الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من والاه،

والتّحيّة لجميع القرّاء الأعزَّاء،
بشائرُ فجرٍ جديد:
وأفتتِحُ القولَ بتقريرِ حقيقةٍ واقعةٍ، تتعلّقُ بالنّظام السّياسيّ المُسمّى بحكومة الإنقاذ الوطنيِّ (1989م-؟): أنَّه أسوأ نظامٍ سياسيٍّ مرَّ على السّودان منذ استقلالهِ في العام 1956م، بلى، لم يكن هو أوّلَ نظامٍ ديكتاتوريٍّ مستبدّ في تاريخنا المعاصر، لكنّه تميَّز بسُلطةٍ جماعيَّةٍ قامعةٍ، تعمّق استبدادُها حتّى نفذ إلى ما في الضّمائر، وعند ذاك انبثقت من أعماق المواطنِ الحكمةُ القائلة: "تبكي بس"، أي لا تستطيعُ حتّى أن تُعبّرَ عن معاناتك، اللّهمّ إلا بأن تنتحي بعيداً عن الأعين ثمّ تنتحبُ همّاً وغمّاً، وهكذا استمرّ هذا النظامُ سادراً في غيِّهِ ما يُقاربُ الثّلاثين عاماً، عبر أيديولوجيَّةٍ شُموليَّةٍ إقصائيّة، تمكَّنَتْ من أن تجذبَ إليها كلَّ مساوئ الأنظمة السِّياسيَّة السّابقة، فهتف الشّعبُ من أعماقه: "تسقُط بس" أي هذه الحكومة، فكان الحراك الشّعبيّ الّذي تفجّر في بلادنا منذ اليوم التاسعَ عشرَ من ديسمبر 2018م، مُؤذناً بنهاية كابوس مرعب، وانبلاج فجرٍ مشرق، نأمل أن يغمرَ بلادَنا العزيزةَ ضياؤه.

ولئن كان القمعُ والكبتُ وسوءُ الأحوال المعيشيَّة، قد اضطرّ عامَّة الجماهير إلى هذا الخروج العفويّ على سلطة الإنقاذ الغاشمة؛ فإنّ على المثقّفين في اللّحظة الرّاهنة واجبَ استفراغِ الوُسعِ من أجل توجيه مسيرة التّغيير نحو غايتِها الجوهريّةِ، المتمثّلة في بناءِ نظامٍ يُحقّقُ القيم الأصيلةَ التي يمور بها وجدانُ أمّتنا، ولا ريبَ أنّ الدّيمقراطيّة هي ذلكمُ النظامُ، إذ إنّها -كما سوف نرى- صدى الفطرة الإنسانيّةِ الحيَّة، وخلاصةُ التجربة البشريّة في مجال الحكم والسّياسة.

لماذا انتفض الشّعب الآن؟
والسّؤال الّذي يطرح نفسه على كلِّ متأمّلٍ في السّياق الوطنيّ الرّاهن، هو: كيف كانت هذه النُّقلة البعيدة من مرحلةٍ كان شعارُها "تبكي بس"، إلى هذه المرحلة التي أضحى شعارها "تسقط بس"؟ أو بعبارةٍ أخرى: لماذا صمت الشّعب السُّودانيُّ ثلاثة عقودٍ من الزّمن قبل أن ينتفض؟ لماذا صمت عن الجرائم التي ارتكبها هذا النظام في حقّ الوطن والمواطن، والدّماء التي أهدرها، والأسر التي شرّدها، والعقول والكفاءات التي استنزفها؟

لماذا لم ينتفض عندما انتفضت الشُّعوبُ أوانَ ما سُمِّي بالرّبيع العربي؟
هذا السؤال ليس نظريّاً محضاً، بل تنتج عن الجواب عنه نتائج مهمّة فيما يخُصُّ إستراتيجيّة التّغيير الوطنيّ، ويلزمنا بين يدي الجواب عنه، أن نُطِلّ إطلالةً عامّةً، على واقع الحِراك الدّيمقراطيّ في تاريخنا السّياسيّ المعاصر، منذ الاستقلال.

