تعاقبت على السودان ومنذ إستقلاله، أنظمة حكم ديموقراطية وأخرى ديكتاتورية وشمولية. حصاد مجمل تلك الأنظمة هو السودان الذي نشهده اليوم يتخبّط بين سندان عسكر مؤدلجين وآخرين متعسكرين يسعون إلى الإنفصام عن دورهم المهني لتقمّص دور آخر يتمثّل في الحُكم، لم يكن يوماً جزءاً من الإعداد الإختصاصي للمؤسسة العسكرية، وبين تنظيمات حزبية لم تعمل بقدر كافي ومتنامي ومواكب على تنقية شوائبها التنظيمية وتطوير قدراتها الفكرية، وهو ما سيجعلها تكابد في أن تقود البلاد إلى إرساء ديموقراطية تؤدّي بدورها إلى تنمية للوطن ورفاهية للمواطن، ومع ذلك نعلم أن وجودها في ممارسة أي ديموقراطية ضروري وحتميي. هذا المشهد المزري، أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه سيقود البلاد إلى المزيد من الضياع، إن لم يتم تداركه برشد. 

فخلال سني ما بعد الإستقلال والتي بلغت ثلاثة وستون سنة، عمدت العديد من الحكومات بسياستها القاصرة أو الخاطئة وربما المتعمّدة على تمزّيق الإنسان السوداني ومجتمعاته بإجباره على التعايش بهوية منفصمة وتم تفتيت مجتمعاته الطرفية بالحروب المصطنعة لمواجهة مجتمعات رفعت قضايا حقيقية وعادلة عن إختلالات سلطوية وتنموية وثقافية شائنة طُبِّقت بعناية، خاصة في السنوات الثلاثين العجاف لنظام الإنقاذ. كما دفعت الحكومات الدكتاتورية والشمولية المتعاقبة، العقول إلى التعطيل والإحتباس وجمود التفكير والعجز عن تفعيل وتنمية القدرات على المبادرة والإبتكار، بممارسة الكبت الممنهج والقهر المتواصل، فأصبحت عقولاً متلقّية وملغية، وبات أن الوطن بأكمله قد أُرِيد له النوم في سبات بينما ينهش أؤلئك الباحثون عن إشباع الرغائب والنوازع الذاتية في موارده، ثم ينخرون آخر عظامه ويجرّونه بعدها إلى هاوية يُدفن فيها.
طوال هذه السنين، لم يتوقّف الشعب عن مواجهة جملة تلك المآسي ومواجهة منتجيها، ولم يدّخر جهداً إلا وبذله، حتى كانت ثورة ديسمبر 2018م، السلمية التي مثّلت حلقة مستقوية ومصفّحة بتلك التجارب، لكنها ما زالت تُنازع بتر آخر نوازع الشمولية. ولأننا جميعاً على قناعة بأن الشعب سينتصر قريباً في إرساء الدولة التي تُعبّر عن طموحاته، ذلك أن زبى سيله قد بلغ أقصاه، وأن درجة الوعي الذي تخلّق خلال أكثر من نصف قرن، وتعتّق في الثلاثين سنة الأخيرة، كافية إلى تصميم مرحلة حكم إنتقالية تستوعب مقتضيات الدولة التي لن تتجمّد أو تعود إلى الوراء بتاتاً، وقادرة أيضاً أن تُجبر الأحزاب، قديمة كانت أو جديدة أن تنفض عن نفسها أغبرة الجمود الفكري والتنظيمي لتواكب تطلعات الأجيال المقبلة ومقتضيات العصر.
معلوم أن الحكومة الإنتقالية مطالبة بوضع شعار "حرية سلام وعدالة" موضع التنفيذ، وعندما أقول موضع التنفيذ، أدرك بأنه عمل متواصل ولن يتوقّف عند اكتمال الفترة الإنتقالية المقترح لها أربع سنوات، وإنما عِظم مسئولية الحكومة الإنتقالية تتجلّى في أنّها تضع الأساس لذلك العمل المتواصل، وبالتالي متانة الأساس حيوي لتلك الإستمرارية الناجحة. أحد أضلع الشعار يمثّل تحدّياً عظيماً نظراً لتشابك تعقيداته، وهنا أعني تحقيق السلام. نُدرك أن المناطق التي تأثّرت بالحرب أو التهجير القسري تُعاني من جملة مظالم نستطيع تصنيفها في ثلاث محاور:
المحور الأول: إختلالات في السلطة إنعكست في تنفيذ السودنة في مستهل الإستقلال واستمرت حتى 1989م.
