لقد اصطدمت ثورتنا بعد نجاحها في إسقاط الطاغية عمر أحمد البشير ونجاحها في مخاطبة ضمير القوات المسلحة وجماعات من منتسبي النظام السابق، وبعد نجاح التخاطب بينها وبين نخبة الوطنيين الذين برهنوا تحملهم للأمانة، اصطدمت بعدم المنهجية في إدارة مرحليات الثورة رغم تحسّبنا لذلك الخطر وكتابتي فيه، ليس بصفتي قانونياً أو تشريعيّاً، ولكن بفضل المنطق والدراسة اجتهدت في اجترارها وخطابي حصيلته في مقالاتٍ نشرتها في الصحف الإسفيرية أكثرها مخاطبةً هي:
1 -هي لاستعادة هويتنا ووحدتنا الذي نشر في يوم 06/02/2019 في الرابط
https://sudaneseonline.com/board/7/msg/1549414647.htm

وأقتبس منها: [وأمامنا الآن إن كان علينا إقصاء أحدٍ فليكن بالبينّة الواضحة والمثبتة لدى الجميع حتى ولو حظيت بالتحامل عاطفياً، فهي ليست بذلك بينّة وليست إلا تهمة. هذه الخصلة هي التي شقت الأمة وفرّقتها في رحلة هذا النظام الأسود، فلم تتحد كلمتها إلا بعد أن أترعتنا بها بكل البلاء الذي جاءت به، وهي ستكون عين البلاء الذي سيشتت وحدتنا الآن لو غفلنا عنها، ولا الغافل نفسه يمكن أن يفوت عليه أنه يتلوّى الآن مجرمو هذا النظام مُنىً وأمانيَ، فقط لو نبتلع طُعمه ذاك].

2 -أهي ثورة خبز وعطالة أم صحوة هوية وحق وأمانة؟ بتأريخ 24/03/2019 في الرابط
www.sudanile.com/113418
وأقتبس منها: [الأحزاب بالتحافها الدين السياسي أو قبول الملتحفين به، لن تنضم لهذه الثورة، والتي هي لبناء قواعد الهوية والأمانة والوحدة، ولكنها يمكن أن تنافس بمشاريعها في السياسة دون أن تخرق قواعد الثورة المذكورة، وستظل الثورة والثوار مراقبين لتلك الحكومات المتتالية لوقف تحويرها مسار الدولة عن مبادئ الثورة.]
3 - ثورة صامدة بالعزيمة وموفّقة بالاستقلال بإذن الله (الجزء الثاني) بتأريخ 04/02/2019، تحت الرابط:
www.sudanile.com/.../112266
وأقتبس منها: [إعداد منسقيه الثورة تفاصيل الخطوات التي تلي هذه الخطوة من حفظ الثورة من الانحراف أو الاختطاف، أو الدخول في محاور أو عداءات مع الأحزاب أو الدول المجاورة أو العالمية، في تحديد نطاق:
(1) الخيارات الدستورية (2) مجلس رعاية السيادة (3) السلطة الانتقالية (4) مجلس السلطة القضائية
الخيارات الدستورية: وهي المنبثقة من الدستور المؤقت لعام 1964 ]
إن ثورتنا هذه قد اندلعت لتعالج أوجه هامة في حياتنا كانت تقودنا وتدفع بأمتنا العريقة نحو الهاوية، ولا عجب لم نعي تماماً خطورة المسار إلا بعدما رأينا ملامح.
ولمعالجة الأخطاء ورد الحقوق واجتثاث الفساد والقصاص للضحايا فإنها تحتاج لآلية قانونٍ معافى، ولإرساء القانون المعافى يجب تفعيل دستورٍ مؤهل، ولتأهيل ذلك الدستور يتوجّب الرجوع لهويّة الدولة السودان ومكارم أخلاقها كما تم تعريفها به وقت إنشائها.
لكي تكون ثورة، وهي ما أعُلنا عليه سعيَنا، فإنها يجب أن تجتث جذور الدولة العميقة، وليس إبدالها بجذور دولةٍ عميقةٍ جديدة، وهي ليست انتفاضة، والتي تسعى لتعديلٍ في العقد المجتمعي أو التشريع القانوني.
