نتذكّر قرار إستيلاء الإنقاذيون على السلطة بالقوة، وما أعقبه من تنفيذ للإنقلاب الذي شهده السودان في 30 يونيو 1989م، شكّل ذلك القرار محطة محورية لكل ما ألمّ بالسودان خلال ثلث قرن تقريباً من الحكم الأحادي المنفرد، رغم أكلشيهات الزخرفة التي تلوّنت بها من حين لآخر. وبالطبع، لا حاجة لنا للبحث في هذا المقال، عن تأكيد أن قراراً تم اتخاذه من أعلى قيادات تنظيم الجبهة القومية الإسلامية، باعتراف العديد من قياداته، وفي مقدمتهم الدكتور الترابي في برنامج "شاهد على العصر" الذي وثّقت له قناة الجزيرة الفضائية، لكننا بصدد الحديث عن ما بعد 19 ديسمبر، وما يمكن أن نتصوّره مما ينتظر النظام.

ونحن نستشرف الآن الأسبوع الثامن من الإنتفاضة المباركة لشعب تشبّع بالوعود الجوفاء، ووطن يئن من وطأة التدهور المريع، لا بد أن نجول بخواطرنا وننحت في عقولنا فيما ينبغي التفكير فيه من رؤى وأفكار تدفع نحو خلاص الشعب من المعاناة بشكل نهائي، وبشكل سريع، بدءاً بوقف قتل المتظاهرين واعتقالهم، بما في ذلك التعذيب الذي يتعرّضون له في المعتقلات، وينتهي في بعضه بقتل المعتقل. ونعلم أن في مقدّمة كل هؤلاء من الذين يقدّمون هذه التضحيات الكبيرة، هم الشباب، وعندما أقول الشباب، أعنيهم من الجنسين. ولأنهم يشكّلون جزءاً من الحاضر الذي ضاع، والمستقبل الذي يحسّون أنه سيتلاشى قبل أن يبدأ، إن توقّفت هبّتهم وثورتهم في هذه المحطّة، لا بد من إكمال المسيرة.
وقراءة منّا للسيناريوهات في ظل المعطيات التي تتقاطع في المسرح المحلي وفي الساحة الإقليمية المحيطة، فإن البداية في هذا الأمر، لا بد أن تنظر فيما يفكّر فيه النظام الآن، آخذين في الإعتبار تداعيات كل موقف بإسقاطه على مؤثراته. ومنادين تجارب مماثلة في الذاكرة، لأحداث لم يمض عليها الكثير من الوقت، حيث لم تضعف إشارات تنبيهاتها في الذاكرة فتُنْسَى أو تخبو، تلك هي نتائج ثورات أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م، ثم ثورات لبعض دول الجوار، وأخرى بعيدة في قارات خارج أفريقيا.
في هذه الثورة التي قاربت الشهرين، لم يعد نموذج التسليم الذي تم في أكتوبر وارداً، لغياب وتغيّر مجموعة عوامل، أهمها أن المؤسسة العسكرية المتمسّكة بمهنيتها وتراتبيتها القيادية التي كانت فاعلة في أكتوبر، وإلى حد كبير في أبريل، ليست موجودة الآن، حيث لدينا اليوم مؤسسة عسكرية تم تصفية قياداتها المتمسّكة بمهنيتها بإحالتهم فيما سمّي بالصالح العام وهو ليس كذلك، واستعيض عنها بكوادر تنظيمية مؤدلجة عقائدياً، تُقدّم التنظيم على المؤسسة والدولة معاً، وبالتالي، ضاعت التراتبية القيادية المهنية. العامل الثاني الغائب، هو أن درجة تشبّع القادة العسكريين في أكتوبر وأبريل بقدر من أخلاقيات وقيم المجتمع، كانت أرفع درجة عما هو الحال الآن، مع قناعتنا بارتكابهم قدراً من التجاوزات بحسبانها توأم كل الحكومات الديكتاتورية رغم التفاوت. العامل الثالث، هو وجود مليشيات موازية الآن، وربما أرفع تسليحاً عما يتوفر لدى الجيش، مما يعني أن درجة ثقة قادة النظام الحاكم، متأرجحة في قيادة الجيش المؤدلج نفسه، وأن على الأخير أن يعي أن أي تحرّك ضد السلطة، سيُقابل بالمواجهة المسلّحة.
