شقيقي الذي يصغرني أمين رغم حضوره الكامل معنا جسداً إلا أنه غاب عنا فكراً حيث سكت عن الكلام وشرد به ذهنه إلى عالم غير عالمنا ودنيا مغايرة لدنياواتنا وغرق في تفكير متسلسل عميق إلا أننى سمعت كل ما جال بخاطره بقدرة قادر... قال وهو صامت :
كانت رحلة طويلة بمقياس الزمن إلا أنها كانت أقصر من طرفة عين وإنتباهتها بمقياس المحبة والألفة... رحلة شتاء وصيف وربيع وخريف، كل فصول السنة بمختلف أجوائها مرت علينا أكثر من عشرات المرات في هذه الرحلة. بدأنا خطواتها سوياً مع شريكة حياتي بل نصفي الثاني من مدينة جنيف في سويسرا في خريف عام 1974 وإنتهت الرحلة بمدينة الدوحة بدولة قطر في شتاء عام 2019.. رحلة إستغرقت أكثر من خمس وأربعين عاماً.. أطول من رحلات إبن بطوطة المعروفة و أكثر منها إكتشافاً وإثارةً.. مررنا فيها سوياً بسهول ووديان وصعدنا فيها تلالاً وجبالاً وعبرنا فيها أنهاراً وبحاراً وسرنا معاً في طرقات معبدة وكثيراً في طرقات ضيقة كالصراط المستقيم يسند كل منا الآخر حتى نصل إلى برٍ آمن لكن أراد الله أن ينهى مسار هذه الرحلة الطويلة في فبراير الماضي حين توقف محرك سفينتنا وهى قاب قوسين أو أدنى من أن ترسو فى شاطىء تمنيناه و فى خيمة جديدة رسمنا معالمها سوياً.
رحلة طويلة كما أسلفت لكن توقفنا في محطات كثيرة نصبنا فيها خيمتنا لسنوات ثم واصلنا الرحلة وسرنا في رحلات فرعية قصيرة داخل هذه الرحلة إلى المملكة العربية السعودية، الأردن ،سوريا، تركيا و مصر.. ولعلى لا أذيع سراً إن قلت قضينا أحلى سنوات العمر في بداية هذه الرحلة و في أول خيمة نصبناها في سويسرا عام 1974حيث وضعنا هناك سوياً أول غصن في تأسيس عش الزوجية الذي حملناه معنا إلى حيث ما قادتنا تلك الرحلة، وقد كان هذا العام هو عام التأسيس. وبعد عام التأسيس شدَدنا الرحال إلى محطة ثانية.. إلى أرض الوطن لنبدأ مسيرتنا في الحياة العملية حين خيمنا داخل الوطن الصغير في مدينة حلفا سنوات معدودة لندفع ضريبة الوطن في مطاحن الغلال التعاونية آنذاك. لكن كحال السودان سرعان ما تدهور كل شيء في هذا المكان وأسوأها صحة البيئة.. ولسوء في الخدمات العلاجية وتدهور الظروف المحيطة، والتي صادفت هوى الطموح الشبابى فينا آنذاك، كان كل منا يفكر بمفرده في صمت عن المستقبل.. ومن المحاسن أن صادفت أفكارى مع أمنيات شريكتى فعزمنا على الهجرة أو الاغتراب في أرض الله الواسعة. وكان زميلاً لي في العمل يشجعني على الهجرة إلى أمريكا التي كان يعتقد أنها جنة الله في الأرض ولذلك كلنا نصلي ونصوم لنظفر بها.
بصرف النظر عن معتقدات زميلي هذا الذي هاجر إلي جنته، فقد كان الخيار المتاح والمناسب في بدايات سبعينيات القرن الماضي دولة ليبيا التي كانت قد شهدت لتوها ثورة القذافي و الكتاب الأخضر فواصلنا رحلتنا وخيمنا في بنغازى عدد من السنين. وتلك سنوات لا أجد لها تقييماً من حيث الهدف غير أننا عشنا مرتاحون نستمتع بجو جميل وكأننا نصيف في فندق على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.. لم نر فيها شيئاً من محاسن الاغتراب التي كنا نسمع عنها غير زيادة في وزننا وزيادة في عددنا والنتيجة تناقص الدنانير، و حتى لم ينطبق علينا شعار البيت لساكنه الذي كان قد رفعه القذافي آنذاك. ولذلك لم يطل بنا المقام في هذه الخيمة.
