* يتبدي بشكل واضح لكل من تابع أو عاش مجريات الحراك الشعبي الحالي الرافض لسياسات المؤتمر الوطني الإرتجالية المهترئة ، وما تبعته من أساليب قمعية لوأد إرادة الشعب بقعقعة الرصاص ، أن هذه العصابة تكاد تتعمد السير علي ذات المنعرجات التي سلكها نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميرى التي انتهت به إلي سلة مزبلة التاريخ مذموما مدحورا .
وكأن التاريخ يعيد نفسه عندما تحملنا عقارب الزمن إلي الوراء لتحط بنا الرحال في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق 2/4/1985 ، غداة تنادي أنصار الإتحادي الإشتراكي لمسيرة مؤيدة لبقاء الدكتاتور نميري ردا علي المظاهرات السلمية الشعبية التي اندلعت في 26 مارس من العام ذاته ، لذات الأسباب التي أشعلت المظاهرات الحالية .
وقد أرادت قيادات الإتحاد الإشتراكي أن تؤكد للرئيس نميري -الموجود آنذاك في أمريكا- أنها ليست مقصرة في أداء عملها الرامي إلي قمع الاحتجاجات المشتعلة بكل السبل .
* يقول الكاتب صلاح عبد اللطيف في كتابه الممحور بإسم (عشرة أيام هزت السودان ) الذي إحتوى علي أهم أحداث ثورة أبريل التي جزت شتلة نظام نميري : في يوم الثلاثاء إمتلأت ساحة الشهداء خلف القصر الجمهوري بمكبرات الصوت وسيارات تحمل أعضاء الإتحاد الإشتراكي تحت إسم "جماهير التحالف" ، كانت المسيرة معدة سلفا تضم في داخلها عشرات من رجال الأمن ، وقد بدوا واضحين للعيان بزيهم المعروف و نظراتهم التي تكشف عن تحد سافر وشكوك نحو الآخرين ، ومئات آخرون من هواة المسيرات الذين ينضمون إليها أيا كان اتجاههها ، ومئات جاؤوا يسمعون ماذا ستقول السلطة المتمثلة في الإتحاد الإشتراكي ..
ويضيف الكاتب : وجاءت كلمة الرئيس التي أرسلها عبر جهاز (الفيكس ميل) و قرأها علي الجماهير نائب رئيس الجمهورية الرشيد الطاهر علي نحو ما يلي : " وأنا هنا في واشنطن ظللت أتابع بالثقة واليقين تصديكم الشجاع وصمودكم الراكز لفلول (الخيانة وواجهات العمالة ) - لاحظ نفس نغمة البشير في مسيرة الأربعاء ... ثم قال : إن انتصار ثورة مايو إنما هو انتصار لإرادة الشعب المستمدة من إرادة الخالق عز وجل ومن يناهض إرادة الشعب إنما ينكر إرادة الله الغالبة الغلابة "
وكأن البشير يحاول تحفيظ جنوده الواقفين أمامه بزيهم المدني تصريحات نميري عندما قال : القرار يعود للشعب.. وأنا أحكم بإرادة الشعب ... وما إلي ذلك .

لكن الأمر الذي لم يتوقعه نميري وجماهيره هو أن تلك المسيرة إنما أتت لتشهد علي سقوط آخر ورقة كانت تستر عورة نظامه العاري ، وهي ما دفعت الشعب السوداني علي الإصرار علي كنس حكومة مايو ، فقويت العزائم حتي أسقطتها بعد أربعة أيام فقط من تلك المسيرة الوداعية التي أسدلت بها ستار ستة عشر عام من الإستبداد والترويع والتجويع .
* والناظر لما تقوم به عصابة المؤتمر الوطني هذه الايام يلحظ بوضوح أوجه الشبه بينها و أواخر أيام نظام مايو .
فعندما يلتقي الفريق أمن صلاح قوش بممثلي الصحف والفضائيات ويطلق بالونة سيناريو مسرحية عملاء إسرائيل واستهداف أبناء دارفور ، إنما يفعل ذلك مقلدا سلفه اللواء أمن عمر محمد الطيب النائب الأول لرئيس الجمهورية إبان حكم نميري الذي عقد مؤتمرا صحفيا خاطب من خلاله الشعب السوداني بذات اللغة التي استخدمها قوش بيد أن اللواء عمر كان قد رمي التهمة علي من أسماهم ب(الفلاتة) و(الشماسة) المحركين من قبل بعض الجماعات المدعومة خارجيا حسب قوله ... ليهيئ بذلك لنفسه المبررات لإبادة العاصفة البشرية من المتظاهرين الذين تدفقوا كالسيل الجارف علي كل طرقات مدن الخرطوم ، مرددين هتافات (تسقط تسقط طغمة مايو ) (عميل عميل يا نميري ) . وبعد أن حصد الرصاص سبعة من القتلي و79 من الجرحى وسط المتظاهرين ، إرتفعت الحناجر بالهاتفات (لن ترتاح يا سفاح ) و( القصاص بالرصاص ) فارتعدت أوصال الطغمة الحاكمة لتسلك طرقا أخري في التصدي للحراك كما يحدث اليوم
* وعندما يحاول السفاح البشير تبرير العنف الذي يقوم به ضد الشعب الذي لا يملك سوي سلاح الإرادة المتعطشة للتحرر من قيود الذل والجوع والخوف بالآيات القرآنية والتصريحات التي تدينه من حيث يدري أو لا يدري ، إنما يسلك ذات المسلك الذى كان عليه الرئيس نميري الذي وجد من الدين أقصر سلم لإمتطاء ظهر الشعب ، شأنه في ذلك شأن كل من نبذه أهل الأرض فيحاول إستبقاء سلطته بتخدير الشعب بالتشبث بالغيبيات و إيهام الجهلاء منهم بأنه باق بإرادة أهل السماء .
*إن ما لا يدركه الطغاة علي إختلاف أزمانهم وأنظمتهم هو أن الشعوب أكثر ذكاء من كل ألاعيبهم ، وبالتالي عرف الشعب السوداني باكرا من هم أؤلئك الغوغاء الذين خرجوا في الساحة الخضراء لمراقصة رئيسهم والتهليل وراءه ، إما طمعا و لهثا وراء بعض المصالح الضيقة ، أو تجابنا وخوفا مما بأيدي بوليس النظام من القنابل المسيلة للدموع .
وما الهتافات الهستيرية اللا إرادية التي غطت سماء الساحة الخضراء نهار الأربعاء عقب تصريح البشير الخاص بتسليم السلطة للشباب إلا آية من آيأت الكره الخفي اللا شعوري الذي يكنه له أتباعه المصلحجيون .
وبدلا من إظهار تضامن الشعب مع نظامه الدموي عرف القاصي والداني حقيقة الوهمة التي يعيشها البشير وعصابته ، ومدي مراحل الإنحطاط والعزلة التي وصلت إليه حكومة الإنقاذ الهالكة المهلكة .
بقي أن نشير إلى أنه لم يتبقى للنظام الحاكم من السقوط إلى قاع سلة مزبلة النظم البائدة سوي ( بونية) واحدة قاضية من الشعب السوداني الثائر الصامد .
ومهما رقصت
أو صرخت
أوعيطت
لازم لازم
#تسط-بس
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////