لا شك أن هناك عوامل ثانوية عديدة، لا نريد أن نقف عندها، مثل ما يشاع عن وجود ملفات للإبتزاز بمختلف الأنواع، تُشهر من حين لآخر متى أبدى بعضهم إمتعاضاً أو فرفرة مُغْبِرة. مثل هذه العوامل تتعلق بأفراد، بينما نركّز تحليلنا على دور المؤسسة. بيد أننا نجزم بأن المؤسسة العسكرية على اتساع حجمها وتنوّع تشكيلاتها ووحداتها، لا تخلو من وطنيين يرون في استمرارية نظام الإنقاذ مهدداً لوجود مؤسستهم وعمق إرثها المهني، ناهيك عن إضعافها الذي حدث، وتبديل عقيدتها المهنية، لكنهم بلا شك مغلوبي الحيلة، ومكتوفي الأيدي ومبعدين عن مراكز إتخاذ القرار. ورغم ذلك فهم مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بتدبير كيفية إنحيازهم للشعب، فلا مجال للفُرجة، وحيث أنه ليس أقرب وقتاً من الآن في ترجيح الكفّة على الميزان، بين شعب ووطن في كفّة، ونظام في الكفّة الأخرى ظلّ قاطعاً علاقته بهما منذ استيلائه على السلطة.
وبالنظر إلى مؤثّرات المحيط الإقليمي، متمثّلاً في دول الجوار، وكيف أن سيطرة المصالح قد أصبحت البوصلة التي تؤطّر مواقفها، وتوجّه سُفنها، فإن التعويل عليها لتوفير المساندة السياسية والمعنوية لثورة الشعب، في أقل درجات المساندة المأمولة على سبيل المثال، وقف الدعم المادي للنظام، ورغم إدراك أغلبها بأن عهد الإنقاذ كنظام حاكم قد إنتهى، باستكمال قطيعته مع الشعب بالقول والممارسة في هذه الثورة السلمية، بعد أن كان لسنين عديدة يراهن على القطيعتين في مناطق، وعلى قطيعة في مناطق أخرى، وعلى خديعة في ثالثة، فإن التعويل على المساندة من هذا المحيط الإقليمي، وبما في ذلك الدولي، هو مثل تعويل الظمآن في السراب. بيد أننا سنمضي مع السراب إلى نهايته، رغم إدراكنا القاطع لشكل منتهاه. ومن هنا، فإن الكرة الآن في ملعب الشعب الثائر سلمياً. إنه من دواعي الفخر أن الشباب الذين يتصدّرون هذه الثورة السلمية، قد استوعبوا إيجابيات الثورتين السابقتين، وأحكموا إغلاق المحبس على سلبياتهما، وهم يدركون أنهم يواجهون نظاماً خاوي الضمير من أي بواعث أو إستشعارات أخلاقية تردعه متى تجاوز حدود القيم في تصدّيه لأي حراك جماهيري، لذلك، فقد أعدوا العُدة وتصفّحوا بالإرث الإيجابي من الثورتين، وزادوا فوق ذلك بالتسلّح بتجاربهم التي لم يمض عليها سوى بضعة سنين قليلة لكنها جمّة، وأنها ما زالت حيّة، ولم يجف بعد نزيف الدم الذي سكبه قرناؤهم فيها.
نعم، لقد سقط النظام مضموناً بصمت كبار قادته إلا لماما، وقفز ثلة معتبرة منهم من السفينة أملاً في النجاة قبل أن تعصف بها رياح وأمواج الثورة. وسقطت الحكومة ضمنياً وفعلياً بتوقّف دولابها الخدمي، وأشاح المجتمع الخارجي وجهه عنها، رغم مكابرة القائمين عليها بأنها ما زالت تعمل. وهي مكابرة سرعان ما يفضحها القادم قريباً من تمدد الحراك وتوسّعه. ليس من المحتمل أن يبادر قادة النظام إلى تسليم السلطة لأي جسم كان، حتى وإن جاء هذا الجسم من داخله، ناهيك عن أن يفكّر بعقلانية وينزوي بكل أطيافه ليسلّمها إلى الشعب الثائر. ذلك أن من يتّخذ مثل هذه الخطوة، ينبغي أن يتمتّع ويتحلّى بقدر من الثقة في الآخر، ويستضمن في ضميره بعضاً من قيم وممارسات شافعة.
