نؤكد على أن بعض ما سيلي في السطور التالية خاصة في وصف الإثنيات التي سيتم ذكرها هو مجرد إنطباعات وخواطر من واقع الملاحظة وتجربة الحياة وليس نتاج دراسات علمية ، مع الوعي بأنه يمكن المجادلة بأن هناك خيطاً رفيعاً في المسائل الإجتماعية بين الملاحظة والتجربة كأدوات علمية وبين القولبة Stereotyping كما أنه غني عن القول بأن كاتب السطور نفسه من إثنية النوبة.
وبما أن الموضوع هنا عن النوبة فقد يبدو للوهلة الأولى ليس مهماً لمثقفي الإثنيات الأخرى بإعتبارهم غير معنيين بالإطلاع على موضوع قد يعتبره حتى البعض متخلفاً في الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد هذه الإيام ، إلا أنه من الأهمية بمكان أن يطلع المثقف السوداني على طرائق تفكير جديدة موجودة على الأرض وستأخذه على حين غرة عند محاولته وضع الحلول كنتاج لنفس الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد والتي تجعل من هذا الحديث حديثاً متخلفاً ، فرغماً عن أنف الجميع فإن التكوين الإثني هو التكوين المسيطر على الأرض الآن ، وهو الذي سيملي الحل في الأمد المنظور على الأقل. كما يمكن أن نقول أن هذه دعوة لمثقفي الوسط والذين تصنف إثنيتهم بأنها تقليدياً المسيطرة على المركز لبذل مزيد من الجهد لتفكيك المركز مع نظرائهم من الإثنيات الأخرى أو على الأقل إحتواؤه في المدى المنظور بإتباع طرائق جديدة مغايرة لما يحدث منذ الإستقلال والتي لم تفضي لشيء بغض النظر عن التضحيات التي بذلت من جانبهم والتي هي محل تقدير من الجميع ، على الأقل عن طريق فك إرتباطهم هم أنفسهم وسموهم فوق هذا المركز نفسه مع إحتفاظهم بأدوات تأثيرهم عليه.
إن المثقف السوداني يجب عليه الآن أن يتعامل مع حقيقتان يجب عليه أن لا يتمنى غيرهما وإلا كان مهملاً في التعامل مع الواقع ، هاتان الحقيقتان بالترتيب هما:-
1- أن السودان غالباً سيتفكك وليس بالضرورة تفككاً نظامياً معترفاً به.
2- أن السودان سوف لن يحكم مركزياً مرة أخرى مع سلطات واسعة خارج المركز ستجعله مركزاً تنسيقياً فقط (هذا إذا تم تلافي الحقيقة الأولى).
وعليه إن عدم التعامل بجدية مع هاتين الحقيقتين ستؤدي لموت مريض السكر بعد بتر أطرافه كلها.
ولهذا دعونا نتناول أحد هذه الأطراف بالحديث الطويل نوعاً ما والذي سنحاول أن نختصر فقراته قدر الإمكان.
إن النوبة هم إحدى مكونات الهامش الأصيلة وفي الترتيب التهميشي بالنسبة للعقل الجمعي السوداني فهم في المرتبة الثانية بعد الجنوبيين مما يعني أنهم الآن في المرتبة الأولى بالتزكية! ورغم أننا نخصص الحديث هنا عن النوبة إلا أن جولة عامة سريعة مع عدد من زملائهم التقليديين معهم في الهامش سوف لن تضر وسوف نبدأها مع أصحاب المركز الأول سابقاً وهم الجنوبيين ثم الزغاوة ثم البقارة كعينات فقط من الهامش.
