تتكرع الامشاج ماضيها وبؤسها لتعلن للعالم رحيل احد عمالقة الابداع في السودان فعلي ابراهيم منذ دخوله لنادي الغناء السوداني في اواخر الخمسينات من القرن الماضي ظلت كؤوس الحانة مترعة بعذب القصيد من تسانيم التطريب فالحانة شكلت اضافة حقيقية لمداميك الغناء السوداني فقد انجب من الالحان ذكرانا واناث زينت وشيها ديوان الغناء السوداني استدعي اللحوا الالحان البيئية التي تمتعت بها مجتمعات السودان المتنوعة وقدمها للمستمع السوداني في قوالب سهلة الهضم وتفاعل معها الجمهور واسس مدرسة لحنية خاصة تعرف في الموسيقي السودانية باسم مدرسة الالحان الملوكية التي تطغي عليها موجة الجبرة والخيلاء ( المك ناصر عمدة داركلي الكنينة االطير الخداري جبار الكسور المك نمر ) ظلت كلمات هذه القصائد حبيسة في وجدان الخيال الشعبي السوداني حتي قيض الله لها علي ابراهيم فاطلق سراحها واذاب جمادتها واحالها الي جداول موسيقية عذبة النمير ونقلها من الذاكرة الشفاهية الي ذاكرة الخلود .

تميزت اغنياته بالرميات التي برع في ايجادتها وخلق بينها واللزمة الموسيقية علاقة تصالحية يصعب التمييز بينها والقصيدة المغناة فاحي موات فن الدوبيت الذي هو احد الاعمدة الهامة التي قامت وتأسست عليها بنيان الاغنية السودانية الحديثة.
علي ابراهيم كان يؤمن بان الفنون هي مرآة الشعوب فكانت جميع مختاراته منها معبرة عن القيم الجمالية القائمة علي الكسوبات التاريخية والمنجز الثقافي لمجمل محمولاتها التي تاسست علي مكارم الاخلاق والفضائل من فخر وفحولة وكرم فقد جاء من جغرافية معقدة التضاريس احتملت في احشائها حضارات متنوعة من النيل وبجراويته ومكوك شندي فالشمال النيلي تاريخيا عرفت بانها منطقة باذخة العطاء في مجالات متنوعة تسنمت علي رأسها الشعراء والأدباء والفنانين فالشمال النيلي سبق أقاليم السودان في توطين الوعي والاستنارة والذي جلب عليه الكثير من المتاعب والقسوة الغير مبررة من بعض الحمقي والمغالين .
اذكر ونحن في مرحلة مبكرة من أعمارنا في امكدادة حضرنا حفلة غنائية أحياها الفانون علي اللحو وأبو داؤود ومحمد ميرغني وعبد العظيم حركة في ميدا الحرية في شتاء عام 1977في يناير فقد كانت احتفالات عيد العلم التي تقيمها حكومة مايو سنويا وتختار اقليما من أقاليم السودان لإحياء المناسبة فكان ذلك العام من نصيب دارفور وقد اختيرت امكدادة كنموذج لمدينة متميزة في مجال التعليم بدا الاحتفال والذي افتتحه ابن امكدادة المذيع بإذاعة لندن وقتذاك الأستاذ صالح ابوبكر اطال الله عمره فقد كان صوته جهورا واسع الصدي وبدا في تقديم الفنانين وعند تقديمه للحو ضج الحضور بالتصفيق وعلت الهتافات وعلي كان حاني الرأس وبعد التحية قال للجمهور ماذا تريدون فصاح الجميع الطير الخداري فقد سبق ان أذيعت في الإذاعة في برنامج جراب الحاوي الذي يقدمه الاستاذي محمد سليمان واهل امكدادة لهم غرام وهوي بهذا البرنامج فقد ذاع صيت الاغنية وانتشرت في مجلة زهرة الأغاني