كل هذا مفقود الآن، لذلك، فإن تصريحات رئيس النظام تجنح وتنادي بالعنف، وتعبّر عما يجيش في الدواخل بأمل استدراج الثوار السلميين إلى كسر هذه السلمية لإنتاج المبرر لرفع درجة القمع، ولعل درجة القمع التي تُمَارس مع المعتقلين، مما أدّى إلى قتل بعضهم بأبشع صنوف العذاب، وعلاوة على كونها مؤشّر لرعب النظام من دنو نهايته، فهي أيضاً محاولة منه في تنمية الغبن الفردي لدى أولياء الدم المباشرين للشهداء، أملاً في أن يسوقهم هذا الغبن للخروج عن السلمية بحق القصاص المشروع، فيسعون لأخذه بأيديهم، بيد أنه فات على النظام أن يدرك ويتعلّم من مدرسة هذا الشعب، أن كل شهيد يقع، يجد أهله أن الشعب بأكمله قد تحوّل إلى ولي دم من الدرجة الأولى، وأن الغبن الذي أراد النظام أن يؤججه في نفوس الأفراد، قد توزّع لدى الشعب كلّه، فأصبح وقوداً وزاداً يتراكم في سلميته، ويتحول إلى حراك خانق للنظام ومؤآمراته، حراك يتضاعف ويتنامى يوماً بعد آخر.
من هنا، فإن النماذج التي يتحدّث عنها قادة الإنقاذ ومنسوبيها، ويدللون بأمثال لها من سوريا وليبيا واليمن، هي نماذج تعشعش فقط في مخائلهم، حتى إذا نطقوا بها وبلغت مسامع الثوار، حوّلها الأخيرون إلى صورة مغايرة عندهم، وتُرجموها في مزيد من السلمية. ما الذي يعنيه هذا النهج، هذا يفسّر ببساطة أن عامل الزمن الذي يعوّل عليه النظام في بعث الإحباط لدى الثوار المنتفضين، عامل عقيم غير قادر على إنتاج محفّزات لتحقيق الهدف الذي يرمي إليه، ذلك أن التصفيح الذي يؤسس مناعة الشباب، هو بقدر من المتانة التي يصعب إختراقها، ونعلم أن قادة النظام حتى الآن يقفون في حيرة من أمرهم أمام تلاحم الشعب المصفّح بسلاح السلمية والصبر، والتمرّس في ترويض الغبن، وإعادة تشكيله وتوظيفه لصالح الثورة.
فزّاعة الخوف التي اجتهد النظام في زراعتها عبر القمع المفرط في أوساط الشعب طوال فترة حكمه، والتي ظلّ يعوّل عليها كثيراً في إخماد الإنتفاضات السلمية، هذه الفزّاعة قد تحوّلت بكل عنفوانها إلى دمية يركلها الثوار كلما حاولت اعتراض مسيراتهم، بيد أنها تحوّلت الآن إلى كابوس يقضّ مضاجع منتجيه، يذيق النظام هول ما صنعت يداه، ولعل أصدق مثال لذلك، هو الفيديو الذي أمسك فيه المتظاهرون بأحد رجال الأمن ممن كانوا يطاردون المتظاهرين لقمعهم بعد أن إنقلبت سيارتهم، وإنّي لأتصوّر أنه في تلك اللحظة وهو في أيدي الثوار، لا بد أن كل سوءآته وسوءآت نظامه قد تجمّعت في لحظة في رأسه، حتى تثاقل عن قدرته على حمله، مما يعتقد عمّا سيفعلون به، وهو يفكّر وفقاً لنهج المفاهيم التي تشرّبها، ولكن ومع فارق المفاهيم التي انطلقت من أجلها الثورة، وسمو القيم التي يتحلّى بها الثوار، أخلوا سبيله وطلبوا منه أن يطلق ساقيه للريح للعودة إلى وكره، انطلق يعدو كما لم يعدو من قبل، ذلك المنظر قد شكّل جملة رسائل ودروس في الأخلاق والقيم من طرف الشباب، أرادوا أن يبيّنوا لكل مشاهد، حقيقة الفارق بين ممارسات النظام وممارساتهم، وأرادوا أن يبعثوا للنظام أيكونة الرعب التي ظلّ يلوّح بها لإفزاع الثوار، مجسّدة في فرد أمنهم المرعوب المهرول وهو يسابق الريح، تلك لوحة واقعية بممارستها، لن تفارق الأذهان.