في أول فرصة سنحت لنا، شددنا الرحال إلى دولة الأمارات العربية المتحدة في عام 1982 في عهد الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، وتحديداً إلى مدينة أبوظبي التي شهدنا تطورها في بدايات عقد الثمانينيات.. كانت تلك سنوات النضوج الذهنى والعناية بما حبانا الله به من الذرية ولذلك كانت فترة أكثر جمالاً وأكثر فائدةً من سابقاتها حيث ذقنا فيها حلاوة طعم الاغتراب الذي كان مفقودا في ليبيا.
ولما انتهت سنواتنا في أبوظبي كانت وجهة الرحلة إلى دولة قطر للفترة الأولى في الثمانينيات في عهد الشيخ خليفة بن حمد، طيب الله ثراه.. لقد طاب بنا المقام أكثر في مدينة الدوحة الظليلة ولذلك عشنا فيها أكثر من ربع قرن من الزمان على فترات مختلفة تعد من أجمل سنوات العمر، شهدنا فيها طفرة قطر الاقتصادية ونهضتها العمرانية والتعليمية والاجتماعية. لكن كان من الواجب علىّ من مبدأ المشاركة أن أغير إتجاه الرحلة إلى أرض الوطن بدافع وطنى وحماس شخصى لأشارك بما اكتسبته من خبرة في مجال هندسة البترول لخدمة الوطن المتطلع لتطوير إكتشافات حقول النفط آنذاك.
عدت طواعية في عام 1992 ووضُعت وظيفياً في مكاني لإدارة شركة البترول الوطنية الجديدة لكن سرعان ما تبددت أحلامى وذهبت آمالى أدراج الرياح وانطفأت جذوة الحماس التي كان بدواخلي لأسباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها. ورغم مزايا الوظيفة أيقنت عدم جدوى وجودي في هذا المكان أو أي مكان آخر في ظل تلك الظروف الضاغطة آنذاك.. ولذلك كان من الأمانة أن أترك هذا المكان لغيرى وأبحث عن مخرج.
وكانت الفرصة الأولى، والتي صادفت هوى كلانا، مواصلة رحلتنا والعودة للفترة الثانية إلى نفس المخيم في قطر التي عدت إليها، كما قلت حينها نهائياً، في عام 2001 في عهد الشيخ حمد بن خليفة، اطال الله عمره..عودة سهلة ومريحة إلى مكان خبرناه وأحببناه.. أصدقاء وأقرباء وجيران وزملاء ومعارف قطريون وغير قطريين كانوا أكثر فرحاً بعودتنا.. الهلال غرب، المطار القديم، الصناعية، عين خالد والسد أمكنه سكنا فيها وصارت مسكونة فينا للآن. وتلك كانت سنوات مميزة بأحداث ومواقف أضافت لكلينا مزيداً من الثقة والألفة والمحبة.. كبر فيها الأبناء ودخلوا الجامعات وتأهلوا للعمل والزواج في خيمة الدوحة وساروا هم أيضاً في رحلات فرعية مع أزواجهن وأولادهن..
كانت سنوات صافية لبن تلك المحطة من الرحلة التي خيمنا فيها في الدوحة لأكثر من عقدين من الزمان. سنوات أضافت إلينا سنوات فوق العمر وشيباً فوق الرأس لكن أضافت لنا أولاداً وأحفاداً. لا تسير الحياة بدون أحزان فقد نُكبنا بحدث فجائى كبير عكر صفو الماضى و الحاضر و هو رحيل الوالد، طيب الله ثراه، إلى الرفيق الأعلى في عام 2009 ... كانت فاجعة كبيرة لنا كلنا ومصاباً جللاً حين فقدنا الأب والمعين والسند الذي كان يضع كل صغيرة و كبيرة تخصنا أو تخص غيرنا، صغيراً كان أم كبيراً، نصب عينيه لا يهدأ له بال ولا يغمض له جفن قبل أن يختم صفحة مفكرته اليومية مدوناً فيها كل ما أنجزه في ذلك اليوم وما تبقى ليوم الغد.. لم أر إنساناً بهذا القدر من الدقة والإهتمام والحنية.. ولذلك كان رحيله زلزالاً كبيراً على نطاق الأسرة الكبيرة لكن الحمد لله فقد تجاوزنا هذه المحنة بالصبر ومشاركة الأهل والأصدقاء والجيران وجماعة مسجد الحى ودعائهم الذي ما توقف إلى يومنا هذا فواصلنا الرحلة والمسيرة الحتمية.
