عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تلى وزير الدفاع السوداني بيان للشعب، يوم 11 ابريل 2019، عبر التلفزيون القومي بوصفه وزيرا للدفاع و رئيساً للجنة الامنية العليا، بحسب الوصف الذي اطلقه على نفسه في البيان. و قرر فيه عزل رئيس الجمهورية عمر البشير عن منصبه و اعتقاله الاحتفاظ به في مكان آمن. و من جملة القرارات التي نص عليها البيان، انه سيتم تكوين مجلس عسكري لمدة عامين، يتكون من القوات المسلحة بشكل اساسي و بمشاركة القوات الممثلة في اللجنة الامنية العليا . كما اعلن عن تعطيل العمل بدستور السودان الانتقالي لسنة 2005.
أن الدستور بحسب طبيعته القانونية، هو الاطار القانوني الذي ينشئ شكل الدولة و نظام الحكم و المؤسسات الدستورية العليا في الدولة، و ينظم العلاقات فيما بينها، و يحدد وظائفها في الدولة، كما يحدد الحقوق و الحريات، و غير ذلك من امور دستورية هامة. و اعلان الغاء الدستور، يعني بالضرورة الغاء كافة تلك المسائل.
ان بيان السيد وزير الدفاع و رئيس اللجنة الامنية العليا، قد تضمن الغاء العمل بالدستور الساري لسنة 2005، دونما تحديد للبدائل الدستورية التي ستحل محل الدستور الملغي. و موضوع الغاء العمل بالدستور، تجربة شهدتها كل التحولات السياسية ذات الطابع الانتقالي في السودان، سواء في حالة الثورات الشعبية في اكتوبر 1964 او في ابريل 1985، كما حدث الغاء العمل بالدستور بعد انقلاب مايو 1969 و انقلاب يونيو1989 ، و ها هو وزير الدفاع، يفعل نفس الشئ، و يعلن تعطيل العمل بالدستور الانتقالي لسنة 2005.
إن أعلان تعطيل\ الغاء\ وقف العمل بالدستور، يأتي دائماً في سياق تقديم بدائل دستورية جديدة، لذا نجد في ديباجة معظم الدساتير الجديدة، فقرة تتحدث عن الغاء الدستور القديم و البدء بالعمل بالدستور الجديد. لانه من غير المتصور ان تسير الدولة بدون أحكام دستورية تنظم شئون الدولة.
ان كل حالات الانقلابات و الثورات، التي اطاحت بالنظم الدستورية القائمة، الغت الدستور الذي كان يؤسس النظام السياسي الذي كان يسود قبل الثورة، و اوجد مباشرة بديل دستوري آخر، اما بالرجوع الى دستور قديم كان مطبقاً في وقت سابق، او باعتماد نظام المراسيم الدستورية، او بالغاء الدستور بصورة جزئية و استمرار العمل ببقية احكام الدستور. حين استولى الرئيس المخلوع عمر حسن البشير على السلطة في الثلاثين من يونيو 1989، و قام بالغاء العمل بالدستور لسنة 1985 المعدل، كان قد اعلن بدء العمل بمراسيم دستورية، تصدر من رئيس المجلس العسكري الانتقالي، و الذي كان يرأسه عمر البشير نفسه، و استمر العمل بتلك المراسيم الدستورية حتى تم صياغة دستور جديد في عام 1998، بعد ان كانت المراسيم الدستورية الصادرة من رئيس المجلس العسكري قد بلغت 14 مرسوماً دستوريا. و كانت تلك المراسيم تقوم مقام الدستور، او تملأ الفراغ الدستوري الذي خلفه الغاء العمل بدستور 1985.
الجديد في الحالة التي نحن بصددها ان وزير اللجنة الامنية العليا\ ووزير الدفاع، أعلن عن تعطيل العمل بالدستور الساري، و لم يعلن عن الاحكام الدستورية التي سيهتدي بها في ادارته للبلاد خلال الفترة الانتقالية ، و التي حدد مدتها بسنتين، اي انه لم يقدم أي مرجعية دستورية للمجلس العسكري و الذي سيتولى حكم البلاد طيلة سنتين ابتداءا من يو 11 ابريل 2019 حتى العاشر من ابريل 2021. و هذه مشكلة دستورية واضحة تعكس حالة الارتباك و عدم التحضير الجيد. و من المتوقع ان يواجه المجلس العسكري هذه المشكلة بمجرد توليه الفعلي لمقاليد العمل.