قد يكون الجنوبيين هم أكثر من لحقهم الخراب المادي من المركز بلا نزاع لكن المركز عبر العصور لم ينجح بأي صورة من الصور من إختراق أو تخريب الوجدان الثقافي (السوفت وير) للجنوبي حتى بعد أن يصبح مسلماً ويتسمى بإسم عربي! إن الجنوبي وهو من العناصر القليلة في العالم إلى وقت قريب والذي تُرك على فطرة ما قبل الثورة الصناعية بل وحتى الزراعية (وقد يكون هذا من حسن حظه إذا أستطاع إلتقاط الثقافة الغربية مباشرة كالكثير من نظرائه الأفارقة دون المرور بمحطة الثقافة الإسلاموعروبية) ظل هذا الجنوبي مندهشاً من ثقافة المركز كثقافة غريبة عنه تحاول إدماجه داخلها حتى آخر لحظات مغادرته قطار سودان الخرطوم. وربما أكثر تجليات دهشة الجنوبي من ثقافة المركز في الثقافة الشعبية السودانية كانت في النكات شديدة الطرافة التي كانت تنسج عن الجنوبيين في فترة الوحدة وأيام تواجدهم بكثافة في الشمال. أما الزغاوي فهو أكثر نديد حضاري للمركز حالياً من عناصر الهامش من الناحية الإجتماعية (لا نتحدث عن القبول الإجتماعي هنا) فإرثه الإسلامي مثلاً هو إرث أصيل خاص به كأحد مكونات وسط وغرب أفريقيا دون ضغوط من المركز ، أي أن ثقافة الزغاوي ثقافة مستقلة بعيدة عن المركز والبعد الإسلامي والعروبي فيها ليس إختراق أو إستلاب ثقافي من المركز بل إن ’’زرقة‘‘ دارفور عموماً هم الأسبق حضارياً من المركز إذا قمنا بتصفير العداد فيما بعد إنهيار الممالك المسيحية في الشمال أمام ’’البدو‘‘ ، وفي ما بعد حتى هولاء البدو أنفسهم هناك مقولات يعتد بها بأن إسلامهم قد حَسُن على يد أهل دارفور وممالكها القوية. ما نريد أن نخلص إليه هنا أن البعد الإسلامي والعروبي ’’لزرقة‘‘ دارفور هو عن أصالة وليس بتأثير عن المركز ، فدارفور نظير للمركز ثقافياً. أما البقارة (في الثقافة الشعبية يعتبر بقارة وأبالة الغرب شيء واحد) فهذه قصة أخرى ، فبرغم أن أهل الوسط ينظرون للبقارة كفئة أقل منهم من ناحية العروبة وحتى الإسلام إلا أن أهل الوسط لا يسعهم التمادي في إتهام البقارة بأنهم ليسوا عرباً حيث بمعايير العروبة السودانية فإن أهل الوسط أحياناً قد يحصدون نقاطاً أقل! إلا أن النقطة التي يلعب عليها أهل الوسط لكي لايخسروا في هذا الميدان فهو أنهم قرشيون عدنانيون وعباسيون هاشميون ، أما البقارة فهم مجرد قبائل عربية من جهينة وجهينة عندما تحالفت مع الخراسانيين والموالي تحت الراية السوداء مسحت بني أمية من على وجه الأرض!! إن أسوأ مخاوف المركز وكوابيسه هو فقدان السيطرة على البقارة.
فالنربت الآن على ظهر توتو كوكو على سبيل التشجيع وندفعه أمامنا برفق لنأخذه في سياحة غير محببة في خصيصات نفسه.
