(التعظيمات قد نالت من الكرامة

والأحذية قد نالت
من نزهاتنا
والأغبياء
قد نالوا من أحلامنا
والأنذال
قد نالوا من الحرية
والحرمان
قد نال من الأطفال.
يا أخي قد نالوا من أخيك
والرصاص
قد نال من أجمل الوجوه
الحقد قد نال من آلامنا
ولكن،
قوانا قد ردت إلينا
وسوف ننال من الشر)..

- موازيين العدو،ديوان إنتصار جرنيكا: بول إيلوار، ترجمة فؤاد
حداد/ دار الثقافة الجديدة 1977م-

1:
هذا المسرب إليه، إلي كمال، وإلينا.
أكتب،الآن، إليه، وعنه، هى شهادتى،رؤياى، تلك هى صحيفتى إذن، أكتب حياتى/حياتنا فيما أكتبه، فالكتابة محبة تزخرف ما فى القلب، وتحتضن الجوهر، جوهر حياتنا، التى هو منها فى مكان القلب، ليس فى هوامشها. أكتب لا لكى أصف وأشرح و... أقنع، لكن لكى أقول ما ينبغى له أن يقال، يقال فى وقته بالذات، هذا ما يحدث للأنبياء، فتبيان المواقف وجلائها صلاة أيضا. أجلس، الآن وأكتب، لعل عابرا يقرأ ويصغى. رسمت أو كتبت أو نسيت، فلكل صحيفة أسم وشخص وعنفوان* فلا أحد يزعم الحد بين النهر والسيول، جلست، ملء قلبى، لكى أكتب إليه، أطرق باب بيته، وأبلغ رسالتى/ كلماتى، إليه وإلى العائلة، إلى شعبنا، وإلى قواه الحية، التى هى، الآن، في تظاهراتها الجسورة الباسلة المنادية بإسقاط النظام، برأسه وهياكله كلها، وإحلال البديل الديمقراطى والدولة المدنية. مت أو حييت، تلك هى ذريعتى للحياة، الحياة التى هى، بلا أدنى شك، ضد الموت الذى يبذولنه، الآن، بلا وازع أو ضمير. تلك هى رغبتى التى تؤرقنى حد الجرح، فى اجتياز أقصى المعنى وتجريد الدلالات، الكتابة، كما أرغبها، ليست قولا ناجزا، ولا كتابة كاملة فى حق من أكتب إليه وعنه، إنها الرجاء، لهذا العالم المؤبؤء بالإلتباس والتشوهات، لكيلا يغفل عن دورات الكون الصائبة، تلك، هى كتابتى عن المنور العظيم كمال الجزولى.

2:
من زماااان، كنت أنظر إليه، وإلينا، لكيما أراه وأرانا، معا. تلك الليلة، آواخر ديسمبر 2015م، تحديدا ليلة 22 ديسمبر، خضنى النبأ، لكأن الكون قد توقف عن دورانه، وبقى في الذهول و(العبث)، علمت أن كمالا قد أصابته أقداره ب(عطب) فى القلب، وهو، فى حال الإصابة (المروعة) تلك، فى سبيله للقاهرة نشدانا للشفاء! لست أدرى كيف كان حالى، حين كتبت إليه، لكننى، بالحق، كنت (مشفقا) عليه، ولحالى، والكثر ممن يحبونه ويعيشون حياتهم تحت ظلاله المزهرات، (مرعوبا)، إذن، كتبت:

3:

كمال الجزولي، لا تتركنا بالله عليك!

* كمال، منذ مساء السبت الماضي طريح المستشفي، تناوشته طعنات في القلب، الآن في طريقه للقاهرة لإجراء عملية (قسطرة) لبعض شرايين القلب. إرادة الحياة لديه كبيرة، نتمناه يعود إلينا، إلي شعبه وحزبه ووطنه و ... رؤياه، سالما وغانما وظافرا بالحياة!

