وفق أي قراءة موضوعية يجد المتأمل أن الشعار الذي أطلقه شباب الثورة السودانية المتصاعدة (تسقط تسقط بس) , قد اختصر في كلمتين خلاصة ملايين الكلمات والمقالات والقصائد والدراسات والنصائح والإتفاقات والعهود وخرائط الطريق والمصفوفات والبنود المرقّمة والمقدمات والتعريفات والخلاصات والكراكاتيرات والدبلجات والرسومات والتجارب والمعايشة اليومية خلال 30سنة من زمن الشعب والوطن . كلها تصل لذات النتيجة , لابد من تغيير النظام حتى تجري المياه في جداول الوطن صالحة للشرب والري وطاهرة للغسل والوضوء .

هذه النتيجة التي توصل إليها غالبية الناس بل إذا صدق المتمترسون في النظام أنفسهم لقالوها , وهي تعشعش في دواخلهم وتحدّثهم بها جوارحهم وتمور في أدمغتهم عندما يخلدون إلى (المخدات) في آخر الليل _ ولن نجرّدهم حتى آخر لحظة جملة واحدة من الإحساس الإنساني _لابد من تغيير الواقع المنهار إلى واقع آخر مغاير , قد يصرح الرئيس البشير بعزمه على الإصلاح , وقد ينظر إلى مخرجات الحوار الوطني كوثيقة شاملة تحوي الوجه المغاير أي تنطوي على التغيير , وقد يرى أنّ استخدام طريقة البرامج والأهداف لتوزيع الميزانية السنوية للدولة لأول مرّة في ميزانية 2019م ستحدث التغيير في السودان , وهو قول ينطوي على إعتراف صريح بأنّ الدولة كانت تُدار (كيري) والدليل أنّ عصبها (الميزانية) كانت توزّع بالكوم دون ضابط من ميزان , هذا نظام خرب إذا ويصح تغييره ويبدو هتاف الشباب في محله , ليس بفضل تحريك عبدالواحد أو الشيوعيين وبقايا وفلول اليسار لهم لكن بإعتراف قائد النظام نفسه وكبار متزعميه , فلماذا يقاومون التغيير ؟ ما درجة جديتهم وصدقهم فيما يقولون , وهل على الشعب أن ينتظر ل30سنة قادمة مثلا ليأتي في نهايتها الرئيس البشير ويعتذر للشعب عن ضياعها هي الأخرى في تجريب نظام الإدارة بالبرامج والأهداف ولكن لم تنجح بسبب الضغوط الأجنبية والمناكفات الداخلية ؟ أليس الرئيس وشلّة الحاكمين معه من أبناء هذا الشعب ؟ أ يجهلون كيف تُبنى البلدان حتى تصير أوطانا تستحق إطلاق صفة وطن , هل يحلمون مثلهم مثل عامة الشعب بتوفير حياة كريمة لائقة بالإنسان في كل مراحل حياته واحتياجاته , هل حققوا لأنفسهم ومن يليهم مقومات الحياة اللائقة وضمنوا لهم حتى المستقبل كما قال السيد عبدالرحيم حمدي في لقاء صحفي منشور قبل سنوات عن ماذا تركت لذريتك ؟ فقال: تمشيا مع التوجيه النبوي الشريف لأن تدع ذريتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس , تركت لهم (بنكا)!! أهذا قصارى جهد الإنقاذ وخلاصة السيطرة والنفوذ على مدى 30سنة مريرة من عمر الشعب السوداني .