رغم أن هناك منظور أحياناً ينظر للنوباوي والجنوبي في سلة واحدة إلا أن البون بينهما شاسع فكما ذكرنا من قبل فإن الجنوبي هو أكثر من خسر مادياً ولكن في المقابل فإن النوباوي هو أكثر من خسر وجدانياً وثقافياً ، إن النوبة عدا جيوب قليلة هم أكثر من تعرض للإستلاب الثقافي بالمقارنة بمعظم مكونات الهامش الأخرى. إن الضغوط الهائلة من المركز جعلت النوبة يعتنقون الثقافة الإسلاموعروبية على مضض كأمر واقع دونه الكثير من الأضرار ثم رويداً رويداً تغلغلت هذه الثقافة في الوجدان النوباوي لتؤدي دورها المطلوب منها من قبل المركز وهي التبعية المتغلغلة عميقاً في اللاوعي. إن الجنوبي مثلاً في اللوحة السودانية كان أقرب إلى شخص تم إحتلال وطنه وتشريده إلى الشمال فأصبح في وضع مؤقت دون أن يتماهى مع ثقافة المحتل. إن النوباوي خاصة في المدن والحضر قد ذاب تماماً في ثقافة المركز ووضعيته في المجتمع أقرب إلى وضعية الزنجي الأمريكي وهو يؤدي تماماً دور الزنجي في المجتمع الأمريكي ، فعلى سبيل المثال البروز في المجال الرياضي والموسيقي ، وفي المجال الموسيقي فإن المجتمع السوداني قد تطرف أكثر من المجتمع الأمريكي حيث أن أهل الوسط يتقبلون النوبة كعازفين مهرة ولكن بأي حال لايتقبلونهم كفنانين أو مذيعين في التلفاز وأي محاولة كهذه تحاط بسخرية وتندر غير طبيعي ، ومن ناحية أخرى هم من أكثر العناصر التي تقوم بتكوين (قيتوهات) في أوساط المجتمعات الأخرى عبر المدن ، ورغم هذا فإن النوباوي هو الأكثر إحتكاكاً بلا منازع بالسيد في المركز وهو الأكثر إلتصاقاً وخدمةً للسادة في المركز خصوصاً بعد وأثناء محاولات إنشاء الدولة الحديثة في السودان إبان فترات حكم الأتراك والإنجليز ، ورغم أننا لانستطيع أن ندعي أن إثنية النوبة هي أكثر إثنية تم إتخاذ العبيد منها من دون إثنيات الهامش السوداء الأخرى بما فيها الجنوبيين حيث تتعذر الحقائق الإحصائية هنا إلا أنها أكثر إثنية إرتكز عليها المركز منذ بدايات غزو المستعمريين الأتراك والإنجليز - وحتى المهدية - إلى يومنا هذا سواء عن طريق الإستعباد المباشر في الماضي أو الطوعي في الحاضر ، إن النوبة كانوا ولازالوا هم الجنود الرسميين والنظاميين الإشداء الذين إعتمد عليهم المستعمر في الغزو وتثبيت الحكم ثم من بعدهم حكام المركز بنفس الكيفية دون أي إختلافات جوهرية ، حيث ظل ترتيب النوبة في هذا السياق هو نفسه في الحقب الحديثة حيث دائماً ما كانوا هم المكون الرئيسي ولب التشكيلات المقاتلة والأمنية النظامية الرسمية للدولة ثم تبنى من حولهم تحالفات المليشيات الأخرى القبلية أو العقائدية أو المرتزقة كتشكيلات مؤقتة إبان فترات الغزو أو قمع التمرد عند إشتداده وتهديده للمركز ، وهذا ساري إلى يومنا هذا ، وهذا ما جعل العسكرية الحديثة (عكس الفروسية التقليدية مثلاً لدي القبائل الأخرى) مكون ثقافي كارثي (لكن ذو فوائد أيضاً!) أصيل لدي النوبة. إلى وقت قريب لم تكن لتستطيع أن تتخيل عندما يتم ذكر وحدات القوات المسلحة وحتى الشرطة سوى النوبة يرتدون الزي النظامي أما إذا تم ذكر المظلات والقوات الخاصة والصاعقة فمن غير المرجح أن تتخيل عرقية أخرى سوى النوبة ، وحتى الآن لانستطيع أن ننسى القصص شبه الأسطورية عن أداء ’’الجنود‘‘ النوبة في حرب الجنوب وعن الضباط النوبة والذين يتم تجنديهم خصيصاً رغم قلتهم ليبقوا لفترات غير معقولة