دائما،
كنت عاليا...
عاليا فى سمواتنا يا كمال،
حد نتشابي لنعلو إليك...
قمرا تحيط بك النجوم لامعات
سابحات
حامدات
وقادرات!
شجرة يانعة فى قلوبنا
تحتها قدر دفين
ثمين.
الشمس نفسها ظلت حانية علينا
بفضلك
بنورك الذي يؤازرها
فتحنو
تظللنا إذ ترافقها يداك
أبدا لم تأفل
فغدا كل ما حولنا
أخضرا... أخضرا
ثم عاد يكون
أحمرا... أحمرا!
شمسا كنت،
فى ضلعنا اليسار يضئ
وينبعث.
أبدا لم تكترث
للقانصين العسس
بل شرعت تقرع للعالمين
الجرس!
يا صاحب الأيادي الباسلات،
كن قادرا وقم
سنهتف إليك بألف حنجرة
وفم
يا كمال النضال قم!

كم كنت تخرج إلينا
بذراعين مفتوحتين،
تنادينا إليك
لنلاقي عند الفجر شمسك
التي هى فى العباد
وفي البلاد
وجهك!
صارت الشمس حمراء
حين نصبوها المشانق...
فأطلقت أنت المدافع
ولم تكثرها إلينا المدامع
(أحدي وعشرون طلقة)*
أضاءت الفضاء الرحب
للبلاد الكبيرة
ويا لها من سيرة
فى الناس
وفى المسيرة.
ثمة حكمة كنت تصغى إليها:
لا بد من صوت الرصاص
لنعلم كيف للعتمة فينا
أن تشع
وتتسع!

كم أشقيته قلبك،
هذا الكبير
المنير
المجلل بالمعارف
جعلت فيه وجه البلاد
الموشي بالكفاح
لا بالمصارف...
حملته فوق ما يحتمل
وما تنوء به الكتل
لم تكن تنشد يوما مجدا
فلم تنال منا غير ما منحتنا:
الأمل!

ماذا تريد قطرة الدم هذه
من ركن السماء،
من حرز قلبك الذى يضخ إلينا الحياة
ماذا تريد؟!

لم لا تهدأ ثانية يا حبيبنا؟
فالسماء، أنت تعلم...
تكتنز بالبروق وبالرعود
وبالمطر
والشعب سيمنحنا الخلاص
حتما سيمنحنا الخلاص
فيجنبنا،
كلينا، الخطر!
فشوارع خطوك لا تنتهى
عصافير عينيك لا تهاجر،
أبدا لا تهاجر...
وفى سماء كلماتك
لا تغرب الشمس!
(إلي أين،
يا حداة القافلة؟!
ناءت ظهور الخيل بالوجوه الخضر
والأسماء،
وبالذكريات الآفلة!)**

فكن فينا،
كما فى الأمس،
وقم...
يا جزولي
يا كمال،
بالله عليك قم!
------------------------
* إشارة إلي مطولته (طبلان و21 طلقة) فى رثاء الشهيد عبد الخالق محجوب الذي أعدمه السفاح نميري ورهط نبيل من رفاقه في مجاذر يوليو 1971م.
** من قصيدته (تلويحة 4: رحيل)، من ديوانه:(عزيف الريح خلف بوابة صدئة).

4:
منذ وصوله للقاهرة، بمستشفي فؤاد ، كنا، قبل العملية وبعدها، وإلى يومنا هذا، فى القلق والخوف والخشية، صرنا، بقلوب صافية وضمائر نقية مخلصة، نبتهل ونتضرع، في صحونا اليومى وفى حلمنا، أن يعود إلينا سالما، مثلما هو فى حياته كلها، سالما وراضيا وشجاعا. ثم كان أن جاءنا، فجأة، الفرح: أجريت العملية ونجحت وهو فى خير حال، كعادته، مطمئنا إلى أيامه وبرفقته الأمل الذي أبدا ما تخلى عنه. سيعود أوائل يناير أذن كما قرروا له، فكان ما سوف يكون، الفرح. ولكن، كيف علمت، وماذا كتبت؟ فى 7/1/2016م، كتبتها هذه (التلويحة):

