بمجرد اعلان اسم الفريق اول عبدالفتاح برهان رئيسا للمجلس العسكرى الاانتقالى، شكك الكثيرون من انه اسلامى، رغم انه لم يتولى منصبا سياسيا ولم يكن حتى معروفا لدى العامة الا للقليل القلة من زملاءه وابناء دائرته الجغرافية. الذين يعرفونه عن قرب سارعوا فى النفى على انه اسلامى، يبدو انهم صادقون فى نفيهم. لكن فى المقابل المنطق يوافق المشككون فى كيف تدرج شخص خارج دائرة الحركة الاسلامية الى رتبة فريق اول فى الوقت الذى احيل جميع كوادر العسكرية والمدنية غير الاسلامية الى الفصل والتشريد لما يعرف بالصالح العام؟ 

الحركة الاسلامية هى فى الحقيقة مافيا سياسية تخلخل فى جميع مؤسسات للدولة بطرق مختلفة ليتجذر فيها، الفريق حمدتى مثلاً لم يكن اسلامياً ولا حتى عضواً فى حزب المؤتمر الوطنى لكنه ارتقى من تاجرصغير للمواشى الى فريق ركن فى فترة لا تتجاوز 15 سنة والكل يدرك الاجابة! وهكذا نمت الدولة العميقة مستخدماً وسائل اخرى غير الايدلوجيا، مركزةً وبالاخص على العلاقات العائلية حيث نٌسجت شبكة الدولة العميقة من العائلة والاسرة الممتدة عن طريق المصاهرة والإنتماء، ثم من خلال تلك العلاقة يكسبون ولاء الاسرة الممتدة والقبيلة واهل المنطقة والاقليم، ثم اٌستخدمت العلاقات التجارية بحيث اسسوا باموال الدولة شركات ضخمة وشاركوا فيها الجشعيين والمحتالين من المكونات الاخرى واغروا اسرهم بالتسهيلات التجارية حتى يكسبوا ولاء ذوى المصالح الخاصة. ثم استخدموا الجريمة فى تعميق جذور دولتهم العميقة كاشراك المنتفعين والجهلة فى القتل وحروب الابادة مقابل مناصب سياسية واموال، كما سعوا مساعدة عصابات غسيل الاموال وتجار المخدرات فى تثبيت الدولة العميقة، هؤلاء المجرمون تجذروا فى دولة الكيزان العميقة جنباً الى جنب مع الايدلوجيا دفاعا عن اموالهم وسلطانهم وتغطية لجرائمهم. وهكذا تشابكت جذور دولة الكيزانية العميقة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، هذا النوع من الجذور يصعب اجتثاثها فى لحظة واحدة مهما كان قوة موج الثورة، اذ انه لو نٌزٍعت سياسياَ افسدت الاقتصاد ولو نٌزِعت اقتصادياَ افسدت العلاقات العامة، لذلك كان من البديهى ان يتخوف الثوار من ابن عوف ويتحفظ على برهان.

2
جل النقد من الشارع عن تعيين برهان ليس التخوف من اشباه الدولة العميقة لكنه كان دمويا وقاتلا فى حروب دارفور، نستطيع ان نتفهم غضب هؤلاء، لكن هل كان ذلك سببا كافيا فى رفض برهان؟ الاجابة هو نعم فى حالة دولة العدالة والقانون الذى لا ينطبق على السودان الحالى لسببين (1) الرجل وقتئذٍ ضابط صغير يتلقى الاوامر وليس من متخذى قرار الحرب، وصعد سلم القيادة العسكرية من بوابة العلاقات الاجتماعية والمعرفة فهو كان مدير مكتب الفريق الدابى مساعد رئيس الجمهورية لدى دارفور والصديق الشخصى للرئيس المخلوع عمر البشير (2) كل الذين شاركوا فى حروب دارفور ومن كلا الطرفين ارتكبوا جرائم والقتل على اقل تقدير، بالتالى لو اتخذنا عامل القتل فى الحروب معيارا فى مثل هذه الظروف من الصعب ان تجد شخص نقى من العسكريين او من الحركات المسلحة يتقدم الصفوف فى بناء الدولة. الحركات المسلحة لها ملفات سوداء فى عملية حقوق الانسان على عكس الحكومة ليس ضد خصومهم لكن فظائع ضد مناصريهم وضد رفقائهم من الحركات الاخرى. وبما ان الثورة فى بُعدها الاستراتيجى يعنى التغيير وطى صفحة الماضى السوداء وفتح صفحة اخرى نظيفة يجب علي السودانيين والثوار ودعاة تغيير ان يصاحبوا معهم معانى المصالحة والعفو مع تشكيل لجنة مستقلة لبحث الحقيقة لتجنب تكرارها فى المستقبل. اما اولئك الذين ارتكبوا جرائم موثقة ضد الوطن والمواطنين فيد القانون سوف تطالهم فى ظل دولة القانون التى يرجى بناءها.

