كتب أحدهم " لو تعاملت الحكومة مع الفاسدين بنفس الحزم الذي تعاملت به مع المتظاهرين لما تظاهر أحد" 

خلال ثلاثة أسابيع دامية أستشهد فيه العشرات من أبناء السودان "المسلمين" وجرح المئات واعتقل الالاف، لم يجد البشير في البدء شيء يصرح به سوى قوله " الناس في عهد الصحابة أكلت صفق الأشجار"، ثم استمر في التهديد والوعيد . وكذلك فعل أتباعه فلم يجد رئيس الوزراء معتز موسى خلال كل هذه الاسابيع تصريح يهدي الأعصاب المتوترة ويخاطب المتظاهرين معزيا ومتخذاً قرارات فورية في صالح المواطن!!!

على العكس تماما وكأنما المسؤولين يصرون على تحدي ارادة الشعب وقهره بالقوة والبطش وبالمسيرات المؤيدة للحكومة، جاءت الطامة الكبرى في تصريح وزير الإعلام بأن "المتوفين في هذه الإحداث كانت مبالغة خصوصا من "امنيستى" هناك لجان مكونة وهناك تحقيق وتحرى من النائب العام والشرطة والقتلى فقط 19 ومنهم 2 نظاميين وبعضهم صراع بين وتجار ومخربين قتلوا بعضهم البعض "!!! فبدلاً أن يترحم السيد وزير الأعلام على الشهداء و يتأسف لما حدث و يعزي أهالي المتوفين و يندم على وقوع هذا العدد من الشهداء موضحاً بأنه مهما كان إسلوب المتظاهرين سلمياً أو غير سلمي فلم يكن من الصحيح التعامل معهم بالرصاص الحي، خاصة بعد تصريح النائب البرلماني أبو القاسم برطم "...مليشيات داخلية تابعة للحزب الحاكم هي التي تقتل الناس في الشوارع" ويعضد ذلك القول ان هؤلاء المليشيات بلباس مدني وبعضهم ملثمين.

كذلك نزل الى الحلبة مدير الاستخبارات والأمن السيد صلاح عبدالله قوش كاشفا عن " تورط خلية تتبع لحركة تحرير السودان التي يقودها المتمرد عبد الواحد محمد نور تم تجنيدها بواسطة جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد" في أعمال التخريب التي وقعت في عدد من المدن"، وأضاف أن "الخلية التي تتبع للموساد كان توجيهها حرق دور المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في السودان"!!!

وهو ما عاد الى تأكيده البشير مجددا بأن سبب الاضطرابات الاخيرة هو عدم قبوله للتطبيع مع إسرائيل!!!

الذي أود أن أقوله إن معالجة الأزمة السودانية و طريقة تصدي الحكومة للأحداث الأخيرة تدل على العجز التام عن اتخاذ القرار السليم المناسب، وعجز النظام عن إستخدام الأسلوب الأمثل لمخاطبة الشعب. ويدل على أن الحكومة لا تفهم إلا لغة العنف والإرهاب والسلاح كرد على مطالب الشعب وهو أمر لن يزيد النار ألا اشتعالا وقد يؤدي إلى حريق كامل للوطن.

الخلاصة، أن العنف لا يولد إلا العنف، وبما أن من يملك السلاح هو النظام الحاكم ومليشياته لذلك تأتي مخاطبتي هذه، بأن العنف يمكن أن يرهب الشعب لفترة معينة من الزمن ولكن لا يمكن أن يرهبه طول الزمن، بل قد يؤدي لعنف مضاد.

إن التفاوض السلمي مع ممثلي المتظاهرين والاستماع اليهم ومناقشة مطالبهم لم يكن ليخسر الحكومة شيئاً بل كان سيؤدي لامتصاص شيء من الغضب الشعبي وكان يمكن للحكومة أن تتفق مع المتظاهرين على حقهم الدستوري في التظاهر السلمي مقابل ألا يندس من بين المتظاهرين مخربين وهو أمر سهل وكان يمكن تنفيذه على أرض الواقع وذلك بعدم السماح بالمشاركة في التظاهرة لمن لا يحمل أوراق ثبوتية وكذلك عدم متابعة التظاهرة إلا من قبل قوات الشرطة والبوليس فقط مع وجود قاضي محكمة على الارض يتابع كل مظاهرة.