في مناطق العمليات رغم أدائهم المتميز طوال فترة الحرب والذي يحكى عنه ما يشبه الأساطير أيضاً. وللمعلومة فإن النوبة كانوا إلى حد كبير المكون الرئيس لسلك الضباط في ما قبل ثورة 1924م وتم التآمر عليهم مع المستعمر بعد الثورة ليصبحوا منذ ذلك الوقت في الوضعية المعروفة الآن (الضباط ’’عرب‘‘ والعساكر نوبة!). إلا أن خدمات النوبة للمركز لم تقتصر على العسكرية وحفظ الأمن فقط فمن المعروف أن النوبة كانوا ولازالوا يقومون بمجموعة واسعة من الخدمات المدنية للمركز المنتشر في السودان وكلها تصنف ضمن الخدمات والأعمال التي لايمكن أو لايصح أن يقوم بها ’’ود عرب‘‘ وسيصبح إكليشيه مبتذل أن نجتر مهنة لم جرادل الخراء من الأدبخانات في الماضي إلى جمع القمامة والزبالة في الحاضر. إن النوباوي كان دائماً دون مكونات الهامش الأخرى الأكثر قياماً سواء في المجال العسكري أو المدني بأعمال سيده القذرة The dirty work
هذا الإحتكاك والعشرة الطويلة كسيد وخادم في إطار المركز المعنوي وليس المكاني فقط (فالمركز ليس مكاناً) هي ما جعلت النوباوي هو الخادم المفضل لدي سيده ، والنوبة - قسم كبير منهم وليس كلهم - يمكن تشبيههم ، قياساً على تصنيف مالكولم إكس للعبيد في أمريكا بصنف خدم المنزل وصنف عبيد الحقل ، يمكن تشبيههم هنا بخدم المنزل حيث وصف مالكلولم خدم المنزل بأنهم الأكثر إلتصاقاً وخدمة وتعاطفاً مع سيدهم بينما عبد الحقل لايشعر بأي رابط مع سيده ويتحين الفرص للهرب ويعتقد أن أي مكان حتى لو كان الجحيم أفضل من التواجد مع سيده وخدمته. ولهذا فإنك تجد أن النوبة هم الأكثر تماهياً وتقبلاً لثقافة المركز لإحتكاكهم الطويل معه فإذا إعتبرنا المركز مكاناً - لخدمة هذه النقطة فقط - فلن يصدق البعض أن النوبة هم من أقدم مكونات الخرطوم والمدن السودانية في الشمال عموما ، ذلك لأن الحكم الحديث في السودان لايستوي بدون النوبة!.
ربما يكون هذا سبب أن النوباوي عموماً من أكثر شخصيات الهامش إصابة بعقدة النقص ومحاولة إثبات الذات أمام سيده وأمام نفسه ونظرائه ولهذا فإنك تجد أن النوبة الملتحقين بالحكومة أو التنظيمات الشمالية المختلفة عموما هم الأكثر تعصباً وتمسكاً وتعسفاً خصوصاً مع بني جلدتهم ، كما تجد في أحيان كثيرة مثلاً أن النوباوي المتفوق في الدراسة يسعى بشغف للإلتحاق بالكلية الحربية أو كلية الشرطة أو الكليات العسكرية عموماً في ظاهرة فريدة عكس نظرائه المتفوقين من الإثنيات الأخرى. ولهذا فإن النوباوي دوناً عن مكونات الهامش الأخرى يتخذ كما ذكرنا وضعية الزنجي الأمريكي عن جدارة فكما قلنا فإن الجنوبي أصلاً كان غريباً ولم يتقبل محاولات إدماجه بشروط المركز ، ودارفور كما قلنا فإن ثقافتها نسبياً تشبه المركز ولكنها مستقلة بذاتها وحتى الشرق فهو أقرب لمنظومة القرن الأفريقي (إرتريا ، إثيوبيا .. إلخ.) ثقافياً من المركز والشرق بالمناسبة لم يندمج كثيراً. قد تكون مشكلة النوبة في موقعهم الجغرفي (وسط السودان تماماً - قبل الإنفصال طبعاً) أو أنهم هم حسب الكثير من المقولات العنصر المهزوم في الشمال والوسط إبان نهاية الممالك النوبية وفراره إلى هذه النقطة (الجبال) والتي تم ملاحقتهم فيها بلا هوادة لإكمال المهمة The unfinished business وطمس آخر معالم سودان الممالك النوبية القديم والذي أصلاً لم يحمل نوبة الجبال منه أي شيء سوى بعض التشابه في اللغة!
