لك الرحمة والمغفرة الخير أحمد عوض الكريم، الرجل السمح الذي حمل من إسمه كل حرف فيه فطوال حياته لم أسمع عنه أو منه ما يسيئ لإنسان، ولا تلقاه إلا هاشاً باشاً في كل الظروف والأحوال، يتقدمه مزاحه وابتسامته ولا يعكر صفوه الإ مآسي الآخرين. رحمك الله عواطف يوسف أحمد عبدالله ، سليلة الكرام، وجعل مثواك الجنة وأحمد الله كثيراً أن لم يسعفك العمر لتري الفجيعة في إبنك، ومن سعدكما في الآخرة أن جاء من صلبكما إبن صالح لطالما ظل يدعو لكما وكانت آخر صلاته يوم أم المعتقلين لصلاة الظهر داخل محبسه في زنازين الأمن بخشم القربة وهو تحت وطأة التعذيب، بعد أن منعوهم من أداء فريضة الجمعة بأمر جهاز الأمن.

وأنا أتابع رحلة الشهيد منذ إبلاغ أسرته بانتقاله إلى الرفيق الأعلى وحتى وصول الجثمان إلى المشرحة في مدينة القضارف لحظة بلحظة حتى مواراته الثرى، طافت بذهني خواطر شتى، الأكثر سطوعاً من بينها هو خازوق اغتيال الشهيد أحمد الذي اخترق مشروع الإسلام السياسي من كل ثقوبه. وللذين لا يعرفون الأستاذ أحمد الخير وعلاقة ذلك بخازوق الاسلام السياسي، فالرجل إبن عائلة عريقة لا زالت جذورها راسخة في منطقة المحمية شرقاً في قرية تبورة وغرباً الكتياب، وانتشرت فروعها لتمتد إلى أقاليم السودان المختلفة.

هي عائلة معروفة بتدينها وسمحاتها وكرمها، أينما حلت نفعت، وهنا لا بد أن أشير إلى أمر مهم دفعني ضمن أشياء أخرى لهذه الكتابة، وهو ما تردد على صفحات بعض الناشطين عقب ورود بعض أسماء أبناء من الشرق ينتسبون لجهاز الأمن والمخابرات الوطني شاركوا في تعذيب الشهيد بالطريقة البشعة الموصوفة مما أدى إلى مقتله، ومحاولة البعض بذر الفتنة إنطلاقاً من هذه الحادثة بإيحاءات قبلية وكأنها تقول إن البجا هم المسؤولين عن اغتياله، متجاهلين أن جهاز الأمن يجمع بين صفوفه كل القبائل، وحتى لا يضيع دمه بين القبائل فإن المسؤول الأول والأخير عن هذه الجريمة النكراء هو جهاز الأمن.

ودرءاً للفتنة أقول إن هذه العائلة جزء من قبائل البجا ثقافة ومعايشة ومجايلة ونسبا، فقبائل البجا أول من سيدافع عنه ويشهر سيفه في وجه قاتله إن استدعى الأمر. فمن من أبناء البجا لا يعرف عائلته خاصة في مناطق البحر الأحمر من مدينة بورتسودان وسنكات وجبيت وهيا وما حولها من قرى ونجوع. من منهم لا يعرف أجداده الحاج عبد الرحيم عبد الله والحاج سعد عبد الله رحمهما الله وغفر لهما، أعمدة منطقة سنكات، ولا يعرف فضلهما. من لا يعرف كرمهما وحكمتهما مما جعلهما موضع ثقة لكل بطون القبائل هناك، لما اتصفا به من نبل وتقوى وصلاح وأمانة. من منهم لا يعرف المرحوم الاستاذ يوسف محمد عبدالله وعثمان محمد عبدالله والمرحومين عبد الحميد ومحمود سعد. ومن لا يعرف الحاج عبد الله عبد الرحيم الذي توفي وهو يقرأ القرآن فجراً في غرفته بسنكات. ومن لا يعرف منهم إعمامه وأخواله، إخوته وأبناء عمومته، من من نساء البجاء في سنكات وما جاورها لا يعرفن جداته وخالاته وعماته وأخواته. من في مدينة بورتسودان من أغنيائها وفقرائها لا يعرف جده يوسف أحمد عبدالله وأبناءه عبد الماجد وعبد الباسط والآخرين. والأمر ليس مجرد معرفة بهم، بل صارت تلك العائلة جزءاً من المنطقة يتحدثون لغة البدويت نساءا ورجالا كما أهلها، وتشربوا ثقافتها وصاروا جزءا منها. هذا غير عائلته الممتدة في خشم القربة وحلفا الجديدة وكسلا والقضارف والتي ربطتها علاقات وثيقة بأبناء الشرق من كافة القبائل وغيرها من المدن الأخرى في أقاليم السودان المختلفة. وكما يقال فإن الكرت القبلي "محروق" في هذه القضية، فالمجرم ليس فرد بل نظام بأكمله.

هي كما ذكرت عائلة متدينة بالفطرة، وتدافع عن القيم السمحة والمتسقة مع الفطرة حد التعصب، وكان من الطبيعي أن يكون قطاع كبير فيها رصيد للإسلام السياسي قبل أن تتكشف خيبات مشروعه وانكشافه على الفساد والتسلط والظلم. هزت قناعات الكثيرين منهم تلك المفاسد التي وقفوا عليها بأنفسهم وخرج البعض على مشروع الإسلام السياسي وظل البعض متردداً وبقي البعض مؤملاً في أن ينصلح الحال، لكن جاءت جريمة اغتيال الشهيد أحمد لتمثل نقطة فارقة وأزالت كل غشاوة لمن ظل بعينه رمد. فتأثير تلك الجريمة ليس محصوراً بتلك العائلة وأفرادها فقط، وإنما هو ممتد لبطون القبائل في الشرق ولمعارفهم في المدن والقرى ولأقربائهم في قرى المحمية وما حولها لما يعرفونه عنها ولأفضالهم على الكثيرين وقد كانت ولا تزال بيوتهم مفتوحة للضيف وأياديهم ممدوة لنجدة الضعيف.

إن هذه الحادثة لا تخص أولياء دمه، بل تجاوزتهم لتصبح جريمة تخص الوطن، وحسناً فعل أخوه سعد وعمه محمود وخاله عبدالماجد بنفي البيان مجهول المصدر الذي حاول إخراج القضية من سياقها، بأن أعادوا الأمر إلى نصابه، فالقصاص العادل سيطال من أمر بارتكاب هذا الجرم ومن نفذه طال الزمن أم قصر. أليس هذا بخازوق كبير في مشروع الاسلام السياسي؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.