إذن يجب على الحكومة ممثلة في رئيس وزرائها السيد معتز موسى بدلاً عن ممارسة القمع وإطلاق الرصاص ومحاولة إرهاب الشعب بالاستعراض بعربات الدعم السريع وعربات الأجهزة الأمنية "التاتشرات" في مختلف المدن، والقيام باعتقال كل زعماء وقيادات الأحزاب والحركات السياسية، بدلاً عن ذلك يجب الدعوة فورا لاجتماع عاجل ومغلق بالبرلمان لمدة ثلاثة أيام يضم كل قيادات الأحزاب السياسية ورؤساء تحرير الصحف ورؤساء الحركات السلمية ورؤساء الأندية الرياضية وكبار الفنانين والمبدعين وغيرهم من الشخصيات الوطنية مثل مجموعة ال 52 والاستماع إليهم والتشاور معهم للوصول إلى صيغة تهدئة ترضي الجميع لإيقاف هذا النزيف المستمر يوميا بلا معنى. ثم الاتفاق على صيغة يقدم فيها كل جانب تنازلات كبيرة تساعد في الوصول إلى هبوط ناعم وخروج آمن للنظام و للحكومة مع قبول صيغ التحلل وغيرها من صور التراضي الوطني.

كلمة أخيرة هي نصيحة فردية لكل من يقرا هذا المقال، يجب على الجميع المساهمة في تشجيع العملية السلمية لإيقاف النزيف وإصلاح الحال، ألا فليسأل كل من المدافعين عن الإنقاذ نفسه ماذا هو قائل لربه أذا أتاه ملك الموت وهو يقتل بالسلاح أو يشارك في القتل بإعطاء الأوامر أو بالدعم النفسي والمادي وغيره، هل سيقول إنه كان يجاهد ضد المسلمين السودانيين لأنهم هتفوا سلميا " الشعب يريد إسقاط النظام"!!! لعله من قبل تذكير حكام الإنقاذ طرح السؤال التالي، من من الحكام المستبدين قي كل تاريخ الإنسانية القديم والحديث من دام له الحكم ابتدأ من فرعون، نيرون، ‘ستالين، شاوسييسكو، بوكاسا، سياد بري، منقستو، موبوتو، وصولا إلى صدام، حسني مبارك، بن علي، علي عبدالله صالح، القذافي ؟؟؟ فليعلم الجميع أن البشير ليس استثناء على تلك القاعدة.

في الجانب المقابل ، فليعلم الذين يتحجرون في مواقف لا تقبل التفاوض والتنازلات، إنهم يشاركون في تأخير الوصول للحل الواقعي الذي يعني أول ما يعني المحافظة على الأرواح، فروح المواطن السوداني أغلي من كل برامج الأحزاب أو تصفية الحسابات، إن التفاوض السلمي المؤدي للهبوط الناعم الواقعي هو أفضل الحلول في الوقت الحالي كسباً لوقت وحفاظاً على أرواح المواطنين والوطن.

قال الرئيس السابق اوباما في نهاية ولايته " إنني أحب عملي ولكن دستورنا لا يسمح لي أن احكم لفترة أخرى، وفي الحقيقة أظن إنني رئيس جيد جداً وإذا ترشحت سأفوز ولكني لا استطيع الترشح،... القانون هو القانون وليس هناك أحد فوق القانون، حتى إذا كان الرئيس... عندما يريد القائد تغيير القواعد في منتصف اللعب ليظل في منصبه، فذلك يقود إلى عدم الاستقرار والاضطرابات... انظروا إلى نيلسون مانديلا لقد كان مثل جورج واشنطون لقد تركا وراءهما أرثا عظيماً ليس فقط بسبب ما أنجزاه في المكتب، بل أيضا لاستعدادهما لمغادرة المكتب ونقل السلطة سلمياً....لا يحق لأحد أن يظل رئيسا مدى الحياة".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////////