لقد اعلن رئيس اللجنة الامنية ووزير الدفاع عن اعلان حالة الطوارئ لمدة شهرين. و اعلان حالة الطوارئ، هي أحد اهم الموضوعات الدستورية التي تنظمها معظم دساتير العالم، و في غياب الدستور لن تكون هناك (حالة طوارئ) لانها غير مُعَرفة، و غير مُحددة، و لا يدري احد نطاقها، لان احكام الطوارئ ينظمها الدستور، او قانون خاص ينظم الطوارئ بناءً على احكام الدستور، و هذا ما لم نجده في اعلان حالة الطوارئ التي ابتدرها رئيس اللجنة الامنية العليا. و في دستور السودان لعام 2005 تم تنظيم حالة الطوارئ بالقول ( تعلن حالة الطوارئ في كل البلاد او جزء منها، وفقا لهذا الدستور او القانون)، و بالتالي من الواضح ان الطوارئ لا تكون مبتورة، و فاقدة للسند الدستوري، فهي تستند لاحكام دستورية تنظمها، و هذا ما تفتقر له حالة الطوارئ التي اعلن عنها رئيس اللجنة الامنية.
و اهم ما يستدعيه موضوع اعلان حالة الطوارئ، هو ان الدستور يقر الحقوق و الحريات و يحافظ عليها و ينهي انتهاكها باي صورة من الصور. و تعطي الدساتير استثناء للقابضين على وسائل الحكم في الدولة المعينة، بان يقوموا، في سبيل الحفاظ على وجود الدولة و امن و سلامة المواطنين، ان يقيدوا بعض الحريات في نطاق محدود جداً. و مثل هذا القول كان قد نص عليه دستور السودان الانتقالي في المادة 211 الفقرة أ. و حالة الطوارئ الراهنة، لا نجد لها اطار قانوني، يتأسس بموجبه التزامات و حقوق.
و ايضاً أشار بيان رئيس اللجنة الامنية، الى الاستمرار العمل في السلطة القضائية و في المحكمة الدستورية بدون تغيير، و هذا أمر لا يستوى في ظل غياب الدستور، فتلك مؤسسات ينظم تكوينها و نطاق عملها الموضوعي الدستور، و في ظل غياب الدستور لا يستوي وجود تلك المؤسسات، و يكون الامر أكثر وضوحاً في حالة المحكمة الدستورية، و التي يتلخص اختصاصها في الحفاظ على دستورية القوانين و الاعمال، استنادا على الدستور الساري في البلاد، و عليه لن يكون للمحكمة الدستورية اي وظيفة بعد الغاء العمل بالدستور.
ان حالة غياب الدستور، يجعل اجهزة الدولة في حالة غياب بسبب افتقادها للاساس القانوني الذي تعمل بموجبه، و من بين تلك الاجهزة بدون ادنى شك مؤسسة القوات المسلحة و التي تتصدى اليوم لمهمة حكم و ادارة البلاد. و من المهم هنا ايضاً الاشارة الى المؤسسة التي اشار اليها السيد وزير الدفاع في خطابه، الا و هي "المجلس العسكري الانتقالي"، و الذي سيحكم البلاد خلال الفترة الانتقالية و التي مدتها سنتين بحسب ما تم الاعلان عنه. و كذلك اشار البيان الى اللجنة الامنية العليا، و التي تتكون من قوات الشعب المسلحة و جهاز الامن الوطني و الاستخبارات و قوات الشرطة و قوات الدعم السريع، هذه كلها مؤسسات تفتقر للوضعية الدستورية، و لا يعرف احد طريقة تكوينها، و طرق حلها، و اختصاصها، و اعضاء المجلس العسكري الانتقالي انفسهم لا يعرفون، لا يعرفوم في الظروف الراهنة، ما هو هذا المجلس ؟ و ماهي اختصاصاته؟ و غير ذلك من امور. كلها مواضع قصور ظهرت بمجرد ان تم الاعلان عن تعطيل العمل بالدستور الحالي لسنة 2005 بواسطة وزير الدفاع، دون ابتدار احكام دستورية تملأ الفراغ الدستوري.
في غياب الدستور الذي يحكم البلاد، و لو لفترة قصيرة، تكون البلاد خلال تلك الفترة محكومة بارادة فردية، و تكون السلطات كلها متمركزة في يد الحاكم الممسك بمقاليد الحكم، و تغيب مؤسسات المواطنين بالكامل، لكون الاطار القانوني الذي ينظم تلك المسائل غير موجود، و بالتالي التعاهد القانوني بين الحاكم و المحكومين يكون غير واضح، و بالتالي تكون حياة الناس عرضة للخطر و حرياتها عرضة للانتهاك، دون ان تكون لهم مؤسسات مستقلة و نزيهة و قادرة على حماية حقوقهم، و قادرة ان توقف انتهاكات السلطات التنفيذية و التشريعية في البلاد. و هذا هو الوضع الذي يعيشه السودان و شعبه، منذ يوم 11 ابريل 2019، بعد اعلان الغاء العمل بدستور السودان الانتقالي لسنة 2005 .