التي كانت تصل الي امكدادة بصور راتبة ورحم الله خالتي فتحية التي كانت تلتقط الأغنية وتكتبها اثناء بثها في الإذاعة مباشرة فقد كانت شهرة أغنية الطير الخداري طبقت الآفاق وتتيم بها اصحاب المطاعم وسائقي اللواري التجارية في ذلك الزمن وكثيرا ما قرأناها في صناديق الزوادة المثبتة في قمة اللوري او مكتوبة في الهبابات المثبتة في مؤخرة لساتك اللوري فقد شكلت هذه اللوحات الخاطفة عاطفة الكثيرين من ابناء الشعب السوداني واذكر كنت مرة كنا في بانقي عاصمة أفريقيا الوسطي توجهنا الي مطعم مملوك لاحد قبائل الانديلا لتناول وجبة الإفطار وقد دخولنا استوقفتني لافتة مكتوبة باللغتين الفرنسية والعربية مكتوب عليها مطعم الطير الخداري Restaurant oiseau vert يومها تاكدت مافعله علي ابراهيم بتلك البلاد وماتركه من اثر وتأثير وقد التقيت علي ابراهيم في الإذاعة في مكتب استاذنا علم الدين حامد اطال الله عمره وسألته بالتحديد زيارته الي أفريقيا الوسطي وذكر لي انهم سافروا اليها للمشاركة في تتويج الإمبراطور بوكاسا وكان في رفقته محمد وردي وأبو داؤود وسيد خليفة وابراهيم حسين وإبراهيم موسي ابا وأحيوا فيها اكثر من عشرة حفلات نالت رضا الجمهور واستحسانهم وقال لي احيوا ليلة بحي الدنقالة في بانقي.
علي ابراهيم بدأ حياته الفنية بأغنية سايق الفيت وهي التي كانت جواز مروره لدخول ديوان الغناء السوداني وهي أغنية ألحانها من العيار الثقيل فمحمولاتها متسقة مع مفرداتها وجودة اللحن أضفي اليها صور جمالية وحسية فهي في تفاصيلها رحلة برية بين الوهاد والاكام وغارقة في البيئة السودانية بكلابها وحيواناتها الاجتماعية ولو قدر لي المقارنة بينها وأغنية الاسكلا التي جرت أحداثها داخل النيل وبين سرور سايق الفيت لأدرك الجميع ان هناك بون شاسع بين عبقرية المكان ومدلولاته فالارض هي ينبوع العبقريات وهي مستودع السكينة والاطمئنان علي الرغم من ان مبارك حسن بركات أدي أغنية الاسكلا بكرم أتم من رواد الحقيبة واستطاع ان يستدعي مخاطر البحر ورعبه ومزجها باللحن خاصة وان مبارك له القدرة علي استدعاء الخلاء الجوفي لصوته .
استطاع اللحو ان يقاوم دعاة الموضة والرافضين للثوب السوداني وحاربوه واعتبروه من التقاليد البالية فقد غني أغنية التوب زاد جمالك حشمة بالمحبوب حتي هزم دعاة الموضة الذين عجزت المنابر وفشلت في هزيمتهم فاغنية التوب تركت اثرا عميقا في الحفاظ عليه كقيمة موروثة فقد تحدثت الاغنية عن جمال المرأة فاغنية التوب تركت اثرا عميقا في الحفاظ عليه كقيمة موروثة فقد تحدثت الاغنية عن جمال المرأة السودانية وجغرافيتها الخفية استطاع علي ابراهيم اللحو ان ينجز مشروعا متكاملا ذاخرا بفيوضات لحنية باذة واخاذة محاطة بجمل موسيقية غاية في الجزالة والرشاقة والتطريب فهي الحان مترعة بالجمال والآن قد خلي مقعده وصفرت منه يدينا ومن يدري لعل الأيام تنجب من يخلفه شآبيب رحمة ربي تغشاه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.