محنة الدّيمقراطيّة في السُّودان:
رغم أهمّيّتها الحيويّة والمصيريّة، ظلّت الدّيمقراطيةُ كممارسةٍ مبدئيّةٍ، تُسجّلُ غياباً كاملاً عن المشهد السّياسيّ الوطنيّ في بلادنا، وآيةُ ذلك أنّا -بعد أكثر من خمسة عقودٍ، تفصلُنا من لحظة الاستقلال- لا نكادُ نجدُ ولا حزباً سياسيّاً واحداً تأسّسَ على الديمقراطية، وجعلها مرتكزاً لنضاله الوطنيّ، سواءٌ كان ذلك في دائرة الحكم، أو في دائرة المعارضة.

لقد عبّرَ الشّعب السّودانيّ نفسُهُ عن وعيٍ كبير، إذ قام بتفجير ثورتين شعبيّتين، في وقتٍ مبكّر، في وجه نظامين عسكريّين، وهما ثورتا أكتوبر 1964م وأبريل 1985م، ضدّ نظام الفريق إبراهيم عبود، ثم ضد نظام الرئيس جعفر نميري، بيد أنّ الصّفوة المتعلّمةِ قد عجِزت عن ترجمة أيٍّ من الثّورتينِ إلى نظامٍ ديمقراطيٍّ يُجسّدُ إرادة الشّعب، فحدثت النِّكسة، وباءت الجماهير بالخيبةِ، ولقد عبَّر الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، عن مواساته لها في مقدّمة كتابه المتفرّد "السُّودان: المأزق التّاريخيّ وآفاق المستقبل"، حيث أهداه إلى جماهير شعبنا، قال: "الّتي أعطت وأعطت وأعطت، ولم تأخذ شيئاً"!

وأمّا الأحزاب والقوى الحديثة، فقد رأيناها تتسابقُ إلى فرض الوصاية على الشّعب، بسعيها إلى أن تفرضَ إرادتها الحزبيّة، إمّا عبر الانقلاب العسكريّ، وإمّا عبر الغزو الخارجيّ المسلّح، وذلك كلُّه قد تجسّد في واقعنا الرَّاهن، حيث انقلبَ التنظيمُ الحزبيُّ المُسمّى بالجبهة الإسلاميّة القوميّة، عام 1989م على الدّيمقراطية الثّالثة (1985م-1989م)، فهبَّت أحزابُ المعارضة، لتُعلن حرباً مسلّحةً على النظام، فكان الموتُ وخرابُ الدّيار.

وكان المأمول أن تُعلن قوى المعارضة حراكاً ديمقراطيّاً يتوسّلُ بوسائل النّضال المدنيّ، عبر التّنوير والتّبصير، وقول كلمة الحقّ في وجه السُّلطان الجائر، وبذل جُهدٍ نضاليٍّ إيجابيٍّ سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ، بعيداً عن الأسلوب الطّفوليّ القائم على تحدّي النّظام الحاكم واستفزازه، شاقَّةً بذلك كلّهِ طريقاً مبدئيّاً نحو البديل الدّيمقراطيّ.

في ظلّ الحِراك الوطنيّ الدّيمقراطيّ، يُضحِّي القادةُ الوطنيّون، بأوقاتهم وأموالهم وأرواحهم، لكي تنبت شجرةُ الحرّيّة والدّيمقراطية، أمّا في حالة ما يُسمّى بالنضال المسلح، فالضَّحايا هم المواطنون الأبرياء وخاصّةً الشّباب المتوقّد بالحماس، سواءٌ كان في صفّ الحكومة أو جُنِّد ضمن قوى المعارضة.

فإذا عدنا لذلك السّؤال المهم، فلعلّنا نتلمس الآن الجوابَ عليه، ماثلاً في عجز المعارضة عن أن تكون بديلاً ديمقراطيّاً، فتمسّك الشّعبُ بالجنّ الّذي يعرفه، وهذا سيقودُنا إلى الحديث عن جدليّة العلاقة بين الشّعب والطليعة المثقفة، في المنظور الديمقراطي.