أول الفرح في العام الجديد، تلويحة كمال الجزولي!
*هى إيماءة، بالأحرى، تلويحة فرح، تأتينا في بدايات العام، أتتنا كغمامة دافئة عبر أبنه د. أبي، وناقلها مجدي الجزولي، ثم أيضا، عبر لقطة إلتقطها عصام عبد الحفيظ من أمام غرفة العمليات فى مستشفي دار الفؤاد بالقاهرة، كان هذا أول أمس، تقول الإيماءة: أن كمالا بخير، أجريت له العملية بنجاح، وغادر غرفة العمليات إلي الإنعاش، وحالته مستقرة. تلك، عددتها أنا، تلويحة حب من كمال لنا، تصورته منتصرا، مثلما هو في كل حياته، يبتسم وهو يؤمي لنا بها، كم هو مفرح لشعبنا أن يكون بخير، ومهرجان الفرح الحقيقي سيكون يوم عودته معافا ومشرقا بالحياة، تماما، كما هي عادته، إذ يعيشها ملء قلبه ووعيه و... حلمه!

**إيماءة واحدة،
تبدو بهيجة في هذا الركام اليومي:
نداء
وهتاف
وفرح!
تهب نهاراتنا
من أقاصي الوجع
وزنها من اللغز
والجدوي...
وافر هو الأمل
الذي تضيئه الجراح
يا كمال.
وها أنت-يا حبيبنا-
تمنحنا من جديد
عطايا الكفاح
فرحة أوائل العام أيضا!

4:

من هو كمال الجزولى، ولماذا نستهجن إعتقاله؟

منذ بواكير وعيه بالحياة من حوله، وبالعلم والفكر، سعى، السعى كله، أن يقف على أرض ثابتة، ليست هاوية، هى من الحياة. وجعل جوهر حياته، عبر هذا المسار، الحرية، مطلق الحرية، للإنسان، أيا ما كان هذا الإنسان. ومن المعلوم، أن الحرية لابد لها أن تكون، حين تكون، برفقة مواثيق وقوانين تؤطرها وتصونها ضد منتهكيها عبر العصور. نعم، نشأ في بيئة (دينية) متسامحة فى تعاملاتها الاجتماعية والفكرية والسياسية، تلك بيئة السودان التى تميزت بها بلادنا وشعبنا قبل أن يسعى الإسلام السياسى في(إعادة صياغتها) بالقهر والذل والتنكيل ومصادرة الحريات جميعها. والحال كذلك فأن كمالا متدينا بهذا الفهم، مؤمنا ومتسامحا، ويعرف أين ينبغى أن يقف الدين والتدين. طلب الحرية عنده، كما أظن، هو الذى جعله يدرس القانون ويقرأ القوانين المحلية والاقليمية والدولية، ثم يتخصص فيها ويبرع فى تناولاته العديدة فيغدوا من إساتذة القانون فى بلادنا، ومدافعا، بوعى عميق وجسارة، عن حقوق الإنسان. جانب أخر، جعله أحد محاور تفكيره، هو الجانب الروحى/ الشعرى. شخصيا، تعرفت إليه، أول معرفتى به، عن طريق شعره، فهو شاعر مجيد، في لغته وصوره ودلالاته، له فيها جولات عظيمة طاف عديد البلدان في مؤتمرات ولقاءات الشعر والأدب وتعرف عبرها على كبار الشعراء العرب وغير العرب. عندما تولى، أكثر من دورة، مسئولية الأمين العام لاتحاد الكتاب السودانيين، نجح، عبر صلاته الشخصية، فى إستضافة محمود درويش وجيلى عبد الرحمن ومايكوفسكي الشاعر الروسى العظيم وغيرهم على منبر الاتحاد، ومعلوم أنه أحد مؤسسى (أبادماك) مع رهط نبيل من شعراءنا ومبدعينا. نعم، صحيح أن كمالا أنتمى، منذ بواكيره، بوعى عميق وفكر نير، عضوا، ثم بعد، قياديا، فى الحزب الشيوعى السودانى، واحد الذين يمهدون إليه مساره ورؤياه.
تقول بطاقته الشخصية أن أسمه هو، كمال الدين عوض الجزولي دياب، لكنه أشتهر فى كل أنشطته بأسمه المجرد، كمال الجزولي. ولد فى العاصمة الوطنية أمدرمان بحفرة كلودو في 15/1/1947م. كمال متزوج من الأستاذة بجامعة الأحفاد د. فايزة حسين عبد الله، ولهما من الأبناء، أوبي طبيب الأسنان، وأروى المهندسة المعمارية.