إن كل ماتم ذكره وغيره من ما لايسع المجال له هنا قد قاد لأن يصبح النوبة شريحة إجتماعية معتلة ومختله بجميع طبقاتها ، وتشكيلهم الطبقي نفسه مختل فهو يشابه هرم قمته أو رأس مثلثه قريب جداً من قاعدته بزاوية شديدة الإنفراج ، حيث أنهم يشكلون قاعدة عريضة جداً من البوليتاريا والمعدمين مع قلة ، غير معقولة في الطبيعة دون تدخل الإنسان ، من الطبقة الوسطى والبرجوازية إن وجدت ، إن قلة وفقر الطبقة الوسطى المرتجفة والبرجوازية النوباوية بالمقارنة مع نظرائهم في السودان ومحاكاة معظمهم وتمسكهم الشديد بقيم المركز خوفاً من فقدان القليل الذي وجدوه بتبعيتهم المذلة للمركز هذه هو أمر يعرفه كل شخص ينتمى لإثنية النوبة ، وهو المقتل الذي سوف يؤتى منه النوبة كلما حاولوا الخلاص.
إلا أن هذا لا يمنعنا من القول بأن أهمية الطبقة الوسطى للنوبة هي كأهمية الطبقة الوسطى لأي مجتمع ، حيث أن الطبقة الوسطى هي عملياً من يسيطر على البيروقراطية والمنظمات التي تَنتُج عن المؤسسات الإجتماعية لأي مجتمع طبيعي منذ التاريخ الحديث للبشرية ، لذلك فهي في موقع مناسب تماماً للتآمر الإجتماعي لخلق قيم تخدم مصالحها ومصالح البرجوازية ، ولهذا فلا مناص من خلق برجوازية والأهم طبقة وسطى نوباوية منفصلة ومستقلة قيمياً وثقافياً عن المركز وتكون ترياقاً للبرجوازية والطبقة الوسطى التي تخدم أهداف المركز والتي يسعى المركز لخلقها بإستمرار مع ربطها بمصالحه لتبتلع كل محاولة للتحرك عكس توجهاته. ورغم عدم سعينا لتخوين ، بل وتشجيعنا لعدم تخوين هذه الفئات التي يخلقها المركز (رغم أن بعضهم خونة حقيقيون) حيث هي عبارة عن فئات تحاول أن تكسب سبل عيشها وتحاول أن تحافظ على أوضاعها الطبقية بطريقة غريزية إستغلها المركز وهم في أغلبهم أناس عاديون غير مثقفين وغير آيدلوجيين تحركهم غريزة البقاء ليس إلا. ورغم هذا يجب عدم التسامح معهم وحسم محاولاتهم لخدمة المركز بحزم ، وعدم الخوف من إمكانياتهم في إشعال الفتنة داخل مكونات النوبة بمساعدة من المركز ، عن طريق التخطيط والعمل الإستباقي الدؤوب والصبور نحو أهداف واضحة المعالم لا لبس فيها ، لأن اللبس وإضطراب الرؤية هو ما تلعب على تناقضاته هذه الفئة ومن ورائها المركز. إن المقاربة للتعامل الإستراتيجي مع هذه الفئة يجب أن لا يكون بالتخوين والعداء وتبادل السُبَاب معها وإنما عن طريق محاولة إختراقها هي نفسها ، والجدير بالملاحظة بأن العديد منهم ولاؤهم للمركز ليس أصيلاً ولهم معه غبائن حقيقية ولكن ليس لهم ملاذ للضعف التنظيمي للجهات المقابلة ، كما أنه يجب العمل الدؤوب لإختراق أجيالهم الجديدة من أبنائهم وبناتهم وحرف وعيهم عن المسار الذي يريده لهم المركز. ولكي لا يعتقد البعض بأننا نتحامل على الطبقة الوسطى للنوبة وأن هذا الحديث عنهم من باب ’’الحقد الطبقي‘‘ البوليتاري! فإن كاتب هذه السطور هو نفسه ترعرع في وسط هذه الطبقة ويعرف خصائصها جيداً!