ونحن أشعلناها ثورةً، ودفعناه ثمنَ ثورةٍ من دمائنا ودموعنا. ولن نقبل بديلاً منه للثورة.
إن الدولة العميقة تتمثل في الحاكمية العليا على تحديد هويتها وحاجز أخلاقها، والتي منها تتشكل العقود المجتمعية، العقد المجتمعي، وهو الذي يبين شكل علاقات الجماعات المتعاقدة فيه، حقوقها وواجباتها بين بعضها بعضاً، وبينها وبين الدولة وبين أفرادها وبينهم وبين الدولة، وهو الدستور، ثم تتمخض منه التشريعات الإدارية لبنود ذلك العقد المجتمعي، وهي القوانين.
والقانون هو المدخل الوحيد لتناول علاج أو تنفيذ أي اختلاف في شرعية التنفيذ أو كماله
ودولتنا السودان ارتضت حاكميتها بتحديد هوية المواطنة بالانتساب للأرض وتعددية الأعراق والأديان واللغات التي جمعت تلك الأمة عبر التأريخ في رحم تلك الأرض.
والدولة العميقة فيها احتوت على كل تلك المنظومة، مع المعدل منها بواسطة أيِّ من القائمين على إدارتها في إحدى مراحل إدارتها، وهكذا فتصحيحها فيما بعد، يتوجب عليه الدخول إليها من باب التشريع (القانون) لتصحيح التنفيذ، أو إذا رغب في تعديل الدستور، فيجب أن يتبع نصوص الدستور المنبثق من حاكمية الهوية ومكارم الأخلاق في تحرّي الإجراءات التي تقود فيه إلى تشريع، يختلف أسلوباً من أسلوب التشريع بالاقتراع كما في حالة تعديل التشريعات القانونية، وذلك عن طريق الاستفتاء أو الاحتكام بين الفرقاء.
وبما أن الخلل حدث في الحاكمية العليا من الهوية أو الحواجز الأخلاقية، فهذي تتطلب ثورةً تجتث جذور ذلك العمق وتبديله أو تعديله، إذ أنه يكون في قاموسها نبتاً شيطانياً لا يُزال إلا بالاجتثاث تماماً أو تطهيره، وبعد ذلك تطهير أرضيته ثم التراضي على حاكمية مختلفة أو حواجز أخلاقية مختلفة.
إن دولة السودان، بشكلها الحديث، اكتملت هويتها قبيل خروج المستعمر، بتحديث حدودها وترسيمها، بنصوصٍ واضحة، وبعضٍ منها بأحكام عرفية، وبضم الجنوب بحكمٍ عُرفي. وحواجزها الأخلاقية هي حواجز مكارم الأخلاق التي حملتها وثائق الأمم المتحدة في الحريات وحقوق الإنسان ومعالجة الخلافات والاحتكام، ملتقيةً مع مكارم الأخلاق التي نصّ عليها الإسلام.
ثم برزت بعد الاستقلال بعض عيوب الجمرات الخبيثة من ميراث الإمبراطوريات القديمة، بما فيها الإمبراطوريات الإسلامية الاستعمارية، والعرقية العربية (ومنها معامل الفتنة الدينية الكبرى في الإسلام، والتي قسمت المسلمين إلى شيعة وسنة)، ومن ثم إلى انقساماتٍ داخل الإنقسام، والتي كلها تخالف مكارم الأخلاق الكونية التي تصب كلها حول الحريات وحقوق الإنسان وعقلانية الحوار والاحتكام، بما في ذلك الأديان السماوية (والتي هي الإسلام كلها في عقيدتنا التي نستقيها من كتابنا المقدس) وهو القرآن، وهو الكتاب المقدس الوحيد بين الكتب السماوية، الذي ينص بأنه باقٍ ولن يكون فيه اختلاف، ويثبت ذلك رغم تنوع المسلمين وأجناسهم ولغاتهم وعصورهم، مما يسهل علينا نحن المسلمين خاصة أن نطمئن على سلامة تشريعاتنا الإسلامية في مكارم الأخلاق.