ولنتعرف على مشاغله الفكرية والأدبية، نقوم بإيراد النبذة التعريفية التى جعلها (ديباجة) تعريفية عنه ونشرها فى موقعه على (مؤسسة الحوار المتمدن) الليكترونية، لكننى أود أن أنوه أنها قد كتبت العام 2012م، بما يعنى أنه قد أصدر العديد من الاصدارات والبحوث والدراسات والمقالات لم تشملها هذه السيرة المختصرة.

كمال الجزولي
السيرة الذاتية
(2012)

نبذة تعريفية عن كمال الجزولي (كمال الدين عوض الجزولي): ولد بأمدرمان فى 15/4/1947م ـ حائز على ماجستير القوانين بتخصص في القانون الدولي العام من كلية القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة كييف بأوكرانيا، الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، عام 1973م، ودبلوم الترجمة من نفس الجامعة (دراسات إضافية) ـ محامى وشاعر وكاتب مشارك بعدد مـن الصـحف والمواقــع الإليكـترونية السـودانية والعـربية ـ صـدرت له (1) القصيدة الجبلية: مجموعة شعرية عن (اتحاد الكتاب العـرب) بدمشق، 1993م (2) عزيف الريح خلف بوابة صدئة: مجموعة شعرية عن (دار الأشقاء) بالخرطوم، 2000م (3) أم درمان تأتى فى قطار الثامنة: الأعمال الشعرية غير الكاملة عن داري (العلوم) و(تراث) بالقاهرة، 2004م (4) طبلان وإحدى وعشرون طلقـة لـ 19 يولـيو: مجـموعـة شـــعـرية عـن (دار مـدارك) بالخـرطــوم، 2008م (5) الشـيوعـيون السـودانيون والديمـوقـراطــية: عـن (دار عـزة) بالخـرطــوم، 2003م (6) الحقيقة في دارفور: عن (مركـز القاهـرة لدراسـات حـقوق الإنسـان)، 2006م (7) السودان والمحكمة الجنائية الدولية: عن (مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان)، 2006م (8) الآخر: عن داري (العلوم) و(تراث) بالقاهرة، 2006م (9) أبو ذكرى: نهاية العالم خلف النافذة: عن داري (العلوم) و(تراث) بالقاهرة، 2006 (10) إنتليجينسيا نبات الظــل: عن (دار مـدارك) بالقاهـــرة، 2008م (11) كـتاب الرزنـامـــة الأول "2007م ـ 2008م": عن (دار مدارك) بالقاهرة، 2009م (12) عتود الدولة: ثوابت الدين أم متحركات التدين: عن (دار مدارك) بالقاهرة، 2010م ـ كما صدرت له أعمال ضمن مؤلفات مشتركة منها:
(1) Law Reform in Sudan, ed. by Akolda M. and Balghis Badri, Ahfad University for Women, 2008 - (2) Darfur and the Crisis of Governance in Sudan – A Critical Reader, ed. by Salah M. and Carina R., Cornell University Press and Prince Claus Fund Library. Published in conjunction with an international conference held at the Institute of Ethiopian Studies, Addis Ababa University in February 2008
بالإضافة إلى مئات الدراسات والمقالات والأوراق البحثية في الأدب والقانون والتاريخ والفكر السياسي والاجتماعي، قدمت في الكثير من المؤتمرات والسمنارات وورش العمل، ونشرت في عدد من الدوريات المتخصصة والمجلات والصحف داخل وخارج السودان، كما تمت ترجمة بعض إنتاجه إلى اللغات الانجليزية والروسية والأوكرانية. عضو بـ (الحزب الشيوعى السودانى) ومرشحه للانتخابات النيابية عام 1986م خلال الديموقراطية الثالثة ـ الأمين العام لـ (اتحاد الكتاب السودانيين) ـ عضو بـ (اتحاد المحامين السودانيين) ـ عضو مؤسس بـ (جامعة أم درمان الأهلية) ـ عضو مؤسس بـ (المنظمة السودانية لحقوق الإنسان) ـ عضو مؤسس بـ (الحركة من أجل حرية الضمير) فى السودان ـ عضو مؤسس بـ (المرصد السوداني لحقوق الإنسان) ـ عضو مؤسس بـ (منبر السودان أولاً) السياسى المحلول ـ عضو بـ (ندوة إشراقة) الفكرية والأدبية بأمدرمان ـ عضو فخرى بمركز لندن لمنظمة (القلم العالمية) للدفاع عن حقوق الكتاب المضطهدين PEN INTERNATIONAL) وحائز على جائزتها الدورية لمنطقة شرق أفريقيا عام 1993م، وعضو هيئة مستشاريها لمنطقة شرق ووسط أفريقيا ـ مشارك فى العديد من المؤتمرات والندوات وورش العمل داخل وخارج السودان ـ متزوج وأب لإبن وإبنة.

