سيظل نظام الانقاذ وحتى لحظة خروج الروح ، يتشبث بالبقاء مستغلا خبراته الدولية الحصرية المتعددة ، المتمثلة في استعمال كافة اشكال العنف والقهر لاقصاء معارضيه ، والمكر بالكر والفر وتصنع الضعف والمسكنة ، ثم العودة لتكشير الأنياب والالتفاف والانقضاض .

اذا كانت هذه الأساليب قد مكنت النظام من البقاء في السلطة ثلاثين عاما ، الا أنها انتهت به الى فشل ذريع في ادارة الدولة ، نتيجته الانهيار الكلي الذي تشهده بلادنا . المضحك المبكي أن النظام ، حتى وهو في حالة احتضار ، يمارس ذات الأساليب في مواجهة الثورة الحالية :-

* أعلن النظام حالة الطوارئ وباسمها اليوم تنتهك حرمة المساكن ، وباسمها شكلت المحاكم الاستثنائية وبدأت في محاكمة المتظاهرين بقانون الطوارئ و بالقضاء " العادل المستقل " ، وفي ذات الوقت يعلن النظام أن حالة الطوارئ ليست لمجابهة المتظاهرين ، لكن المقصود بها التصدي للفساد .!!

* البلاد في قمة الأزمة يبشرنا النظام بخطاب مهم للسيد الرئيس، توقع المتفائلون بأنه سيعلن حل حكومته واستعداده للتنحي والدعوة للأتفاق على ترتيبات الانتقال السلمي ، في تطور غريب يسبقه مدير جهاز الأمن ويعلن بأن الرئيس سيعلن تخليه عن رئاسة الحزب الحاكم ، لكن خابت كل التوقعات عندما ظهر الرئيس وأعلن أنه قرر الوقوف على مسافة واحدة !

فكيف للرئيس ان يجمع بين النقيضين ، حزب حاكم يترأسه هو ، وهو حزب شمولي قاهر يتشبث بالسلطة ، مستعينا بالفساد وكتائب الظل ، في المقابل شعب بأكمله ، ممثلا في شبابه وأحزابه وكيانات أخرى ، يطالب بالديمقراطية ودولة المؤسسات والحقوق والسلام والشفافية !!

* يواجه النظام المتظاهرين سلميا بالعنف المفضي للموت ، ويظهر السيد الرئيس ويعبر عن أسفه ويترحم على الشهداء ويؤكد ان المتظاهرين على حق ، ويأمر باطلاق سراحهم أو بعضهم ، ثم يستمر ذات العنف والقتل ويتم اعتقال اخرين ليدخلوا بذات الباب الذي خرج منه المفرج عنهم !!

* البلاد في قمة الأزمة وكل ما يهم النظام هو ممارسة ما جبل عليه من عدم الصدق وشق الصف ، فهو يعلم ما تم من تحالف بين تجمع المهنيين وكيانات حزبية وغيرها تحت مسمى قوى الحرية والتغيير ، فبادر باعتقال من ظهر على الفضائيات من عضوية التجمع ويسعي لاسترداد بعضهم من الخارج ، وفي ذات الوقت يدعي ان التجمع عبارة عن " بعاتي " يستحيل التفاوض معه ، كل ذلك في محاولة للانفراد ببعض كيانات قوى الحرية والتغيير .!!

يندرج في ذات الاتجاه المستخف بالعقول ، المستهين بالوطن وحرماته ، ما بثته وكالة سونا للأنباء من خبر مفاده أن السيد الرئيس رحب بمبادرة دفعت بها جامعة الخرطوم للخروج من الأزمة . أول ما يلاحظ عليها أنها قدمت تحت عنوان " رؤية جامعة الخرطوم .. " وليس رؤية أساتذة بجامعة الخرطوم ، واضح ان المقصود هو تمكين هذه المبادرة من ابتلاع ما سبقتها من مبادرات ، على رأسها مبادرة قدمها أكثر من ستمائة أستاذ بذات الجامعة ، أعلنوا انحيازهم للثورة وطالبوا الرئيس وحكومته بالتنحي وقدموا رؤيتهم للخروج من الأزمة.

للمزيد من التضخيم والتفخيم ، تقول مبادرة جامعة الخرطوم أنها تستند على الدور الوطني للجامعة كمؤسسة قومية غير منحازة ، وباعتبارها بيت الخبرة الوطني الكبير الذي يقدم الرأي والنصح وقت الأزمات .

سايرت مبادرة الجامعة المبادرات الأخرى فيما يتعلق بتشكيل حكومة كفاءات انتقالية ، لمعالجة الاقتصاد وتحقيق السلام والوفاق والاعداد للانتخابات ، لكنها تبقي البشير كرئيس للجمهورية طوال الفترة الانتقالية !!
فاذا كان الرئيس سبق وان وافق على عدم ترشحه، بما يعني ان فترته المتبقية فقط عام واحد ، فان مبادرة المؤسسة القومية غير المنحازة ، أعطته ثلاث سنوات اضافية فوق السنة المتبقية . !!

حتى تكون المبادرة " مبلوعة " ، ينادي أصحابها بتهيئة المناخ باطلاق سراح المعتقلين وكفالة حرية الرأي والتعبير ..الخ ، وفات عليهم ان ما يحسبونه من قبيل الدسم ، ما عاد يعني شيئا ، فاطلاق السراح حق وليس منة ، وحرية الرأي والتعبير أصلا كانت مكفولة دستورا ، لكن لا وجود لها واقعا ، والغاء الطوارئ لا يعني شيئا ، ففي ظل الدستور الذي يكفل الحقوق والحريات ، تم ضرب المتظاهرين سلميا واعتقالهم وسجنهم وقتلهم .!! أما عدم تعديل الدستور فيما يختص بالفترات الرئاسية ، فهذا ما سبق وان بادر به السيد الرئيس ، غير ان قطار الثورة تجاوز هذه المحطة.

وهكذا وفي احلك الظروف يستمر النظام في نهش جثة الوطن ، ونستمر نحن في كتابة المقالات المكررة ، نصحا وتحذيرا ، أما شباب الثورة فقد توصلوا بعبقريتهم للترياق المناسب .. تسقط بس #