نقلا عن العربي الجديد

جاءت الثورة السودانية في وقتٍ بدأت فيه معظم الأنظمة العربية تعيش نشوة الانتصار على الثورات العربية التي انطلقت في تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية قبل ثمانية أعوام، خصوصا بعد أن اكتملت عمليات إجهاض الثورة السورية، بتضافر عوامل عديدة، أهمها شراسة الحرب التي خاضها النظامان الإيراني والبوتيني وسواهما، دفاعاً عن نظام الأسد في حربه الدموية ضد غالبية السوريين.

وتكمن أهمية انطلاق الثورة السودانية في معناها، أي في أن أنظمة الاستبداد، أيا كانت، لن تصمت الشعوب على ممارساتها وفسادها، وأنها ستثور، وإن جرى إجهاض الثورات في مواضع أخرى، خصوصا أنها تثور هذه المرّة على استبداد نظام حكم جاثم على صدور السودانيين منذ ثلاثين عاماً، ويريد إطالة أمد استبداده، باستخدام كل وسائل العنف.

ويمكن القول إن الثورة السودانية تمثل، من حيث التوقيت، ردّاً على تهافت معظم الأنظمة العربية، وهرولتها لإعادة نظام الأسد الإجرامي إلى ما يسمّى "الحضن العربي"، وإعادة عضويته إلى جامعة الدول العربية، فراحت تقوم بخطواتٍ علنيةٍ من أجل التطبيع مع نظام متوحش، لا تختلف عنه كثيراً في عدة أوجه، خصوصا فيما يتعلق بالاستحواذ الأبدي على مفاصل السلطة، ونهب الثروات، واستفحال الفساد والإفساد، وانتهاك حقوق الإنسان. وكانت أشد تلك الخطوات فجاجةً زيارة الرئيس عمر البشير، المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، دمشق، ولقاءه بالأسد. ولم يجد البشير، الهارب من العدالة الدولية، حرجاً في أن يُنقل إلى دمشق بطائرة شحن روسية، وبرعاية ساسة نظام بوتين الذي سبق وأن استدعى إلى موسكو رصيفه المجرم من دمشق، وعلى متن طائرة شحن أيضاً، وحيداً من دون مراسم.

ولعل ردّ الشعب السوداني كان واضحاً في المعنى والمبنى، إذ خرجت جموعُه تؤكّد أن مسار الثورات العربية لم ينكسر، وأن التوق إلى الخلاص من نير الاستبداد وحكم الطغاة لن يندثر، مهما فعلت قوى الثورة المضادّة، لأن الشعوب هي من يريد إسقاط الطغاة. وقد علّمنا التاريخ الإنساني أن إرادة الشعوب لا تُقهر، ولو قُمعت ثوراتها إلى حين.

وتقدّم الثورة السودانية نموذجاً لشعبٍ ثار ضد طاغية، جاء إلى السلطة في 1989 بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة، واستند في حكمه إلى دعم إحدى حركات الإسلام السياسي، بزعامة حسن الترابي، لكن العسكري القادم إلى الحكم بانقلاب سرعان ما قام بانقلاب على من دعموه في 1999. ولعل من السخرية بمكان، أن عمر البشير حاول تسويق نظام حكمه وفق إيديولوجيا تنتمي إلى الحركة الإسلامية التي انقلب عليها.

إذاً، الثورة السودانية هي على حاكمٍ حاول تسويغ سلطته على أنه حكم إسلامي، فيما قامت باقي الثورات العربية على أنظمة حكم، حاول طغاتها تسويق حكمهم على أنه علماني، يراعي التنوّع المجتمعي، وحين قامت الثورات العربية ضدهم، راحوا يسوّقون أن من يثورون على حكمهم "العلماني" حفنةٌ من الإسلاميين والمتشدّدين والإرهابيين، وأنهم يواجهون مؤامرةً كونيةً ضد حكمهم الرشيد، تقودُها قوى عالمية وأجنبية، وتوظّف شذاذ الآفاق، من مندسّين ومخرّبين وجراثيم، خارجين عن الإجماع العام بشأن صلاح أنظمتهم التي تمثل خط الممانعة والمقاومة في وجه المشاريع الأجنبية التي تستهدفهم.
ولعل من نافلة القول إن الشعوب العربية التي ثارت على أنظمة الاستبداد والطغيان، في تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية، خرجت في مظاهراتٍ احتجاجيةٍ سلميةٍ تماماً، مثلما يحدث هذه الأيام في مدن السودان وبلداته، وهي تطمح إلى عيش حرّ وكريم، مثل باقي الشعوب التي تنعم بأنظمة ديمقراطية. ولم تطرح في ثوراتها سوى شعارات الحرية والديمقراطية والتعدّدية والتداول السلمي للسلطة ودولة القانون والمواطنة. وجميعها شعاراتٌ تنتمي إلى الحقل السياسي الليبرالي الديمقراطي، ولم يحرّك جمهور الثورات العربية أي فاعل إيديولوجي جامع، لا إسلامي ولا قومي ولا يساري ولا يميني.

في المقابل، الأنظمة الاستبدادية العربية الرافضة أي إصلاح سياسي، أو أي تغيير سياسي سلمي، هي من يحمل إيديولوجيا زائفة، تختبئ وراءها، وتزّينها بشعاراتٍ خادعة، ويمكنها أن تتلوّن بأي لون إيديولوجي، إسلامياً أم علمانياً أم سوى ذلك. وهي مستعدّة لاستخدام كل وسائل العنف، وتوجيه الرصاص نحو رؤوس المحتجين العزّل وصدورهم، كما أنها أظهرت استعداداً لاستقدام جيوش ومرتزقة ومليشيات أنظمةٍ تشبهها لقمع المحتجين، ولو كلف ذلك ملايين الضحايا وخراب البلدان، وإعادة الدول إلى طور الاستعمار والاحتلال. وهذا ما فعله نظام الأسد، حين استقدم مليشيات نظام الملالي الإيراني الطائفية، وسلّم سورية إلى جنرالات النظام البوتيني، وارتكب أبشع الجرائم بحق المطالبين بالحرية والخلاص.