5:

الإعتقال!
إنسان بهذا القدر العالى من التخصصات، فى القانون وعلومه، فى الفكر الإنساني وعلوم المجتمعات والسياسة، فى الفن وفى الأدب، فى الفكر الفلسفى والاقتصادى، في أدارة الأزمات وفى التنمية، مساهما نشطا فى السياسة فى وطنه، محيطا بسعة كبيرة فى المعارف فى عمومياتها وتفرعاتها، عارفا بالدين والتدين فى الإسلام، ولديه مبحث مهم عن رؤية الحزب الشيوعى السودانى للدين، ثم، فوق ذلك كله، متابع بدقة وفهم للتطورات الفكرية والتغيرات المستمرة، فى مستوياتها الواقعية، للرأسمالية العالمية وللفكر الماركسى الذى يدين به. وهو فى هذا الخضم الهائل من مشاغل الفكر والمعرفة، نسمع، فجأة، أنه قد جرى إعتقاله!
ويا عيب الشؤوم، حدث ذلك عصر يوم الأربعا30/1/2019م،حيث إقتادته مجموعة من جهاز أمن النظام من مكتبه، ولم يسمحوا له ليأخذ أدويته المعتادة معه! تلك الأمسية طار النبأ تحمله الأسافير والهواتف إلى الدنيا، إلى الأحرار والشرفاء فى كل مكان، وإلى الأمم المتحدة، وإلى منظمات حقوق الإنسان على المستويين، الإقليمى والعالمى. فى ذات الأمسية نشر خبر إعتقاله فى (مؤوسسة الحوار المتمدن الذى هو أحد كتابها البارزين، يقول الخبر/البلاغ:

الحرية للأستاذ المناضل كمال الجزولي وكافة المعتقلين السياسيين في السودان.