وبدلاً من ذلك أدرَجنَا المتطرفون من ضمن الفاشيين من صليبيين وصهاينة بالانحراف من عروتنا الوثقى في المنزّل من الوحي إلى المنقول من أقاويل البشر.
وكما هو الحال للإنسان، فإنه يولغ في التحوير والالتفاف حول الحق، وذلك بتأويل آيات الكتاب السماوي وتعديله بالإضافة والنسخ عن طريق البشر بالنقل وبالاجتهاد، وهذا في التشريع القانوني غير مقبول وليس يعتبر إثباتاً.
فتولّد من ذلك تصنيعٌ أسموه الدستور الإسلامي كمدخل للوصول للسلطة باسم الحركة الإسلامية وأنصار السنة المحمدية والسلفيين وبقية السروريين والتطرف السياسي الديني، بالتلاعب بالنقل غير المثبت خارج تشريعات القرآن في ذلك، (ما عدا السقوفات الأخلاقية وهي الحدود، وكذلك الحقوق والواجبات في الأحوال الشخصية، وممارسة العبادات بما فيها الكفارة أو الصدقة، أو الشهادة في الأمور الدينية وتزكية النفس من الآثام بخيار العقاب، وكل ذلك يصب في أمور الدين الشخصية التي بين العبد وربه)، وليس لأحدٍ فيها حق التدخل إلا للنصح أو الاستنصاح.
وكل ذلك يتم ذلك احتواءه في الدستور في نص العلاقات بين الجماعات المختلفة في الدستور، بعدم التعدي على حقوق المنتسبين لأي دينٍ إلا بنصِّ مسبقاً يتم الاتفاق عليه قبل التعامل بين جماعةٍ وأخرى، ويتم الاحتكام إليه فيما بعد في فضِّ الخلافات بينها.
فتشريعياً، الدستور الإسلامي لا وجود له في كونه نص ينبثق من حاكمية عليا مختلفة ومكارم أخلاق مختلفة من تلك التي انبثق منها دستور الدولة عند الاستقلال، وأي تعديلات للدستور تلت بحجة تغيّر في الهوية ومكارم الاخلاق تعتبر التفاف لتحوير الدستور احتساباً. وأما إدخال الدستور الإسلامي بما فيه قوانين سبتمبر فهو تعدّي لخلق الدولة العميقة بالمرة.
وتحوّلات عمق الدولة ليست بالضرورة تأتي عن طريق تعديلٍ مقصود أو بالتفافٍ خبيث يتم تعديله بازدواجية المعاني ومطاطية التفسير، ولكن يمكن أن يحدث بممارسة عرفية غير واعية، أي بخطأٍ عقائدي أو وعيٍ في الضمير المستتر من تطبيعٍ نال مصداقيةً، مثل تطبيع العبودية باللون الأسود، أو بالاعتقاد في شفافية المعوقين أو المعتكفين أو الصالحين في قربهم من النفوذ الإلهي، أو في التشاؤم أو التفاؤل المفسّر لتمييز بعض الناس من بعضها، أو من الإشاعة المستدامة.
فمن تلك الأمثلة، العقيدة بأن السودانيين عرب وكل قبيلة منهم تؤمن بأن من سلالة المصطفى عليه السلام وأنهم انحدروا من فلول العباسيين، بينما أُجريت تحليلات للجينات الوراثية لكل أطياف السودانيين، ولم يحرز احدهم بأكثر من بضع درجاتٍ في المائة من تلك الجينات، بينما أكثر من 90% من جيناتهم الوراثية هي نوبية. فنتج عن ذلك عقيدة بأنهم عرب أدت تلك العقيدة إلى محاربة الزرقة فتسببت في مآسي دارفور والنوبة والأنقسنا، وانفصال الجنوب.
وأغرقت العقيدة في عبودية اللون الأسود في ممارسة التهميش للزرقة رغم الإيمان ببطلان الرق وإدانته كممارسة غير أخلاقية وغير دينية.
وعطّلت العقيدة في شفافية المعوّقين أو المعتكفين والصالحين في قربهم من النفوذ الإلهي إلى أسر جزءٍ كبير من المجتمع السوداني في الطائفية وفي الدجل والشعوذة.
