المسار الثالث:

المسار الثالث الذي ساعد في بقاء الحركة الإسلامية في الحكم هو المسار الاجتماعي، فقد استجابت المجتمعات لعقلية الهوية القبلية القائمة على الاستقلال والاستعلاء وذلك برؤية الآخر الاجتماعي داخل الثقافة السودانية باعتباره آخر ضد أو اقل شانا، بعكس مفهوم القبلية السوداني التاريخي القائم على التكامل وقياس الأفراد وفق القيم وليس وفق الجينات. ومن هنا تفشى الخطاب القبلي الاستعلائي بصورة غير مسبقة في تاريخ السودان وتم تبنيه من قبل جميع المجتمعات السودانية، وأصبح هو الهوية النهائية التي تدور حولها كل مفاهيم الخطأ والصواب الاجتماعي. وبالتالي رجعنا إلى مراحل تاريخية قديمة في التحولات الاجتماعية ليست مذكورة في تاريخ السودان، وهي التحولات التي تحكم القيم وفق الانتماء الجيني وليس وفق علاقة القيم بالمصلحة الاجتماعية، وهي الرؤية القائمة على من فعل الفعل قبل رؤية هل الفعل مفيد أم لا؟. فنتجت كثير من الحروب والأزمات الاجتماعية نتيجة للمناصرة الجينية أو القبلية، وأخر تلك الإشكالات ما حدث في القضارف وتحويل قضية جنائية إلى مشكل قبلي.
فالتحولات القائمة على المفاهيم الموجودة الآن تذهب في اتجاه معاكس، فبدل ان يكون التحول في داخل أي عشيرة أو قبيلة في اتجاه الثقافة الكلية الواحدة وهي الثقافة السودانية، وذلك من خلال دفع المجتمعات لذاتها إلى التكامل والتواصل مع المجتمعات الأخرى والفصل بين الانتماء الجيني والحكم على القيم، أصبح مفهوم القبيلة هو الذي يقود التحولات إلى فصل القبائل والمجتمعات عن بعضها البعض. فافتقدت القيم التاريخية والعرف الاجتماعي لقوتيهما التاريخية التي كانت تتجاوز مفهوم العرق وحافظت طوال التاريخ على وحدة وتكامل المجتمعات السودانية.
هذا على مستوى المجتمعات السودانية التي أبطات السير في اتجاه التحولات منذ استيلاء المفهوم العربي للقبلية القائم على الاستقلال والاستعلاء وكذلك مفهوم الإسلام المستبطن لتلك المفاهيم بالإضافة إلى القيم العربية التاريخية، فعمل مفهوم الإسلام ذلك على محاربة وهدم القيم الاجتماعية السودانية لاستبدالها بالقيم العربية. ومنذ تلك اللحظة تباطأ سير كثير من المجتمعات التي تحيط بمركز التحولات في طريق الاندماج والتحول إلى مجتمع كلي متزن، وبالتالي نشطت القيم العازلة والمفاهيم الداعية إلى الاستقلال والاكتفاء بالقبلية كوحدة كلية. ولا يعني ذلك براءة الحركة الإسلامية مما يحدث أو عدم إدراك لمساهمتها الكبيرة في كل الأزمات، ولكن ذلك لا يعفي المجتمعات التي استسلمت للفكر الاستقلالي والاستعلائي الذي استثمرت فيه الحركة الإسلامية لذرع الفتنة بين المجتمعات السودانية. فلولا ذلك الاستسلام لما وجدنا تسميات مثل عرب وزرقة التي أشعلت فتيل الحرب أولا ثم تلتها حروب داخل قبائل ما يسمي بالعرب أنفسهم في دارفور. فكل ذلك نتاج للأفكار التي ذرعت تاريخيا باسم العروبة والإسلام، فعملت الحركة الإسلامية على نشر ذلك الفكر من خلال أدوات الدولة ودفعه إلى الصعود وكملت المجتمعات ما تبقي من أفعال ناتجة منه.
وتختلف ردة فعل الأفراد والمجتمعات من ذلك الفكر وفق قربها أو بعدها من مركز التحولات، فمجتمعات الجنوب التي أصبحت الآن دولة جنوب السودان بدأت بالانسحاب من مركز التحولات منذ بداية استسلام ذلك المركز للمظلة الفكرية العربية، وهو تاريخ يحتاج إلى إعادة تدوين. ورغم محاولة رجوع مجتمعات الجنوب للتفاعل المباشر مع كل المجتمعات السودانية ودعمها في الثورة المهدية، إلا ان تبني المهدي للمظلة الفكرية العربية وفرضها من خلال دولته تلك جعل مجتمعات الجنوب تنسحب مرة أخرى. وبقي اثر الخذلان الذي تعرضت له مجتمعات الجنوب داخلها، ولذلك نجدها منذ ما قبل الاستقلال حاولت ان تجد لها مكانا في الخارطة السودانية يضمن لها عدم استخدام الدولة ضدها كما في الثورة المهدية، ولكن استسلام اغلب نخب مركز التحولات في ذلك الوقت للمظلة الفكرية العربية الإسلامية حال دون استيعاب مجتمعات الجنوب وتوالت الأحداث بعد ذلك.
