قضية المركزية الديمقراطية في الحزب الشيوعي السوداني من القضايا التي سال حولها الكثير من الحبر، وذلك رأجع لأهميتها ؛ باعتبار أن المركزية الديمقراطية هي المبدأ التنظيمي للحزب حيث لا يمكن بناء وحدة فكرية فاعلة بين أعضاء الحزب الواحد دون وجود وحدة تنظيمية،ومن هنا تنبع الحاجة للمركزية الديمقراطية كمبدأ ينظم حياة وعمل الحزب.ويجمع بين مبدأ النظام أي وحدة التنظيم و العمل ووحدة الاتجاه والهدف ومبدأ الديمقراطيه،كما يجمع المبدأ بين حقوق العضو و وأجباته. والمركزية الديمقراطية تشكل العمود الفقري لبناء الوحدة التنظيمية للحزب، وهي مبدأ راسخ تم تطبيقه في الحزب وأثبت جدارة وتصدي بنجاح لمختلف تقلبات السياسة في السودان بانقلاباتها وديكتاتورياتها الدموية المتعاقبة ، وعداء قوي الظلام المستمر لحزب الطبقة العاملة.ولاتكتمل المركزية الا بالديمقراطية ،فالمركز منتخب من خلال عملية ديمقراطية شفافة من القاعدة الي القياده؛ والاصل أن الانتماء إلى الحزب هو إنتماء طوعي والاستمرار فيه إختياري وذلك يعدّ سلوكا ديمقراطيا .

والمركزية الديمقراطية كما شرحها دستور الحزب المجاز في المؤتمر السادس في يوليو 2016 :"أن الحزب له مركز واحد منتخب بشكل ديمقراطي، وبرنامج واحد ودستور واحد مجازين من مؤتمره ،وحياة الحزب الداخلية تقوم علي اسس ديمقراطية، تكفل حق كل عضو في التعبير عن رأيه في منابر الحزب المختلفة، كما تؤكد علي إلتزام الأقلية برأي الأغلبية مع الاحتفاظ برأيها -في حال تعذر الوصول الي إجماع حول القضية المطروحة-، وأن جميع الهيئات القيادية تنتخب بالاقتراع السري من القاعدة الي القمة، مع التزام الهيئات الدنيا بقرارات الهيئات العليا و حقها في نقد هذه القرارات، وأن القرارات تصدر من الهيئات ،كما تنشر جميع الهيئات تقارير عن نشاطها. "
والمركزية الديمقراطيه مبدأ سليم تسنده معرفة و تجربة إنسانية عملية عمرها أكثر من قرن ، والمركزية ضرورية لبناء وحدة الحزب و الديمقراطية أسلوب هذا البناء ومنهج إدارة صراعه الفكري، كما يدعم المبدأ أسس القيادة الجماعية للحزب والتي تكفل منع أي إنحراف فردي أو تسلط، وذلك عبر العمل الجماعي عن طريق توزيع المسؤوليات والمهام والصلاحيات، بحيث لا يكون العمل الفردي مختلفا أو متعارضا مع سياسة الحزب ووجهته.

وإن كان ثمة خلل،فالخلل ليس في مبدأ المركزية الديمقراطية،بل في عدم الفهم والوعي الكامل بالمبدأ ، ذلك أنه من غير الممكن أن تنجح منظمة سياسية دون قيادة مركزية لها شرط أن تكون هذه القياده المركزية منتخبة من القواعد وفقا لعملية ديمقراطية سليمة، علما أن الديمقراطية في تطبيقها العملي تقييد للحرية الفردية لمصلحة القرارات التي تتخذها الأغلبية، أي أن الديمقراطيه نفسها نسبية، وتقوم علي مبدأ التفويض ،فمثلا في تطبيقها علي مستوي الدولة ومع الإستحالة العملية لان يحكم الشعب نفسه، تطور المفهوم من الإجماع إلي الأغلبية التي تمثل من ينوب عنها، ويصبح حكم الشعب عبر أغلبية نوابه .