وكل ذلك أُعيل عليه توعية المجتمع وتثقيفه لتطهيره من تلك العقائد والعقد المتنوعة، وأكثر مجهودٍ ساهم في إزالة ذلك هو التعليم، ومجهود حكومة إبراهيم عبود بتوزيع الطلاب من المناطق إلى مناطق مختلفة تماماً بما في ذلك من تكلفة الترحيل والإسكان والطعام، فكان ذلك من أعظم إنجازات تمت في توحيد هوية السودانيين، وردم الشقوق التي كان يمكن بها شق صفوف السودانيين.
كذلك مجهودات السيد الصادق المهدي ومساهمات إدارة السيد محمد أحمد محجوب، الأول في ترفيع هوية الأنصار بسبكها في تقبل الرأي الآخر وفن الحوار، وتحويلها من طائفة صفوية إلى عقلية اجتماعية عقلانية، والثاني في قبول تعددية الأفكار بعيداً عن الصفوية الدينية، وهذا ليس بالإنجاز السهل.
كذلك مجهودات السيد إسماعيل الأزهري في عدم الأسر في الصفوية الدينية وفي التحرر القبلي.
أما حكومة مايو، فقد ولغت في دق إسفين الإقصاء، دينيّاً عند احتضانها قوانين سبتمبر، أو طبقيّاً بدكتاتورية الطبقة العسكريّة، ولكنّها أُبلت في معالجة تهميش الريف بتوزيع الإنشاءات الصناعية بعدالة توزيعٍ.
أما حكومة الإنقاذ فقد تغوّلت في تقسيم المجتمع بإعادة وتزكية القبلية، وبالصفوية الدينية، والتفرقة العنصرية، والتفرقة الدينية، إضافةً للطبقية العسكرية.
وتمادت في الصفوية الدينية إلى الدولة الدينية، وأباحت عن طريقها وبتصنيع فقهاها إباحة الحكم باللصوصية (الكلبتوقراطية) بفلسفة نظرية الأمير إيمانويل ماكيافيلي في الغاية تبرر الوسيلة، بحجة أن كل ما يفعلونه لله، بغض النظر عن حلاله أو حرامه، ضاربين بها حدود الله تعالى في قوله تعالى " ومن اهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من ان تأمنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون * بلى من أوفي بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين * ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم" آل عمران – آية 75 - 77.
فخانوا أمانة الشعب بحجّة إنها لله، حتى في صرفهم على حركتهم السلطوية السياسية (الحركة الإسلامية) في دولٍ أخرى أو في تمكين حزبهم في السودان وفي أي دولٍ أخرى.
وكذلك في الثراء الحرام باسم التمكين من فقههم وليس فقه القرآن الكريم.
هكذا تعمّقت الدولة العميقة في السودان، وتأزّمت لأنها تستقى هويتها وأخلاقها من ممارسات معيبة وليدة الجهل والانحراف العقائدي، ثم بالإضافات الباطلة التي لا تمت للدين والعقيدة بصلة.
وليس ذلك هو العيب الوحيد في تشكيل هوية السودان ومكارم أخلاقه بالتشكيل من الممارسة المغلوطة أو المتعمد تحويرها، فعروبة السودان هويّة مزوّرة، فالسودان متعدد الأعراق وليس فيه هوية عربيّة صرفة تستحق إفرادها كهوية لجماعة، ونتج من ذلك قبول الأحزاب العرقية مثل البعث العربي، (وهو يماثل حزب "العمل الوطني" الذي تسلل إلى النظام الديمقراطي البريطاني حتى انكشفت عرقيته بقيام أحد أعضائه واسمه ثوماس مير باغتيال السيدة "جو كوكس" النائبة البرلمانية من حزب العمال فتم حظره). كذلك نتج من ذلك قبول الأحزاب الطبقية مثل الحزب الشيوعي (دكتاتورية الطبقة العاملة) وقبوله في شكلٍ آخر وهو الجبهة الديمقراطية، إذ لا يجوز قبول الدعوة للطبقية مهما كانت.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////