إسأل أي 10 أفراد من معارفك , أقربائك , زملائك, أهلك , ممن يتوزعون في 10دول قريبة وبعيدة , غنية وفقيرة , متطورة ونامية , عن أحوالهم , ومعاشهم , ستأتيك الإجابة متطابقة حد الإفزاع ( والله أهو الحال كلها صعبة , لكن على العموم أفضل بما لايقاس مما كنا فيه في السودان وأفضل مما نسمعه يوميا عنكم هناك في السودان) . سيقول لك من هم في مصر إنّ الأكل والشراب متوفران وبسعر زهيد , المدارس لا تشكل هاجسا وكذلك العلاج , صحيح ما بتشعر بإحساس الفخر والكرامة فيما لو كنت في بلدك , كما لا تأمنن خالص, تقلبات وألاعيب الحكومات الإستخباراتية , هذا بالنسبة للناشطين طبعا , بمثل ذلك سيرد عليك المقيمين في السعودية وهم يحكون لك فارق تحويل الريال الذي يمكنهم من تسديد رسوم الوليدات في الجامعات ومعيشتهم الضنك ودواء الوالدين !
وكما في قطر والإمارات يشكون من غلاء الإيجارات . في ماليزيا قصة أخرى وشكوى قليلة تتعلق بالحياة في بلد نام متطور , من كينيا أو الكاميرون وتشاد ستجد نمط حياة رخيص , مع بعض الشكوى من النواحي الأمنية التي يمكن التأقلم مع خطورتها أحيانا مثل ليبيا , أمّا في بلدان البشر هناك في أوربا وأمريكا ونيوزيلندا وأستراليا فلا شيء سوى فترة الإندغام في السيستم وبعدها تسلك أمورك . قالت لي زميلة صديقة صحفية مقيمة في كندا (الكمال لله لولا البرد كنت أقول دي بلد كاملة ) , في أديس قبل بضع سنوات رفقة د. مرتضى الغالي كنا مجموعة من الإعلاميين من دول شرق ووسط إفريقيا في ورشة عمل إعلامية مع الإتحاد الإفريقي ومؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية , ذُهلنا مما ترويه زميلة مشاركة في الورشة من جمهورية أرض الصومال !! وقبل أيام حدّثني أستاذ جامعي شاب مميز في علم الصيدلة , عن زميله وصديقه الصومالي من أيام دراستهم في جامعة الجزيرة الصيدلي الصومالي يعمل في جامعة هناك في مقديشو , ووعده بإستقدامه كأستاذ زائر لفترة محددة نظير آلاف الدولارات مما يعادل مرتبات بضعة أعوام في جامعاته التي يعمل فيها هنا !!

هل هذه صور خيالية سادتي أم هي وقائع حياة يعيش في كنفها عشرات الملايين من السودانيين منذ 30سنة , فلماذا لا يكون السودان مثل الصومال أو بنغلاديش ناهيك عن كندا والنرويج ؟ من المسؤول عن انهيار وطن كان قبل 30سنة أفضل مئات المرات مما هو عليه الآن , يكفي أنّ أرواح المواطنين لم تك تُزهق مثل الحشرات . من المسؤول عن القتل والترويع والتشريد وسرقة الموارد وتهديم المؤسسات العامة والخدمة العامة والحياة السياسية والإجتماعية وتشتيت الأسر ؟ من المسؤول عن الضنك والفقر والجوع وانتشار الأوبئة وتوطين الأمراض ؟ الإجابة ببساطة السلطة الفاسدة الغاشمة, سياساتها الشوهاء وممارساتها الضارة , هذا ما دعا الشعب ليقول كلمته الحاسمة (تسقط بس ) .

ويأتيك أطفال بالنبأ اليقين .
كنت قد كتبت كلككتي هذه مساء , لم أتمكن من تحميلها في ذات الوقت , في الصباح الباكر وأنا أتجه لقلب الخرطوم بالحافلة , جلست بجواري سيّدة تحمل طفلا ورفقتها طفلين آخرين بنت وولد , كان الولد (المشاغب) يحدّثنا بطفولته العذبة عن المظاهرات الني تردد(يسقط يسقط علم السودان ) !! فاجئتنا أخته الأكبر قليلا بقول حاسم , لا ما يسقط علم السودان (يسقط البشير ) . تمتمت والدتهم بجواري , الشفع ديل عاوزين إودونا السجن ! حاولت صرفهما بالحديث عن (كيف يسقط أبونا ) قلت في سري , أمشي يا نسمة تاجوج ! الأطفال أكثر صدقا ووصلهم النداء خلاص (كتمت) على قول الشباب .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////

////////////////////