الحوار المتمدن-العدد: 6134 - 2019 / 2 / 3 - 02:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية /وكالة أنباء اليسار,
عصر الأربعاء الماضية 30 يناير 2019م، داهمت ثلة من رجال الأمن مكتب الأستاذ كمال الجزولي المحامي والمفكر والشاعر والكاتب، المدافع عن حقوق الإنسان، مكتبه في وسط العاصمة السودانية الخرطوم وأخذوه إلي أقبية وزنانزين جهاز الأمن. رفضوا أن يجعلوه يأخذ أدويته معه، وهو الذي أجري العام 2015 عملية كبيرة في القلب بالقاهرة، وأوصي له الاختصاصين هناك أن يداوم علي تعاطى الدواء في مواقيته وتجنب الإنفعال والغضب والإجهاد والجلوس الطويل. لايزال كمال في الإعتقال ولم يسمحوا لأيا من أسرته برؤيته بل يحملون عنهم بعض متطلباته المحدودة بزعم أنهم سيسلمونها له ولا أحد يعلم مدي مصداقيتهم. كمال يعد من ألمع مفكري ومنظري اليسار السوداني وأستاذ كبير في علوم القانون الدولي والقوانين المحلية، عضوا فاعلا في العديد من المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حقوق الإنسان والعاملة ضد العنصرية والإنتهاكات. وهو مساهما بدرجة كبيرة، عبر موقعه، في النشر بمؤسسة ( الحوار المتمدن). أسرته، التي أصدرت بيانا بالأمس، قلقة جدا علي صحته وكذلك كل جماهير شعبنا التي في نهوضها الكبير منذ أكثر من شهر في احتجاجات ليل نهار مطالبة برحيل دكيتاتور السودان ونظامه وحزبه وإحلال البديل الديمقراطي. نهيب بالرأي العالمي والإقليمي الحر وكل منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الفكرية والأدبية أن يعلوا صوتها مطالبة باطلاق سراحه فورا وكذلك اطلاق سراح كل المعتقلين بالآلاف في سجون وأقبية النظام.
فى اليوم التالى، نشرت أسرته هذا التعميم حول إعتقاله:
بيان من أسرة الأستاذ المناضل كمال الجزولي
آخر تحديث فبراير 2, 2019
هناك أخابر عارية عن الصحة يتم تداولها في بعض صفحات الفيسبوك عن إطلاق سراح الأستاذ كمال الجزولي من المعتقل. والحقيقة أنه حتى الآن -مساء الجمعة الاول من فبراير- مايزال الأستاذ المناضل رهن الاعتقال لدى جهاز "الأمن" والمخابرات. كما أنه ليست لدى الأسرة أية معلومات عن وضعه الصحي في المعتقل، علماً بأنه مريض بالسكري وأجرى عملية قلب مفتوح قبل ثلاث سنوات. وفي هذا الإطار تحمل الأسرة جهاز "الأمن" المسؤولية الكاملة عن سلامته الشخصية، والصحية، وتطالب بالافراج الفوري عنه، وعن جميع المعتقلين السياسيين.

المصدر:الراكوبة/وكالات 2/2/2019م.

كتب د.عبد الله على إبراهيم فى سودانايل يقول حول إعتقاله، هذا المدخل في مفتتح مقالته:
نشر بتاريخ: 02 شباط/فبراير 2019

شق على نبأ اعتقال خدن الروح الشاعر الكاتب المحقق كمال الجزولي المحامي بواسطة قوى الأمن في هذه الأيام الحبلى بوطن آخر. ولست أشفق على كمال من الاعتقال. ولا يغلى على فداء الوطن. فهو "طائر سجن" في قول الفرنجة. واختار طريق الشوك هذا إلى الوطن ولم يطر شاربه:
إنَّكَ ميِّتٌ،
وإنَّهم ميِّتونَ،
ولا فَكاكْ،
فاجهَرٌ، إذن، برفضِكَ الأبيِّ ههُنا،
تجهَر بهِ هناك،
ومُتْ
هُنا،
تحيا .. هُناكٌ !
ولكن يقض مضجعي وأنا منقطع عنه إن كان قلبه المكدود سيحتمل أذى الاعتقال. لقد عاد لنا كمال قبل عامين أو نحوه من أزمة في قلبه (حيث يؤتي الرجل مثله طوعا) فسلم منها بعمليات استثنائية في القاهرة. بل لربما عاد بمحض محبتنا له ودعوانا له بأن يتعافى ويشفى. فأراد الله لنا أن ننعم به لوقت أطول. فكمال صناعة من شقائق الشغف بالوطن وغمار الناس والحقيقة لعقود ستة كانت غلّقت ورشها حتى خرج علينا شباب ديسمبر الوضيء.