جدليّة العلاقة بين الشعب والطليعة المثقفة:
مِن الجدير بالانتباه أن نلحظ أنّ كثيراً من كوادر المعارضة، في الأسافير، كان جوابُهم عن ذلك السّؤال المِفصليّ: أن رمَوا الشّعب السُّودانيّ بالجُبنِ والاستكانة، وأعتقد أنّ هذا الجواب يُعبّر عن حقيقة موقف هذه الأحزاب تماماً، لأنّنا نرى في الخلفيّة إستراتيجيّتها القائمة على الحراك المسلح، وما يتعلّق به من تحريضٍ للجماهير، وذلك كلُّه في غفلةٍ عن المعاني الوطنيّة النّابضة بالقيم الجميلة ذات البعد الديمقراطي العميق، كما في بعض أناشيد محجوب شريف مثل قوله:
الاسم الكامل: إنسان.
والشّعب الطّيّب: والدَيّ.
والمهنة: بناضل بتعلّم تلميذ في مدرسة الشعب.
والمدرسة: فاتحة على الشارع.
والشّارع: فاتح في القلبِ.
ثم يقولض في سياقٍ آخر:
مِنَّك كلِّ حِتّة في الخاطر صبابة،
وجنبك نبتة نبتة، ونكبر نحنا يابة،
نسألك إنتَ، وإنت تورينا الإجابة.
نعم، إنّ من دقائق معنى الدّيمقراطيّة: أن تُصغيَ الطليعةُ المثقّفة إلى صوت الشّعبِ، وتسعى إلى تحقيق آماله وطموحاته، والائتمار بأمره، والشُّعور بمعاناته، ومن نافلة القولِ: أن لا تسعى إلى فرض نظامٍ سياسيٍّ عليه بالقوّة العسكريّة المسلحة!

وذلك يقتضي: أن تثق الطّليعةُ المثقَّفة في شعبها، فلا تُبادر إلى رميه بالرّذائل.
ولا نُنكر أنّ كيان الشعب، مُعرَّضٌ لأن تعتريه ضروبٌ من العِلل والأدواء، وعندئذٍ يكون من واجب الطليعة المثقفة الواعية أن تبذل جهدها تنويراً وتبصيراً لعامّة الجماهير، لكنّ واقعنا يقول: إنّ الجماهير متقدّمةٌ بوعيها على الطليعة المثقفة.
ويتحدّث البعض عن مقاربةٍ إصلاحيَّة تنحو نحو تجسير الهُوَّة بين الجماهير والطليعة الوطنية الحزبيّة القائمة، فأقول: هذا هو الدَّوران في الحلقة المفرغة! بدءاً المفهوم نفسه غير ديمقراطيّ، لأنّه يتحدّث عن عنصرين متكافئين، وليس الأمر كذلك، كما تؤكد رؤى محجوب شريف أعلاه. بيد أنّ فيه اعترافاً ضمنيّاً بوجود هُوّةٍ بين الجماهير وهذه الطليعة، وعندئذٍ فليس الحلُّ في تجسير الهُوّة، ولكن في أن تُراجع الطليعةُ رؤاها ومواقفها، حتى تكون على مستوى الوعي الجماهيري المطلوب، هذه من أبجديات الديمقراطية.

نعم، توجد علاقة جدلية بين الجماهير وطليعتها، يُفترض أن تؤدي إلى ارتقاء كليهما، ولكن هذه العلاقة الجدليَّة إنما تكون إيجابيّة، في مردودها وثمراتها عندما تكون الطليعة مدركةً لواقع شعبها، منصتةً لطموحاته وتطلّعاته، أما عندما تكون الطليعةُ متخلّفةً عن وعي شعبها، أو عندما يكون وعيُها مستلباً بوعيٍ آخر، تفرضه على نفسها، وتريد فرضه كذلك على شعبها.

إنّ مشكلتنا الوطنية في الظَّرف الرَّاهن، لا تحتمل أن يُخرج كلٌّ منا منظاره الحزبيّ الخاص؛ لينظر إليها، هذا إذا سلّمنا بأن منظاره الحزبيّ الخاص، نظيفٌ لا تغطي عدسته رواسبُ الحزبية الضيقة، وديكتاتورية القيادة الملهمة، وروحانيّة الالتزام الحزبي الغامض!

مُشكلتنا الوطنيّة الكبرى: كيف نبني قاعدةً للديمقراطية، تكون مرتكزاً لبناء الدولة الحديثة؟!

إعلانُ موت الأحزاب السّياسيّة التّاريخيّة:
لقد خطَّت الأحزاب السّياسيّة السُّودانيّة، سواءٌ كانت في الحكم أو في المعارضة، بمنهجيّتها العشوائيّة- في ضمير الشّعب، خطوطاً مأساويّةً عميقة، كتبتها بالدّم البريء المُهراقِ عبر سياقاتِ الحِراك العشوائيّ، في عنبر جودة عام 1956م ، وفي الجزيرة أبا 1970م، وفي 19 يوليو 1971م، وفي سياق الغزو المسلح القادم من ليبيا يوليو 1976م، ذلك كلُّه ونيرانُ الحرب في الجنوب ما تزال متّقدة، ثم اشتعلت دارفور.