ولايتعارض تبني الحزب الشيوعي السوداني للمركزية في هيكله التنظيمي مع دعوة الحزب لتبني اللامركزية في إدارة الدولة ،كون أن دعوة الحزب لتبني النظام اللامركزي في الدولة تخدم هدفا مركزيا أسمي هو وحدة السودان.هذا مع تأكيد أن منظومة الدولة تختلف في مهامها وخصائصها عن الحزب السياسي ،و يتعامل الحزب مع مفهومي المركزية واللامركزية كمكملين لبعضهما، وغير متعارضين.ويبدو هذا التكامل واضحا من واقع التقسيم اللامركزي الذي فرضه الواقع الجغرافي في إنتشار فروع الحزب دونما تعارض مع مبدأ المركزية الديمقراطية،ذلك أن مركز الحزب نتاج لانتخاب ديمقراطي في المؤتمر العام المكون من ممثلين منتخبين يمثلون المناطق الحزبية بجغرافيتها اللامركزية وفقا لاسس ديمقراطية متفق حولها.
وحيث أن المركز نتاج لانتخاب ديمقراطي قاعدي، وليس منبتا أو قادما من كوكب أخر ، يصبح التشكيك في شرعية قراراته سلوكا غير ديمقراطي ، بل وتشكيكا في إرادة القواعد التي إنتخبت المركز علي أسس ديمقراطية.
و إن كان سبب إنتقاد مبدأ المركزية الديمقراطيه هو أنها تضعف إسهام فروع و قواعد الحزب في المشاركة عند إتخاذ القرار في القضايا الهامة التي لها علاقه بوجهة الحزب في واقع السياسة المتغير والمتجدد في الوقت مابين كل مؤتمرين ، فأقترح سدا للزرائع أن يتم تصميم نظام رقمي (system) خاص بالحزب يسهل علي كل فروع الحزب الادلاء برأيها في القضايا الهامة المطروحة للتداول وذلك عبر إجراء إستفتاءات حزبية كل ما تطلب الأمر، والاستفتاءات الحزبية ليست بدعة تنظيمية بل هي جزء من تراث لينين في سعيه المخلص نحو توسيع وترسيخ الحياة الديمقراطية في البناء المركزي ،وبذلك نضمن مشاركة أوسع من عملية تحديد الخيارات وصولا الي عملية اتخاذ القرار ،ويصبح اللجوء للاستفتاء كاجراء ديمقراطي تعزيزا لما هو موجود أصلا من إجراءات ديمقراطية.
أما إذا كان الهدف من نقد مبدأ المركزية الديمقراطية هو معالجة قصور التطبيق الناتج عن أي إنحراف فردي عارض ومعزول أو ضعف معرفة و وعي بألية عمل مبدأ المركزية الديمقراطية من بعض عضوية الحزب؛ فالطريق الي إزالة هذا القصور يتم عبر رفع درجات الوعي بالمبدأ عبر حلقات التثقيف الحزبي تعليما و تطبيقا عمليا في حياة الحزب الداخلية بشكل سليم يعكس معناه الصحيح .
والي أن يظهر بديل علمي وعملي افضل و يناسب حاجة و واقع حزبنا وماتفرزه بيئة الصراع الداخلي والمحلي والخارجي من تحديات موضوعية وتقرره الاغلبية في حزبنا ، يظل مبدأ المركزية الديمقراطية هو السائد لتتظيم الحياة الداخلية في الحزب ،لانه يرسخ الديمقراطية في الحزب،ويصون وحدته وخطه السياسي من مزالق الفوضي و(الشلليات) والتخريب.
وبما أن المعرفة الإنسانية مازالت تنبض بالحياة وحبلي بالمفيد، وجب علي الحزب بشكل عام الاستفادة من كل جديد مفيد،خاصة ما يتصل بتكنولوجيا المعلومات وأدواتها التي طوت المسافة وأختصرت الوقت ووفرت كثيرا من الجهد والمال، وأثرت النظم الادارية والهياكل التنظيمية بأدوات ساهمت في رفع مستوي الكفاءة والفاعلية في الاداء، لهذا لابد من الاستفادة القصوي من هذه الأدوات،وكل معرفة مفيدة، تطويرا لبنيان المركزية الديمقراطية السليم والمجرب والمناسب لحزبنا في مواجهة التحديات الداخلية والمحلية والاقليمية والدولية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.