ذكّرتني واقعة هروب رجل الأمن تلك، برواية التاريخ عن نافخ البروجي في حملة (هكس باشا) في معركة شيكان، حيث كان قد صعد شجرة لاستطلاع الغابة قبل توغّل الجيش الغازي إلي داخلها، وأعطى إشارة الأمان للجيش للتقدّم، ولما كان كامل الجيش قد أصبح في جوف الغابة، تبين له أن كل الأشجار وكأنها تحمل ثماراً من بشر، من فرط أعداد مَنْ يتواجدون فوقها من جيش المهدية، ومن فرط رعبه بما شاهده، بدأ ينفخ البروجي بنغمة التحذير بشكل متواصل دون توقّف، دلالة على حجم الخطر الذي شاهده، حتى قيل أن القائد أمر أحد الجنود بقتله، لأنه سيتسبب في زرع الرعب في الجيش. وعلى أي حال كان قد فات الأوان، وتعلمون بقية القصّة. تُرى، إلى ماذا إنتهى مصير فرد الأمن بعد هرولة الرعب التي لا بد أن قائده وزملاءه قد شاهدوها، ولا ندري كيف كان تصرّفهم معه؟
تذكرونني بعد هذا الخروج اللحظي، بما قلت في فقرة سابقة، بأن النظام قد سقط، وأن والحكومة أيضاً سقطت، وأننا إستبعدنا سيناريو التسليم الذي حدث في أكتوبر 1964م، بقدر من عقلانية الرئيس عبود، والتسليم الذي حدث في أبريل 1985م بانحياز الجيش إلى الشعب بعد ضغوط على قيادته، وكذلك سيناريوهات سوريا وليبيا واليمن، لأن الذين في السلطة هنا هم الإسلام السياسي الذي هو في تلك الأمثلة، في الجانب الآخر، فوصلت الأمور إلى ما وصلت إليها هناك. وهنا لا بد أن تسألوني عن كيف إذن يكون سيناريو نهاية النظام أو التسليم في ثورة 2018/19م؟، وللإجابة على هذا التساؤل، لا بد من استرجاع الذاكرة لأمثلة شبيهة.
دعونا إذن نبدأ بالدكتاتور الروماني نيكولاي شاوشيسكو، الذي أمر الجيش بفتح النار على المتظاهرين في ثورة سلمية إندلعت في ديسمبر 1989م، ولما أدرك أن القمع نفسه أصبح المُغزِّي لزخم الثوار، وتأكد أنه لا مفر، فر هو وزوجته على طائرة هيلكوبتر، لكن الجيش ألقى القبض عليه وتم إعدامهما بأحكام ثورية، إرادة الشعب كانت أقوى من الرصاص الذي أمر الجيش بإطلاقه على الثوار. وحديثاً جداً في العام 2014م، الديكتاتور بليز كومباوري والذي حكم بوركينافاسوا لأكثر من ربع قرن، تماطل وتثاقل واستصغر شرر الثورة الشعبية، وحاول مع برلمانه تعديل الدستور ليبقى في السلطة، حتى إذا نضجت الثورة، لم يجد بدّاً من اقتفاء آثار الرئيس التونسي بن علي للنجاة بجلده فهرب، حيث اقتحمت الجماهير البرلمان وقصره. نموذج تونس ونموذج بوركينافاسوا دلائل لمن أراد أن يتّعظ بغيره، ويترك للقانون فيما بعد أن يأخذ مجراه بمعية كل أركان ما يتبع من إدانات وتبرئآت ومسامحات وخلافه. لكن فيما يبدو أن قادة الإنقاذ، أحد إثنين، إما أنهم يوهمون أنفسهم بأنهم مثل بشّار الأسد، وأن روسيا والصين سرعان ما تهبآن لنجدتهم من شعب بأكمله، وفي هذا، حقيقة أنهم يريدون الإتعاظ في أنفسهم، وإما أن حجم جرائم 30 سنة قد فعلت فعلها في أي مساحة من العقل يمكن أن تُنتج قليلاً من العقلانية في درء عواقب التعنّت. لأن الثورة الشعبية عندما تبلغ مداها، حتى بسلميتها، قد لا يمكن لأي كائن أن يتصوّر أحداث الساعات الأخيرة منها.
حسناً، دعونا نحسبها بشكل مبسّط. في أوجّ فترة إستخراج البترول وإنتاج الذهب، و30 سنة حكم منفرد من التحكّم في كل مصادر الإيرادات وصرفها، جاءت الحصيلة النهائية، زيادة صفوف في الحاجات الأساسية للحياة، وزيادة الفقراء والجوعى، والمرضى والجهل والتشريد والقتل وانعدام الحريات، ونقصان في تعداد سكان الوطن ومساحته، وزيادة في أعداد الفاسدين، يعني أي زيادة مدة حكم إضافية لهذا النظام تعني أننا كشعب نبصم على زيادة معاناتنا، معادلة بسيطة، يمكن لأي مواطن فهمها. ولا أعتقد أن أي شعب عاقل مع إدراك هذه الحسبة المختزلة، والتي تعلمونها من قبل، وبعد كل التضحيات السابقة في الأرواح، ثم الآن ولشهرين كاملين من الإنتفاض تضمّنت أكثر من 50 قتيلاً، يتوقف قبل سقوط النظام.