الحدث الكبير الآخر الذي غير اتجاه الرحلة مؤقتاً إلى أعالي البحار هو مرض وابتلاء أصاب نصفي الآخر أم العيال وكانت وجهتنا في تلك المرة أمريكا وتحديداً أوهايو هي المحطة التي سرنا إليها برفقة أولادنا وبناتنا. بحمد الله وفضله تم العلاج التام في مستشفى كليفلاند التي تعاملت مباشرة مع شركة التأمين وعدنا ومعى أم العيال فقط إلى مسار الرحلة من جديد إلى محطتنا الدوحة بعد أن تخلف عنا المرافقون ليبدأوا كغيرهم من الشباب الطامح رحلة أخرى داخل الولايات المتحدة الأمريكية. عدنا إلى خيمتنا في الدوحة بعد رحلة العلاج وبقينا فيها عدداً من السنين ونحن أكثر حيوية ونشاطاً بل أكثر إستفادة من هذا السفر و كما يقولون "رب ضارة نافعة"، و هنا تذكرت زميلي الذي كان يحثني على الهجرة إلى أمريكا في بداية حياتي العملية بإعتبار أنها الجنة ثم ما اتخذته بناتي حديثاً من إجراءات لجمع شمل الأسرة معهن في أمريكا حيث يقيمون ويعملون..كلها كانت أشياء بعيدة عن التفكير والمنال عندما حثني زميلي في ذاك الزمان لكن تسوقنا الأقدار ونسوق الأقدام.
الذين رافقونا من البنات والأبناء سلكوا طريقهم في أمريكا بل أصبحوا من مواطنيها مع مرور الزمن. ولما انتهت مهمتي في الدوحة، في عام 2015، كان من السهل أن تتجه الرحلة إلى أرض الوطن لنعود إلى خيمتنا الأولى ننشد الإستقرار المفقود على مدى أكثر من أربعين عاماً. عاودنا الرحلة في أرض الوطن بين الأهل والعشيرة ودخلت في تجربة العمل الحر بعد أن تحللت من عبودية الوظيفة أو تراب الميرى كما يقولون. واصلنا الرحلة وتأقلمنا مع مجريات الأحداث والصعاب وظروف البلد التي كانت أحسن حالاً آنذاك.
أحياناً لا تسير الحياة كما نرغب، فبعد سنوات قليلة قضيناها في خيمتنا في أرض الوطن وقبل أن نرتاح من رحلة العودة إشتكت أم العيال من المرض الذي قلل من حركتها وسمعها.. وكانت الفكرة العودة إلى أمريكا. ونزولاً لرغبتها شدّدنا الرحال إلى خيمتنا المحبوبة الدوحة عدداً من المرات للعلاج والمتابعة. كانت العودة الأخيرة في نوفمبر الماضي حين إستفحل عليها المرض فلزمت السرير الأبيض تحت العناية الإلهية وعناية ملائكة الرحمة من الأطباء والطبيبات والممرضات وشخصى الضعيف بجانبهم أصلى وأدعو لها ليلاً ونهاراً لعل ألله يحدث بعد ذلك أمراً وشفاءاً لتعود سالمةً إلى وطنها وخيمتها وعيالها.
وبينما أنا في هذا الخضم من التقلب الذهني والهموم الكثيرة أثناء إقامتي في المستشفى مرافقاً أم العيال كنت أرى أمامي عن قرب حالات المرض المستعصي المشابهة وحالات الموت شيباً وشبابا فتزداد همومي وحيرتي. نؤمن بأن الموت حق ولا محالة لكنى كنت مهموماً أكثر وأخاف عليها من الآم المرض ثم مصير عيالها في الشتات وهم ما سكتوا عن الإتصال من بُعد ليلاً ونهاراً لعلهم يجدوا قليلاً من الاطمئنان الذي ما وجدوه يوماً ما، مع تقدم المرض، فحضر منهم من إستطاع.
كل البشر معرضون للابتلاءات بصورة أو بأخرى، ولما كانت المصائب يجمعن المصابينا فقد شاءت الأقدار أن زارنى أحد الشباب الجزائريين في المستشفى أكثر من مرة ليخفف عنى، وكان يحضر لى معه بعض الأدوية البلدية من أجل علاج شريكتى أم العيال..يومها سألنى من أعماقه إن كنت أحتاج إلى أى مساعدة ؟ وأبدى إستعداده التام لذلك، فشكرته وهو في سيارته يهم بالذهاب إلى عمله، وقبل أن أودعه سمعت صياح طفل مربوط في المقعد الخلفي لسيارته حاولت أن أداعبها فلم تستجب، فسألته من هى؟ وليتنى ما سألته..