ثم كتب، أيضا، مجدي الجزولي في سودانايل، يقول:

كمال صفي شعبه .. ليس بوسعكم سجنه .. بقلم: د. مجدي الجزولى
نشر بتاريخ: 04 شباط/فبراير 2019

اختار كمال الجزولي المحامي والكاتب القاسي في الحق لنفسه طريقا في مضارب الحرية منذ أن عرف الكلمة، وهو لكل من خبره رجل كثيف المعاني شاعري الإلهام طريف العبارة وواسع المعارف. لكمال في المعتقل حيوات سابقات فهو أنيسه معلوم الفداء. اختطف جهاز الأمن كمالا الأربعاء الماضي في خضم الأزمة الثورية الراهنة كأنها لا تكتمل سوى باعتقال شيخ السبعين.
لكمال أياد كرم بيضاء علي، تعلمت منه وما أزال وكيف لا، فقد احتطب كمال طويلا في معارف الثورة السودانية ومد لها بعلمه الدقيق ونظراته الثاقبة. جمر كمال على سبيل المثال "الديموقراطية" كما يكتبها للشيوعيين والتقدميين السودانيين ووطن لها خير توطين حتى جعل موقعها في أدبيات الحزب الشيوعي موقع اطمئنان أكيد. نهض كمال لهذه المهمة من موقع مزدوج، فهو الحزبي الذي يريد نصرة حزبه بالنقد الفعال وهو المثقف الذي يريد تحرير "الديموقراطية" لشعبه كوسيلة لمستقبل أفضل.
استعد كمال بفقه واسع لتقصي علاقة الدين والسياسة دون لجلجة فحصد من ذلك التكفير مرة وأخرى دون أن تهتز له قصبة، ظل منافحا عن مبدأ الفصل بين الدين والسياسة صيانة للإثنين معا وكافح في هذا السبيل كفاحا طويلا وما زال حتى حرر في كتابته الغزيرة هذا المبدأ لأجيال اختبرت خطل الدولة الدينية تجربة ويسر لها كمال المعنى والخلاصة.
صان كمال الثقافة العربية الإسلامية في السودان بمسعاه الممتد مداواة العنصرية الساكنة فيها وتفكيك منابتها الطبقية والآيديولوجية، وكان في ذلك من المبادرين الذين بنوا جسورا من الفكر مع قوميات السودان غير العربية وغير المسلمة طلبا لوطن جديد وثقافة جديدة. في ذلك لم يدر كمال ظهرا لهذه الموارد الثقافية تطهرا وإنما صارع من داخلها وطور من منابتها مقولات للحرية والعدالة والمساواة على سكة ماركس القائل أن شعبا يقهر غيره لا يمكن أن يحقق الحرية.
كمال الساعة في ذمة جهاز الأمن وقد تجاوز السبعين العمر بقلب عليل، وغيره العديد من النساء والرجال في حبس القوى الأمنية. لكن، لا سبيل لحبس كلمة وفكرة وعقل، فقد أدى كمال فرضه كاملا وزاد، ومن كتبه وأوراقه سنن حسنة تعيش في العقول وتمشي على قدمين، أفكار أصبحت قوة دفع في سبيل الحرية والمساواة والاشتراكية، هو الحر وقلبه النصيح ومن حبسه محبوس في ظلمه ومرض مقصده.
5:

ولكن، لماذا أعتقل كمال؟

هل بسبب الحديث الفج لقادة النظام حين يرددون بلا حياء أمام الملأ بان الحزب الشيوعى هو محرك هذه الإنتفاضات كلها، وكمالا عضوا فيه، فسارعت الأجهزة الأمنية بإعتقال جل قياداته العليا وكل طاقم تحرير الميدان، ولم تسلم الشيوعيات من الإعتقال، هل حقا كمال وراء هذا الحراك الجسور، أم لأنه بذر الوعى بالحرية والتحرر فى وجدان وعقول أبناء وبنات شعبا!؟
أم، يكون الإعتقال بسبب قصيدته (هسيس) التى سبق وكتبها ثم قام بنشرها، بالصوت والصورة، لتكون ضمن أناشيد الثورة، تلك القصيدة الداعية للنهوض وللتغيير وللحرية؟ قصيدة مهمة وملهمة لاشك، أنتبه إليها د. عبدالله على إبراهيم فأورد مقاطعا منها فى مفتتح مقاله الذى أشرنا إليه.
أم، يكون بسبب من (الغبينة) لدى نافذى النظام وسدنته وسط القانونيين التى (كوى) كمالا قلوبهم يوم دعاه المؤتمر الوطنى ليكون عضوا فى لجنة إعداد الدستور الدائم، المسخ الذى يعدونه، وفق هواهم لكي يوهموا به الغافلين بيننا ومن لا يعرف خبثهم ونذالتهم، فرفض كمال، بل أوضح فى مؤتمر صحفى مشهود دواعى وأسباب رفضه، وكانت تلك الأسباب وثيقة قانونية صاغ كلماتها بكلماته الرصينه وبأدب لا يستحقه النظام. وتبع ذلك، تصريحه الصحفى بشأن ملابسات رفضه لدعوات الحزب الحاكم ليشارك فى الأنشطة القانونية المسخ التى يسعى النظام لتكون ستارا عن جرائمه وسوءاته.
أم، ترى، ليمنعه من الترافع عن المعتقلين والمعتقلات جراء هذه الإنتفاضات الجسورة التى قاربت الشهرين منذ إندلاعها وعمت كل أصقاع البلاد، فكمال، مع كل المحامين الشرفاء، يقومون بهذا العمل النبيل منذ مبتدى الحراك الجماهيرى، بل على طول عهدهم بالعدالة والقانون والدساتير،يقومون بذلك برغم أن العديد منهم في الإعتقال والحبس.

والآن، لنقرأ معا، قصيدته(هسيس)، التى، لربما، هى مشعلة هذا الحراك وأوردت كمالا الحبس:

(1)
ليسَ القتلُ ما أخافُهُ،
ليسَت
المِيتةُ
المُفجِعَةْ،
ليسَ انفجارُ هذا البابِ، فجأةً، أو دخولُهم،
عندَ منتصفِ الليلِ،
بالأسلحةِ الُمشرَعَةْ،
لا ..
ليسَ دَمِي الذي يسـبحُ في قيحِـهِ،
ولا جُمٌجُمَتي التي تتشظَّى على ..
الجِّدارْ،
لكنما أخوَفُ ما أخافهُ ..
هوَ الخوفُ ذاتُهُ،
ذاكَ الذي ..
إذا غفِلتُ عنهُ،
لحظةً،
سَرَى إلى مسـامِ الرُّوحِ،
ناقـلاً ..
وساوسَ المعاذيرِ الُمنَمنَمَاتِ في ..
هسيسِ
الانكسارْ،
ذاكَ الأنيقُ، السَّاحرُ، الذي يجـعلُني ..
أرامقُ ..
اختِضاضَ نصـلِهِ الماسِّـيِّ،
ريثما أعشُو ..
لبُرهةٍ أو ..
بُرهَتَينْ،
لحظتَها
ينهَلُّ، بغتَةً، فيشطِرُنى ..
إلى
نصفَينْ،
نصفٌ هُناكَ،
في ملكوتِ وهمِهِ،
يموتُ
مرَّتينْ
ونصفٌ هُنا
يموتُ بَينَ .. بَينْ!
(2)
إنَّكَ ميِّتٌ،
وإنَّهم ميِّتونَ،
ولا فَكاكْ،
فاجهَرٌ، إذن، برفضِكَ الأبيِّ ههُنا،
تجهَر بهِ هناك،
ومُتْ
هُنا،
تحيا .. هُناكٌ !

6:
والآن، أنا على يقين، أن الثورة المشتعل أوارها الآن ليل نهار، سوف تنتصر حتما وكل المعتقلين والمعتقلات سيكونوا، عما قريب، فى الحرية، وسيعودوا، ويعود كمال ليكتبوا لنا ويرونا ما عايشوه فى الحبس، تسجيلا لحقبة القهر والظلم والدم، لأحقر حقبة مظلمة فى تاريخ بلادنا.
المجد للشهداء
الحرية للمعتقلين والمعتقلات
والنصر لشعبنا ولثورته المجيدة
والخزى والعار لنظام الإنقاذ
# تسقط# بس..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.