عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

7 يناير 2019

ترى هل فهم الإسلامويون شيئاً من تفاصيل ما يجرى، أم أنهم مازالوا فى ضلالهم القديم..!

سبق وأن ذكرنا فى مناسبات مختلفة أن جماعات الإسلام السياسى تدور فى حلقة مفرغة، جامدة، متصلبة كقرص من فولاذ، عاجزة عن إستيعاب ما يجرى من حولها رغم خطورته.

من نافلة القول أن طبيعة الإسلام السياسى وفهمه لنواميس الكون وحركة التاريخ والمتغيرات، صفراً كبيراً، بل يستطيع الإنسان أن يزعم أنهم يفتقدون أى فهم لدوران حركة التاريخ وتغّير المعطيات وتبدل الأحوال رغم أنها سنن كونية! للتدليل على تبدل السنن والأحوال سبق وأن ذكرت لهم فى مقال سابق الأهزوجة التى ترنم بها السلطان محمد الفاتح عند أول صعود له لمذبح كنيسة "آيا صوفيا" فى القسطنطينية بعد ان سيطر جيشه على المدينة، وقد كان ذلك من الأحداث الداوية فى التاريخ ماتزال تبعاته تترى! لكنهم كعادتهم، لا يعتبرون!

أكثر من ذلك فآيات الكتاب الكريم تحتشد بالتذكير بسنن الكون ونواميسه، ربما لأنهم يقرأون كتاب الله كما يقرأون كتب المطالعة المدرسية، لا يتدبرونه أبداً، ولا يتفقهونه، رغم ان المسلم مأمور بتدبر آيات الكتاب وفهم معانيها وإستخلاص العبر منها ومن مصير ما سبق من أمم!

من ينظر نظرة عابرة لجماعة الإنقاذ يستخلص بسهولة أنهم يعتقدون أن حركة الكون والتاريخ وتصاريف الدهر وصراع البشرية توقفت جميعاً فى 30 يونيو 1989، و انهم (الإنقاذيون) أخضعوا كامل حركة الحياة فى الأرض لما فعلوا فى تلك الليلة. وكنتيجة لذلك الفهم نراهم – فى إصرار غريب - يعتقدون أن بوسعهم أن يحكموا بذات الصورة التى سرقوا بها السلطة قبل ثلاثة عقود، ولكن هيهات!

فى إشارة لمأزق حكمهم كنت قد أشرت فى مقال سابق أن جماعة الإنقاذ لا يصطدمون بالشعب السودانى فقط، بل إنهم يصارعون قوى التاريخ بكاملها، والشباب السودانى الثائر فى الشوارع ماهو إلا واحدة فقط من قوى التاريخ الداخلية (جغرافية) وضعه سوء حظه فى خط المواجهة، ولذلك حتى بإفتراض أن الإنقاذ فى شططها المعروف أبادت كامل الشعب السودانى ولم تبق على أحد منه، ستدخل مباشرة فى صراع جديد مع أحد قوى التاريخ الأخرى .. وهكذا... فالإنقاذ بطبيعتها إما أن تُدخل كامل قوى التاريخ والبشرية الى كهفها أو تسقط! ليس عندها خيار آخر! بمعنى آخر فإن الإنقاذ بما تقول وتفعل تريد إعادة كتاب تاريخ البشرية من لدن آدم وتلك معركة خاسرة لا يقدم عليها إلا مجنون! وذكرت فيما ذكرت أن قوى التاريخ لم تهزم قط... لان الحقيقة أو الحتمية المعروفة أن قوى التاريخ وتقلباتها لم تسقط فقط دويلات متهافتة كالإنقاذ، بل هزمت إمبراطوريات كان لها صولجان وأباطرة وملوك حكموا غالب الأرض من أقصاها الى أقصاها، لكنهم الآن ذكرى غابرة أغلبهم فى المزبلة المعروفة!

فى جهلهم وعنجهيتهم المعروفة فشل الإنقاذيون فى رؤية ما يجرى حالياً فى السودان أمام بصرهم وتحت أقدامهم، رغم أن العالم كله يشاهده لحظة وقوعه ويعلم ان شعب السودان بأكمله خرج لإسقاط نظام حكم فاسد.. وإنه لفاعل، فإرادة الشعوب لا تقهر.

لا يمثل لهم هتاف أطفال لم يدخلوا المدرسة بعد ضدهم أى شئ، ولا هتاف أطفال المدارس، ولا ثورة الشباب الذى نشاء وتربى تحت دولتهم ولا غناء الفتيات فى تحضيرات الزواج، ولا حفلات الزواج التى أصبحت تتحول لهتاف ضدهم، ولا زغاريد النساء والأمهات للثوار، كل ذلك لا يعنى أى شئ للإنقاذيين.