المحور الثاني: مظالم ممنهجة في السلطة والتنمية خلال حكم نظام الإنقاذ من 1989م حتى الآن.
المحور الثالث: مظالم مهجّري السدود.
المحور الرابع: إفرازات الإختلالات في المحاور الثلاث أعلاه.
بالنظر إلى حجم القضايا التي تستضمنها هذه المحاور، والرقعة الجغرافية التي تغطّيها والكثافة السكّانية الموجودة فيها والمتأثّرة بها، حيث نستطيع أن نشير بإيجاز وعلى سبيل التمثيل إلى ما هو مطلوب بدءاً بالتوصّل إلى سلام يقود إلى إستقرار يمكّن من تنفيذ مشاريع للإنعاش، وإعادة لإعمار البنيات التحتية التي تُشكّل أولوية قصوى، وإعادة تأهيل النازحين واللاجئين وتوطينهم في أماكنهم الأصلية، وتقدير ودفع التعويضات وإجراء المصالحات المجتمعية وإعمال العدالة الإنتقالية، وتوطين الرُحّل ومشاريع التنمية قصيرة ومتوسّطة الأجل، ومعالجة قضايا المهجّرين بأسباب السدود وتعويضهم، وتحقيق التمييز الإيجابي في السلطة والتنمية. وفوق كل ذلك التصدّي بالتكامل مع الوزارات الأخرى ذات الإختصاص لحجم صدى الدمار الإجتماعي والإقتصادي الذي أصاب السودان بأكمله من جراء تلك القضايا، فإن حتمية وجود وزارة تنشأ خصّيصاً للتصدّي لهذه المحاور تحت مسمّى "وزارة السلام وإعادة الإعمار والتوازن التنموي " تضّطلع بهذا الدور طوال فترة الحكومة الإنتقالية، أمر لا غنى عنه بعد إستلام المجلس السيادي المدني للسلطة.
إن وزارة من هذا القبيل، لن تنشأ من فراغ، هناك إرث تأسيسي غني حسب علمي وتجربتي متمثّل في المفوضيات التي نشأت إبّان السلطة الإنتقالية الإقليمية التي أعقبت إتفاقية أبوجا في 2006م، ذلك أن حجم العمل التأسيسي الذي تم، لا سيما في تحديد إختصاصات وهياكل تلك المفوضيات وإداراتها والأوصاف الوظيفية لشاغليها، والخطط الإستراتيجية التي تمّت، كان عملاً مهنياً وعلمياً وكبيراً ومقدّراً، وبالأخص في صندوق دارفور للإعمار والتنمية ومفوضية أراضي دارفور وقضايا الأرض واستخداماتها. هناك دراسات علمية مفصّلة أنجزتها بيوت خبرة مؤهّلة وفي مقدّمتها هيئة أساتذة جامعة الخرطوم الإستشارية، وهناك كم هائل من البرامج والمشاريع التي تم إعدادها لإعادة الإعمار والتنمية بكامل أركانها التنفيذية من مخططات ومواصفات وتكاليف وجداول زمنية للتنفيذ، كان قد عكف على دراستها وصادق عليها ثلاثة عشر خبيراً من البنك الدولي، مشيرين إلى أنها مطابقة تماماً للمواصفات الدولية. حيث تم كل ذلك في إجتماعات مشتركة مع خبراء صندوق دارفور للإعمار والتنمية استمرت لخمسة أيام في مقر البنك بواشنطن في العام 2007م. المعلوم أن النظام تعمّد تعطيل تنفيذ تلك المشاريع ضمن تعمّده بعدم الإلتزام بتعهداته في الإتفاقية، والحقيقة أنه لم يكن في الأصل راغباً في معالجة جذور الأزمة التي أجج أوارها، وزادها إشتعالاً ولا حتى إفرازاتها. هذا الإرث الخامد من الخطط والبرامج والمشاريع وبعد أن يتم تحديثه ليستوعب المتغيّرات الزمانية المعاصرة، كفيل بأن يشكّل الأساس لتأسيس الوزارة الجديدة، بل سيوفّر قدراً كبيراً من الجهد والوقت والمال يمكن تسخيرهم لصالح البدء في التنفيذ المباشر لإعادة الإعمار والتنمية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.