حكى لى مأساة يمر بها قطعت أوصالى..زوجته من جنسه أبتليت بالمرض الخبيث ورفضت بروتوكول العلاج التقليدى المعروف نسبة لأعراضه الجانبية وسافرت من هنا إلى تايلاند وتجرب العلاج البلدى هناك منذ أكثر من ستة أشهر. سافر معها مرافقاً لكن كان لا بد له من العودة لمواصلة عمله ومعه إبنته هذه بعد أن أمضيا معها أربعة أشهر صرف فيها كل ما عنده وما إستلفه من مال البنك..رجع مجبوراً وحائراً لا يدرى ماذا يفعل تجاه إصرار زوجته في الاستمرار في هذا العلاج بمفردها في تايلاند. فسألته من معك في المنزل..؟ قال لى وكله ثقة وإيمان : معى الله وهذه الزهرة الزابلة التي لا تستطيع الحركة ولا الكلام ولا التفكير ولا أى شىء.. ولم يرزقنى الله بغيرها.. هى الآن كل شىء عندي، تسليني في دنيتي بصياحها عندما تجوع، والسيارة هي مأوانا في معظم الأوقات، والآن أنا في طريقي إلى العمل وسوف أتركها في السيارة لعناية ألله وحارس البناية التي فيها مكتبنا إلى أن ينتهى دوامى. وبعد الدوام نبدأ سوياً رحلة التجول بالسيارة بلا هدف معلوم حتى يغلبها النعاس. ذهلت وحزنت وأدمعت عيناي وفي تلك اللحظة انقلب الوضع في قلبي رأساً على عقب فسألته نفس السؤال الذي وجهه لي: هل لى أن أقدم لك أى مساعدة..؟ حقاً إنها مأساة..وحقاً تمنيت أن أساعده بشىء.. هى حالة لا تتمناها حتى لعدوك... زوجة مريضة وعنيدة وبعيدة..طفلة معوقة كلياً بلا رعاية.. لا عيال ولا مال و تهديد بالفصل من العمل للغياب... هموم تهد الجبال الراسيات. ورغم أن المصائب والكرب لا تقاس بأى ميزان حسابى هانت علىّ كربتى وسجدت لله حامداً وشاكراً أنى في نعمة..
هذه التراجيديا الواقعية رغم أنها أبكتنى ألماً إلا أنها بعثت فى نفسى ثباتاً وأملاً بلا حدود حتى صباح يوم 27 فبراير الماضى. لم يكن ذلك الصباح صباحاً عادياً لأم العيال حيث أغمضت عينيها ولم تنظر إلينا كالعادة وسكتت عن الكلام حتى التحية الصباحية، فأيقنت أن ذلك اليوم كان يومها الأخير معنا. ولذلك هيئت نفسى ومن كانا برفقتى آنذاك، إبنتى وشقيقتى، ودعوت لها وودعتها الوداع الأخير، ثم أسرعت الإتصالات و جمعت لها كل الذين طلبت العفو منهم فلم يتخلف أحد حتى ضاق المكان والممرات والغرف بالجموع الذين هرعوا إلينا ووقفوا فوق رأسها وحول سريرها و ما كفوا عن الدعاء لها حتى أسلمت الروح في مساء ذلك اليوم. تم تشييعها في اليوم الثاني بحضور كثيف من الرجال والنساء يدعون لها بالرحمة في المسجد والطريق إلى أن ضمتها إلى أحضناها تراب الدوحة، ذلك البلد الذي عشقته وعشقت ترابه وشاء الله أن تختم حياتها فيه وتبقى فى أرضه إلى يوم يبعثون. وبذلك الفقد العظيم وذلك اليوم المسطر فى اللوح المحفوظ إنتهت رحلتنا. رحلة حياة مليئة بالمتعة والسعادة والسرور لكن نهايتها محزنة وأليمة.. هى حلة أشبه بتلك ألرحلات البحرية أو البرية في السودان في المناسبات والأعياد..يستمتع الناس بالرحلة وجوها وأكلها وشربها وطربها وكل شىء فيها لكن للأسف أحياناً ما تنتهي تلك الرحلات بمأساة الموت لإنقلاب الحافلة أو غرق المركب ومن عليها فتضحى أتراحاً تسبب الحزن والألم.
الشيخ "فرح ود تكتوك" حكيم السودان كعادته له حكمة في حظ الرجال من النساء: فقد صّنف الحريم إلى عدة أصناف مختلفة من حيث الخصال التي تحددها فطرتهن وتربيتهن ومكتسباتهن.. وقال "أن حظ الرجل يرميه في واحدة من تلك الأصناف فإما حياة سعيدة وإما حياة شقية وإما فراق بمعروف أو غير معروف.." فالشيخ فرح ود تكتوك يعنى أن الزوجة إما أن تكون نعمة أو نقمة للرجل.. وقال الله تعالى في كتابه العزيز "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ". فإذا كانت الزوجة نعمة فالإعتراف بنعم الله واجب والبوح بها هو شكر لله وأجر للزوجة.
