لم يخيب الظن به؛ هذا الرجل الذي كان (ويا للتعاسة) مرشحا لرئاسة الجمهورية، وقال في نظام الإنقاذ ما لم يقله الإمام مالك في الخندريس.. وذات الإنقاذ التي كان يعارضها عاد و(ركب قطارها) وزيراً للتجارة، بل أنه أصبح وزيراً عندما زادت جهالة الإنقاذ على ما كانت عليه أيام معارضته لها، فـ(بلع) كل انتقاداته النارية السابقة ثم تجشأ، ودخل في حوشها وزيراً متناسياً كل مآخذه عليها؛ وحين وضعوه أو (نقلوه إلى وزارة النقل) اختنقت المواصلات، ولكنه لم يأبه بما يتعرّض له والتلاميذ والتلميذات والمواطنين من (امتهان ومهانة) وهم يصطفون في الطرق والمواقف تحت الشمس والغبار في انتظار بصات وحافلات لا تأتي! وطبعاً أصبح مثل جماعته التي انضم إليها لا يأبه بالناس ولا يطوف على الشوارع والميادين ليرى عذاباتهم، فقد أضحى وزيراً في المؤتمر الوطني بامتياز! ولكنه الآن يتحدث باسم كل الوزارات ويقف محمياً ومؤمناً بالمليشيات، وشباب البلاد يصرعهم الرصاص في مستشفى أم درمان! لكنه يصرخ ويقول من غير أن يطلب منه أحد كل هذا الصراخ (لا صفوف بعد اليوم) وكأنه مبعوث الإنقاذ و(مرسالها) ومراسلتها إلى المخابز والصرافات ومحطات الوقود والغاز.. يا لقبح السلطة التي تجعل الناس يأكلون مبادئهم كما (يقرقشون) رقائق البسكويت..! هذا الرجل يمثل نموذجاً غير طيب لمعنى احترام المبادئ السياسية، وهو يعلم أنه يقف في صف جهة تنكر حق الناس في الحرية والاختيار والكرامة، ولكنه يأوي إلي الضفة الأخرى، بل يريد أن يتفوّق على رفقائه الذين دخلوا إلى السلطة باسم أحزابهم وأصبحوا من الناعقين باسم المؤتمر الوطني، بل أن الرجل تفوّق على (أهل الجلد والرأس) الذين لم يبلغوا مبلغه في الهياج.. مع أنه بطبيعة الحال ليس في دائرة صناعة القرار وإنما هو كغيره من (المُردفين) الذين يشاركون في السلطة بأجسادهم ومناصبهم ومخصصاتهم!
هو لم يكن يستطيع أن يحرك ساكناً عندما كان وزيراً للتجارة، وكان الناس يجأرون من طغيان الأسعار وفساد السلع، ثم انتقل بفشله من وزاره التجارة إلي النقل والمواصلات والناس يعانون في الانتقال من مواقع العمل والدراسة والواجبات الاجتماعية وهو يركب (السيارات الوزارية المظللة) وقد أصبح من النخبة التي تمتلك الثروة والسلطة، ثم يأتي ليقف ضد الاحتجاجات السلمية في حراسة جماعة الإنقاذ ليتحدث عن انعدام الصفوف، وهو يظن أن الناس لا يهتمون إلا بالخبز والبنزين وكأنه لا يعلم أن هناك شيئاً اسمه الكرامة والحرية، ومع ذلك يملك من (قوة العين) ما يجعله يتحدث عن الاستقلال والتحرير وينصح الناس بالتوقف عن (الخلافات والتشرذم) وهو يقصد التوقف عن الاحتجاجات المشروعة حتى يصفو له مقعده الوزاري الذي بالرغم من تكلفته العالي لم يضف إلي إنسان السودان شيئاً..!
هذه الشخص لا يهمنا، وإنما المهم في الأمر أن يعرف الناس بعض النماذج البشرية التي تأكل المبادئ مثل (البقلاوة) بسبب وظيفة وسيارة ومكتب (حتى من دون سلطة) فينكرون ما كانوا ينادون به.. فهل كان هذا الرجل صادقاً بالأمس كاذبا اليوم؟ أم أنه كان كاذباً بالأمس وعاد الآن إلى (ضميره) وانضم إلى من يحب؟! لو كانت الجهة التي يقف معها الآن قد تغيّرت من أيام وقوفه ضدها في صف الحرية والكرامة لقلنا (معليش) تغيّرت الظروف فتغيّرت القناعات.. ولكن (يا حسرة) هو الآن يقبع في الصفوف الخلفية للجماعة، وما قدّموه بالأمس ليخطب في موكبهم إلا من أجل الاستهلاك الدعائي والتخذيل!..ولا تدري لماذا يكلف الإنسان نفسه شططاً إذا لم يكن يملك قدرة الثبات على المواقف التي يعلنها.. أعوذ بالله من هذه (البيعة الخاسرة)!
إنه يظن نفسه خطيباً مفوهاً يريد أن يكسب صيحات من يستمعوا إليه، وهو يتكلم عن صفوف الخبز والبنزين والنقود.. ولا يعلم أن الجماعة تريد استخدام صياحه من باب المكايدة للجهة التي كان فيها.. فهل يمكن أن يترك جماعة المؤتمر الوطني لغيرهم إعلان أخبار يظنون إنها تحمل بشرى الانفراج في أوضاع المعيشة، ويتركوا الإعلان عنها لواحد من الموالين التابعين؟! كيف أيها السياسي الحصيف لم تفطن إلى قصد (المرمطة).. لا حول ولا قوة إلا بالله.. وكما يقول شكسبير على لسان الملك لير: (وي وي خجلاً لك خجلا)!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.