اما مجتمعات النيل الأزرق والشرق فقد ساهم عدم وجود الجين العربي في تلك المجتمعات أو عدم وجوده كجين سائد أي متمثل في قبيلة تتحدث العربية وتدعي العربية وتسيطر على مركز التحولات في تلك المجتمعات، ساهم في استمرار ثنائية المظلة الفكرية العربية والإسلامية كمظلة فوقية، مع وجود المظلة الاجتماعية التي تقوم على القيم التاريخية كما هي. اما المجتمعات التي في غرب السودان فقد كان لوجود مجتمعات تختلف في درجة التحولات بينها وبين المجتمعات التي تجاورها اثر كبير فيما يحدث الآن، فكلها مجتمعات سودانية ولكن تنقسم إلى مجتمعات تبنت المظلة الفكرية وغيرت لسانها إلى اللسان العربي فاستعلت على المجتمعات التي اكتفت بتبني المظلة الفكرية دون تغيير اللسان. وأصبحت تلك المنطقة بؤرة لتوضيح اثر الفكر العربي الإسلامي الاستعلائي على المجتمعات السودانية، فرغم انتماء كل تلك المجتمعات إلى المظلة الفكرية وهو مفهوم الإسلام وتقاربها جينيا من حيث التداخل والامتزاج إلا ان ذلك لم يكن كافيا نتيجة لتحميل الإسلام كما ذكرنا لكل قيم المجتمع العربي وأولها مفهوم الاستعلاء.
اما مجتمعات الشمال فهي كانت البادئة بالتحولات عندما كان مركز التحولات في النوبة وكوش قبل ان يتجه إلى الداخل، فمن خلال احتكاكها مع المجتمعات الأخرى أدركت قوة اللغة في الحفاظ على الوحدة الاجتماعية وكذلك قوة القيم في التكامل والتواصل، وكان ذلك قبل أن يأتي الفكر العربي ولذلك حتى بعد مجيء الفكر العربي لم تتخلي تلك المجتمعات عن لغتها وظلت محافظة عليها وعلى قيمها. وكانت حدود تفاعلها وتكاملها مع المجتمعات تسير جنوبا نتيجة لعدم استقرار الشمال المتمثل في مصر، فكان نتاج ذلك التكامل والتواصل هو وجود القيم السودانية المتشابهة بين كل المجتمعات السودانية. ولكن بعد انتقال مركز التحولات وتبنيه لمظلة الفكر العربي التي حولت القبيلة إلى هوية مستقلة، رجعت مجتمعات الشمال إلى محاولة إدراك هويتها بعيدا عن التحول التاريخي. ولكن رغم محافظتها على اللسان والشكل القبلي إلا ان قيم القبيلة ضعيفة عند تلك المجتمعات نتيجة لاختلاط دمائها تاريخيا بدماء كثيرة، ولذلك اتجه اغلب أفرادها أخيرا إلى القيم الاستهلاكية مجاراة للثقافة العالمية.
واخيرا مجتمعات مركز التحولات أو المجتمعات الي تسمي نفسها بالقبائل العربية في الوسط النيلي، وهي مجتمعات امتزجت بها كل الدماء السودانية، فهي تمثل بوصلة اتجاه لكل المجتمعات السودانية الأخرى، ولكنها في ذاتها انحرفت عن دورها التاريخي في استيعاب تلك المجتمعات وأصبحت تحاول ان تكون هي مجتمع مستقل قائم بذاته كما المجتمعات الأخرى، فرغم امتزاج الدماء حاولت القول بالمظلة القبلية نتيجة لضغط الهوية الذي تمارسه مظلة الفكر العربي، وتاريخيا استمرت تلك المظلة تمثل شكل فوقي مع التكامل مع المجتمعات الأخرى والتواصل من خلال القيم السودانية ولكن ببطء. اما بعد استيلاء الحركة الإسلامية على الحكم ومحاولة تغليب مظلة الفكر على المظلة الاجتماعية وذلك بمحاربة القيم السودانية باعتبارها قيم داعية إلى الشرك أو بدع، لم يجد مجتمع التحولات أمامه سوى قيم الطبيعة أو القيم الاستهلاكية كتعويض بعد تجريف القيم الاجتماعية، بالإضافة إلى اتجاه جزء مقدر من أفرادها إلى قيم الثقافة الغربية.
فإفراغ الثقافة السودانية من قيمها الاجتماعية بالتجاهل والتحريم وعدم وجود قيم داخل الرؤية الفكرية العربية تواكب مرحلة التحولات السودانية بالإضافة إلى حالة العولمة، كل ذلك مهد للثقافة الغربية على نشر قيمها القائمة على الاستهلاك.
وكنتيجة لهذا المسار نجد ان استقلال المجتمعات السودانية عن بعضها البعض ولو فكريا بالإضافة إلى المفهوم الاستعلائي وتبني فكرة الإسلام القائمة على ان العرب أبناء الله ومحاربة القيم السودانية بالتحريم، وكذلك بعد مجتمع التحولات عن مجتمعاته الأصلية ومحاولة ترميزه كمجتمع قائم بذاته موازي لتلك المجتمعات، وتنازله عن القيم السودانية لصالح قيم استهلاكية، كل ذلك ساهم بقدر ما في بقاء سلطة الحركة الإسلامية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.