم دارفور التي استخدمت فيها ميليشيات الجنجويد لفرض سطوة الحكومة المركزية، وتصاعدت حينها اتهامات للجنجويد بتنظيم عمليات اغتصاب وإبادة جماعية ضد سكان الإقليم، وبعد امتلاء ملفات مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بدعاوى ضد تلك القوات قامت الدولة السودانية بإعادة هيكلتها ووضعها تحت إشراف جهاز الأمن وتسميتها هذه التسمية «المحترمة»: «قوات الدعم السريع»، لكن ذلك لم يمنع محكمة الجنايات الدولية من استصدار أمر توقيف بحق الرئيس السوداني المعزول البشير وهو على رأس عمله.
تناقلت وسائل الإعلام العالمية شرائط فيديو لما حصل في يوم فض اعتصام «القيادة العامة» وكان بينها شريط مثير يصوّر مجموعة جنود ينهالون بالضرب على شخص صار على الأغلب جثّة هامدة وأحدهم يصيح بما معناه أن ذاك الشخص «حرمهم من إجازة العيد».
المفارقة طبعا أن ذاك الرجل الذي قضى ربما على يد عناصر «الجنجويد» كان، وزملاؤه المعتصمون، يناضلون لتحقيق نظام سياسيّ يحافظ على حقوق السودانيين وكراماتهم جميعا، بمن فيهم الجنود أنفسهم، والسيناريو المتوقع أن أولئك الجنود، الذين أصبحوا أداة للإجرام بحق إخوتهم السودانيين، تم تحريضهم من قبل ضباطهم ومسؤوليهم ضد المعتصمين باعتبارهم يريدون نشر الفوضى، مثلا، ولكن هل يُعقل أن يتم إقناعهم بقتل العشرات (وربما المئات) من البشر، لأنهم لم يحصلوا على إجازة العيد، وأي نوع من الضباط والجنود هؤلاء الذين يمكن أن يصل بهم السقوط الأخلاقي والإنساني إلى هذه الدرجة؟
تركّزت الخطة الممنهجة للقضاء على الاعتصام بمشاركة رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان في قمة مكّة حيث قام السعوديون بإعطائه حيّزا مبالغا فيه، لإشعاره بامتيازات «الرئاسة» الخلّبية، في الوقت الذي كان فيه قائد «الجنجويد» ينظم عملية «الإبادة الجماعية» التي برع فيها، مبتدئا بإخفاء الشهود عبر إقفال مكتب قناة «الجزيرة» ومنع وسائل الإعلام غير الموالية للنظام من تغطية ساحة الاعتصام، ثم إفلات عناصره لتعميم القتل ورمي الجثث في النيل واستهداف المشافي وحتى البيوت.
عملية السيطرة الهمجية على مواقع الاعتصام في الخرطوم والمدن الأخرى لم تنته فصولا طبعا، فوراءها حركة سياسية تغطيها السعودية والإمارات ومصر، لتمكين حميدتي، رجلهم الأول، وتحويل السودان كلّه إلى إقليم دارفور جديد.

//////////////////////