3
الفريق حمدتى قائد قوات الدعم السريع يجب ان نقف عنده قليلا، الرجل على حسب ما يشاع كان تاجر حمير فى دارفور لكنه انضم الى مليشيا الجنجويد مقاتلا تحت قيادة ابن عمه الشيخ موسى هلال، لكنه سرعان ما انقلب عليه بعض ان كوٌن مليشيا خاص له باسم الدعم السريع تحت اشراف جهاز الامن والمخابرات ، ولم يلبث كثيرا حتى نقل اشراف مليشياته الى رئاسة الجمهورية مباشرة حيث كسر شوكة الحركات المسلحة وتلقى ترقية فريق فى الجيش واكسب قواته الصفة القانونية من البرلمان رغم السمعة السيئة التى يتصف بها ثم الاحترافية من مشاركتهم فى حروب اليمن، وكسب ود الغرب والاوربيين فى عملية وقف الهجرة غير الشرعية الى اوربا، ثم عاد الى دارفور متبنياً مشروع جمع السلاح وحفظ الامن واعتقل ابن عمه وقائده السابق وكسب ثقة بعض المواطنين الدارفوريين. وفى احداث الثورة السودانية الحالية تفوق على الجميع بضاهيته، استغل عجز القوات الامنية فى قمع المتظاهرين ألح الى غريمه مدير جهاز الامن والمخابرات صلاح قوش بمساعدته وجلب قواته الى العاصمة بعض ان كانوا محظورين. قرأ الموقف جيداُ ورفض تعليمات قائده رئيس الجمهورية فى قمع المتظاهرين وصرح مطمئناَ المتظاهرين بان قواته حضرت فقط لحماية مؤسسات الدولة من التخريب، وعند سقوط البشير اعلان رسمياُ انه يدعم الثورة مما اجبر خصومه من كبار الجنرالات ابن عوف وعبدالمعروف وقوش على التنحى واثرها تلقى ترقية واصبح نائبا لرئيس المجلس العسكرى الانتقالى، رغم وحشية قوات الدعم السريع فانه لم يكن مطلوبا لدى الجهات العدلية الدولية، ، كسب دول الخليج من بوابة اليمن، ثم عاد واكتسب تعاطف الشعب السودانى، هذا الجنرال خضع مَن استثمروا فى فقره وقلة تعليمه واستغفلهم فى السعى الى القمة؟ هل هو حقا ضاهية العصرام انه ظاهرة جديدة من ظواهر عالمنا العجيب؟ مهما يكن فإن موقفه فى دعم ثورة الشباب يعبر عن اصالة واخلاص اهل دارفور للدولة السودانية، فهوله شأن كبير اذا استطاع السيطرة على جيشه وصحح مبدأ تكويينهم المبنى على الاثنية والتفرقة.

4
خطر اجهاض الدولة السودانية الحديثة لا يتاتى من دولة الكيزان العميقة رغم انهم يسعون الى زحزحة الامن والاستقرار لكن يتاتى من النخبة اذا ظلوا يسعوا كما كانوا فى الماضى فى احتكار الدولة السودانية، وتهميش القوى الحديثة، او تعاملوا بمدأ تقاسم السلطة بين الاقوياء، تجد كثير من نقاد حمدتى يرفضونه ويتخوفونه لانه من غرب السودان وليس لجرائم ارتكبتها قواته! بالطبع ليس من المنطق ان نرى العدالة الاجتماعية تحققت بمجرد سقوط دولة الكيزان لان العنصرية الاثنية والجهوية متجذرة جداُ فى الدولة السودانية واجثاثها يحتاج مدة زمنية كافية مع سن قوانين رادعة للعنصرية، لكن الآ لية المهم فى التخلص من العنصرية هى اقرار الرسمى للدولة بوجود عنصرية مؤسسية فى الدولة وفى المجتمع السودانى. لا يمكن بناء دولة حديثة بمواصفات القرن الا بمحاربة العنصرية. اما اذا استمر الامر كما كان فى ظل النظام الجديد فان وجود السودان ككيان موحد يكون حقاَ فى محك.
أخيراُ تأثير الاسلاميين على المجتمع السودانى كان كبير ولا بد من الاخذ فى الاعتبار عامل الزمن فى اعادة تحرير الفرد السودانى من قيود الاسلاموية، هناك اناس شاركوا فى حراك التغيير بفعالية والتزموا ببرنامج تجمع المهنيين فى التغيير وعندما ظهر رئيس تجمع المهنيين لاول مرة ارتد بعضهم وقالوا تجمع المهنيين لن يمثلنا باعتقادهم ان رئيسهم شيوعى ونسوا ان الشعب لو يريد الاسلاميين لما خرج عليهم.. الله غالب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.