.................................
الفقرة دي لغتها مغاير لما أعلاه، طيب خلونا نوصل الرسالة إلى قادة النظام بوضوح أكثر في هذا السيناريو، الشعب طلع بالآلاف في المدن والقرى وفي الأحياء، وحتى الآن هم كرماء جداً لأنهم أعطوا قادة النظام فرصة لاتخاذ الخطوة الأقل ضرراً بهم، يعني بالواضح من يستطيع أن ينفد بجلده الآن وإلى حين موعد أي محاكمات لاحقة في قضاء مستقل، يهرب قبل الطامة الكبرى. الظاهر حتى الآن أنهم ما عاوزين يهربوا، طيب الشعب لو طلعوا مليونين لمدة ثلاثة أيام في الخرطوم، وزحفوا إلى كل مكان ممكن يتواجدوا فيه محمي بالأمن ولا خلف المليشيات ولا داخل القيادة العامة، هل سيأمروا القوات بسحق المليونين بالدبابات والطيران، نقول نعم سيأمروا، ما هم فعلوه قبل كده في مناطق كثيرة من السودان، لكن هل أكملوا إبادة الناس؟ لا، طيب خلينا نسقط الكلام ده على الخرطوم، يعني أي عسكري عنده أخ، أخت، أم، إبن، أب، خال، عم...الخ... موجود داخل الخرطوم ويحمل رشاش وأمروه بقتل الملايين الجايين عليه عشان المسئول المحتمي خلفه، يلقى فرصته للنجاة ومصيره هو يكون ما معروف، أكيد حيفكّر مرتين، ويفضل يرمي الرشاش ويستبدل موقعه وينضم للمليونين، لأنه لو ما فعل خسران في اللحظة ديك وبكرة كمان، وأي جندي بيفكر في اللحظة ديك يضرب نار، يعني بعد ما تكمل طلقات الخزنة الأولى، ما حيلقى وقت لتركيب الخزنة الثانية، لأن مليون ونصف متظاهر الفضلوا حيوصلوه. إذاً الحل الأمثل ليه، يغير ملابسه ويهرب، أصله غير مطلوب، لا عند المتظاهرين ولا في الجنائية الدولية. ولما ملايين المتظاهرين يحاصروا كل مكان، تاني مافي فرصة للخروج، لا كداري ولا بسيارة، ولا حتى الوصول إلى مطار أو حتى طيارة هيلكوبتر، أصله الناس حيكونوا حاصروا بيوتهم، طبعاً ما بيدخلوا ليهم جوه زي ما بيعملوا هم، إلا بالإذن، أو يتفضل هو يطلع ليهم بره، أصله القصور مهما كبرت ما حتتسع لاستضافة الملايين الواقفة بره. المعادلة دي الآن واضحة للثوار وللنظام، كل واحد يحدد أولوياته.
طيب متوقع كم من الزمن ممكن للأحداث دي كلّها؟ مؤشرات السيناريو، تدلل على أن الثوار ما حيأخروا الإنتصار عشان يتم في شهر يونيو، أصله شهر يونيو ده بذكّرهم بالإنقاذ، وكمان ما حيقبلوا بالإنتصار يكون في شهر مايو، أصله بذكرهم بمايو الخلاص، ولا حيوصلوها أبريل، لأنه سيغطّي على ثورة إبريل المجيدة، أصلهم عاوزين يحافظوا على تفرّد كل ثورة بشهرها، وخاصة ثورتهم دي، لأن النظام بتاعه العاوزين يسقطوه، كمان متفرد في كل شئ. يعني الثوار تاركين باقي شهر فبراير ده فرصة أخيرة لقادة النظام عشان يتّخذوا القرارات الصائبة ليهم، والثوار عاوزين يقولوا بوضوح، الثورة دي لازم تكتمل في شهر مارس، يا روعة الترتيب يا شباب. باقي أذكّر الناس القاعدين لسع في البيوت وبيشربوا الشاي على أنين سقوط الشباب قدام أبوابهم دون أن يخرجوا للتظاهر، ما عارفين نسميكم شنو لما يكتمل السقوط، لكن الثوار ديل بكرة أكيد بلقو ليكم إسم، وساعتها تسقطوا إنتو في نظرهم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////