ولذلك أشكر الله قولاً وعملاً أن رزقنى زوجة صالحة و"خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة" أمرتها فأطاعتنى، نظرت إليها فأسرتنى، غضبت فأرضتنى، جزعت فصبرتنى، سألت فجاوبتنى، فرطت فأرشدتنى، قصرت فعذرتنى، أبتليت فعانتنى..سقمت فمارضتنى. وقد غيبك الموت عن دنيتى اليوم أقف عاجزاً في أن أرد لك جمائلك الكثيرة ولا أملك إلا بعض من كلمات العرفان والإمتنان . فإذا كانت روحك الطاهرة في السموات العليا تسمعني فأسمعينى يا من أخلصت العشرة ويا من أحسنتِ الوفاء ويا من حافظتِ على المودة:
يارب أنك تعلم أنى أحببتها فيك فأجعلها هديتي في دار الحق ..
ياربى إنك تعلم أنى قد صنتها من أجلك فأجعلها لي حوراً في الآخرة..
يارب يا حليم هون علينا فراقها ياعظيم وأبسط عليها رضوانك وغفرانك ..
اللهم لا تجعل ذنباً لها إلا غفرته..ولا سيئة إلا محوتها ولا هفوة من هفوات الدنيا إلا عفوت عنها ولا زلة من زلات اللسان إلا تغاضيت عنها يا رب ..اللهم أنها صبرت على البلاء فلم تجزع فإمنحها درجة الصابرين الذين يؤتون أجورهم بغير حساب ولا سابق عذاب.. اللهم أنزلها عندك في دار الحق منزل الصديقات المحصنات المكرمات القانتات العابدات.
أما أنا فقد واريت جسدك بيدى لكن أنتى معى الآن روحاً وريحاناً وعطراً.. سأفقدك فى رحلتى المتبقية وفى كل لحظة حيث لم يبق لي من نعيم الدنيا بعدك إلا الذكريات، التي تشدني نحوك، والذرية الصالحة منك وهم بعدك أصبحوا كل زادي ومتاعي في الحياة إلى أن ألقاك، فأحفظهم لي يا حافظ يا حفيظ.
وأنتم أهلنا وأصدقاءنا وزملاءنا وجيراننا وأولادنا وبناتنا ومعارفنا وأحبتنا في دولة قطر يا من طوقتمونا بعنايتكم وخففتم علينا بزياراتكم وتابعتم معنا بسؤالكم و أكرمتمونا بدعائكم وصبرتمونا بتعازيكم وتكبدتم المشاق والعناء بزياراتكم المستمرة للتخفيف عليها وعلينا أيام مرضها والصلاة عليها والدعاء لها وتشييع جثمانها إلى مثواه الأخير. لقد كانت لرفقتكم لنا طوال مرضها في المستشفى و لتعازيكم الرقيقة في المستشفى وفي المنزل وفي المركز الاجتماعي السوداني وفي مطار الدوحة أبلغ الأثر في نفوسنا.. و أستميحكم العذر في التقصير فحتى كلمة شكراً لكم عجز لساني أن ينطقها حيث كانت تخنقي العبرة كلما وجدتكم حولي تؤازرونني وتطيبون خاطري، والآن، وأنا بعيدٌ عنكم، أيضاً تعجز الحروف عن التعبير بل لا أجد الكلمات لأضعها على السطور لأشكركم على سعيكم وأقول عظّم الله أجركم وجزاكم الله عنا خير الجزاء.. وإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شىء عنده بأجل مسمى فلنصبر ونحتسب.
وأنتم أحبتي في أرض الوطن أهلنا وأصدقاءنا وزملاءنا وجيراننا رجالاً ونساءاً وأطفالاً ومجموعة أصدقاء الدوحة، يا من تجمعتم في غسق الدجى لاستقبالنا لواجب تقديم العزاء في مطار الخرطوم وتكبدتم المشاق في الحضور من الخارج والداخل لمنزلنا والمعاودة للعزاء يومياً والمساهمة بجهدكم ومالكم ودعائكم للتخفيف عنا طيلة أيام العزاء وحتى هذه اللحظة.. نشكركم جميعاً فرداً فرداً ولا أملك شيئاً غير أن أدعو الله ألا يريكم مكروهاً في عزيز لديكم وأن يبلغكم مقاصدكم ويلبسكم ثوب الصحة والعافية ويطوِّل أعماركم.. إنه سميع مجيب...وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،

شوقى محى الدين أبوالريش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.