فسروا كل ذلك العمق الإجتماعى للثورة الذى شمل جميع فئات المجتمع ومكوناته على أنه "مؤامرة خسيسة تستهدف الدين"، أو فى أحسن الأحوال حركة تخريبية تقودها مجموعة متمردة! قال تعالى:"إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"، (الإنفال).

رغم طول فترة حكمهم، أثبت التجربة أنهم يفتقدون أبسط مكونات الحكم التى تقوم لهم بالقراءات والتنبوءات الضرورية لما يحدث فى المجتمع، ظلوا يسيرون كالعشواء، المجتمع فى وادٍ وهم فى وادٍ، لذلك ظلت دولتهم كجسم غريب وسط المجتمع، مخلوق شاذ كالأجرب ينفرد منه الناس!

الآن وقد بلغت الثورة كل فئات المجتمع من أصغر أطفاله الى شيوخه حتى أصبحت ثقافة إجتماعية يردد شعاراتها وأهازيجها واشعارها وغنائها فى أفراحه وأتراحه.... ترى أى مستقبل ينتظر حزباً، يهتف حتى أطفال الرياض وصبية المدارس ضده!

لم يعد هناك أدنى شك أن الإنقاذيين لم يخسروا الراهن فقط، بل خسروا كل المستقبل! ولو تركنا أطفال دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق الذين قتلوهم بالطائرات والحمم وقتلوا أخوانهم وأخواتهم واسرهم فخسروهم الى غير رجعة، ها نحن الآن نرى ونشاهد الأطفال فى جميع مناطق السودان الأخرى من أقصى القرى النائية الى الحواضر الكبيرة، يرددون شعارات الثورة وأهازيجها، ويعرفون "الكيزان" ونظام حكمهم الظالم، بل يعرفون قادتهم فردا فردا! ترى أى مستقبل ينتظر الحزب الفاشى! لمن سيبيعون أكاذيبهم فى المستقبل وقد خبرهم هؤلاء الأطفال قبل أن يدخلوا المدارس! والنقش فى الصغر كالنقش فى الحجر، وما رسخ فى عقول الأطفال لا يمكن أن تمحاه أى خطب رنّانة أو أدجلة فى المعسكرات المشبوهة التى يقيمونها للصبية!

هكذا إختاروا فى رعونة عرفت عنهم أن يدمروا كامل مستقبل حركتهم الإسلاموية إن تبقى لها شئ ليدمروه!

ولسوء حظهم، بل ربما لحسن حظ السودانيين - خاصة الأجيال القادمة - فكل ما إرتكبوه من قتل وتعذيب واعتقالات وإرهاب موثّق بالصورة والصوت والفيديو وسيبقى كذلك ما بقىّ الدهر ولن تجديهم المغالطات والتبريرات الفطيرة فى عالم أصبح شديد الترابط وسيزداد ترابطا، و أصبحت فيه قضايا حقوق الإنسان تمثل حجر الزاوية فى كامل حياة البشر.


لقرابة الثلاثة عقود فشلوا فى تأهيل أو إخراج جيل يدين لهم بالولاء، بل على العكس تماماً حشدوا كامل أهل البلاد حتى أطفالها ضدهم. لكل ذلك اصبحوا مجموعة بلا مستقبل ولا أمل وسقوطهم يعنى نهايتهم السياسية و "الفكرية" والإجتماعية، حتى إن لم يعاقبهم خصومه على ما إرتكبوا من جرائم، وذلك هو الخسران المبين!

إن الثورة التى يعيشها السودان حالياً والتى دخلت فى عمق تفاصيل حياته اليومية، وأصبحت ثقافة طغت على كل أمر آخر، من شأنها غربلة المجتمع بكامله واعادة تأسيسه على أسس جديدة، ولم يعد بإمكان الإنقاذيين وقفها تلك حتمية تاريخية لا معد منها مهما إجتهدوا ولم يعد بإمكانهم إعادة إنتاج دولتهم، فقد تجاوزت الأحداث وتجاوز الصراع ذلك الخيار الذى أتيح لهم أكثر من مرة سابقة!

إن الشعب السودانى على أعتاب فجرٍ جديد، وسودانٍ جديد ومجتمعٍ جديد، وفى كل يوم تضيق الخيارات على الإنقاذ، والخيار المتبقى هو ان يواجه بعضهم بعضاً لينجوا جزء منهم. خلافاً لذلك ستذهب ريحهم، شاءو ام لم يشاءوا، فقد إكتملت شروط ذهابهم وما عددناه من مظاهر العمق الإجتماعى لرفضهم يشير بأن تغييراً خطيراً قد نضج، وقد حان الخلاص ودنت لحظة الميلاد، فاليفرد السودانيون أشرعة الحرية لينطلقوا مع شعوب العالم الحرة!