ذلك الحِراك السّياسيّ العشوائيّ الدّامي، جعل الشّعب السّودانيَّ رازحاً بين المطرقة والسّندان، أو بين الحكومة والمعارضة، الأمر الّذي عمّقَ في ضميره شعوراً بالخيبة من هذه الأحزاب السّياسيّة، فصار يتطلّع إلى البديل الديمقراطيّ.
والواقع يقولُ: إنّ فاقد الشّيء لا يُعطيه، فهذه الأحزابُ قد عجزت عن تأسيس ذاتها ديمقراطيّاً، فكيف يُرجى منها أن تُسهم في بناء صرحٍ ديمقراطي على مستوى الوطن؟!

بلى، إنّ أحزاب المعارضة السّودانيّة التّاريخيّة التي ما تزالُ رابضةً في المشهد السّياسيّ الرّاهن، قد ماتت موتاً إكلينيكيّاً، وصارت عاجزةً عن أداء وظائفها الحيويّة، وإنْ كان سَدَنتُها وقادتُها ما يزالون متحلّقين حول جُثّتها!

هذه الصُّورة الدَّراماتيكية، تُعبّر -من وجهة نظري- عن حقيقة الوضع الراهن للطليعة الحزبيّة الوطنية، وهي تتضمن حكماً أعتقد أنّ كلَّ مواطن سوداني يُشاركني فيه، إلا أن يكون مؤدلجاً أو منتظماً في حزبٍ سياسيّ من هذه الأحزاب، فمشكلتنا السياسية أو الوطنية تتمثّل في ضرورة إنشاء كيانٍ ديمقراطيّ يؤسّس لدولتنا الحديثة.

إنّنا بحاجةٍ ماسّةٍ إلى استئناف ذلك الحراك التّنويريّ الديمقراطيّ، الذي ابتدره ذلك الرهط الكريم من المثقَّفين الأوائل الّذين أسّسوا مؤتمر الخريجين، ليكون هو ذلك الكيانُ الوطنيّ الديمقراطيّ المستقلّ، لكنّه اصطدم بعقبة البيتين الطائفيّين الكبيرين، فعجز عن الاحتفاظ باستقلاله ومبدئيّته، وإن ظلَّ نفرٌ منهم صامدين مستمسلكين بالفكرة، أذكر منهم الأستاذ خضر حمد الّذي نذر نفسه منذ باكورة شبابه، لحركة التحرير الوطنيّ، فوضعها في قائمة أولويّاته الحيويّة والوجوديّة، وقرّر بسبب ذلك العزوفَ التّام عن الزواج.

خلاصة الموضوع:
*الدّولة الديمقراطية مطلب مصيريّ للأمّة السودانيّة.
*ولا يتحقّق إلاعبر التّنوير والنضال المدنيّ، بوسائله المختلفة.
*والأحزاب السياسية التاريخية الرّاهنة، عاجزةٌ عن مواكبة هذا المطلب.
*والحاجة ماسّةٌ لتأسيس خلايا ديمقراطيّة، تعمل على تأسيس كياناتٍ ديمقراطية، تُباشر عمليتي التّنوير والبناء الاجتماعيّ.
*خلاصة الخلاصة: نحن نواجه مرحلةً وطنية حرجة، تقتضي أن نتجاوز الانتماءات الضّيّقة نحو الانتماء الوطنيّ الواحد، الّذي تحكمه القيم الديمقراطيّة، وهذا هو محكُّ أيّ رؤيةٍ مذهبيّةٍ: أن على صعيدي الوعي والممارسة أنّها الأكثر ديمقراطيّة.
وفي حلقةٍ تالية سأُبيّن بإذن الله كيف أنّ الدّيمقراطيّة هي النّظام السّياسيُّ الأمثلُ للحكمِ، مؤكّداً على أنّها ليست غايةً ينتهي إليها الحراكُ الوطنيّ فقط، بل هي كذلك منهجيّة ضابطةٌ لهذا الحِراك عبرَ كلّ مراحله، وأنّها صدى الفطرة الإنسانيّة، وخلاصة التجربة البشريّة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////