ولهذا لايسعنا إلا أن نذكر مرة أخرى ولو بصياغة مغايرة للمعضلة بأن المرتفع الثقافي للنوباوي (برجوازية ، برجوازية صغيرة ، بوليتاريا) هو المركز نفسه في مقابل الجنوبي الذي كان مرتفعه الغرب وأفريقيا جنوب الصحراء أو حتى الزغاوي الذي له مرتفعات أخرى (أو بالأحرى أعماق ثقافية أخرى) كوسط وغرب أفريقيا والتي هي نفسها تشكل لها فرنسا مرتفعاً ثقافياً. ولهذا فإن النوباوي هو الأكثر إرتباطاً بالمركز بالمقارنة مع مكونات الهامش الأخرى (وهذا هو لب وأخطر ما في الموضوع) ولهذا فنحن نرى دائماً إرتفاع حاجبا الدهشة والإستنكار عند ذكر رغبة النوبة في الإنفصال ولم نرى ذلك عندما طالب به الإخوة الجنوبيين ولن نراه إذا ما تم التمعن في إحتمالية مطالبة دارفور أو شرق السودان به.
الحل والذي قد يكون مثيراً للجدل بشدة حتى في أوساط النوبة أنفسهم وقد يكون سبب خلاف كبير بسبب المرتفع الثقافي للنوباوي المذكور في الفقرة السابقة ، هو فك الإرتباط تماماً مع هذا المرتفع - إلى هنا قد لايكون هناك خلاف!.
فك الإرتباط ’’يجب‘‘ أن يكون بتقوية مكونات النوبة الأقل تأثراً بالثقافة العربية الإسلامية (هذه المكونات هي أقرب للأخوة الجنوبيين منه للأخوة الشماليين والنوبة التقليديين!). التقوية هنا لانقصد بها السلاح والعسكرة والكفائة القتالية ، فهذا قد حدث وإنتهى (تقريباً أمر مفروغ منه) ، نقصد هنا التعليم التقليدي والتوعية والتثقيف حسب مناهج علمانية غربية صارمة ، فهذه المكونات هي الأقرب لإعتناق القيم العلمانية الغربية دون تعقيدات أو عوائق آيدلوجية أو عقائدية شأنها شأن رصيفاتها في أفريقيا جنوب الصحراء ، وحتى لايقفز من يقول لي هل أفريقيا جنوب الصحراء مثال يحتذى؟ فسأنحرف عن الموضوع قليلاً لأقول له أن لاتقرأ ولا تطلع! فأنت في المؤخرة تقريباً في كل المؤشرات متزيلاً جميع دول العالم - بما فيها أفريقيا جنوب الصحراء - كضيف مستديم منذ مدة طويلة جداً على قائمة آخر ثلاثة أو أربع دول في العالم وهذا لايتناقض ، والمختصون يعرفون ذلك ، مع ترتيبك المتقدم في حجم الإقتصاد بالنسبة للقارة قبل وبعد إنفصال الجنوب وهذا بالمناسبة مدعاة للفضيحة حيث أن ضخامة أقتصادك سببها ضخامة القطر والموارد الطبيعية الهائلة المتوفرة للريع الفوري كما في دول الخليج ، وأنت القطر الوحيد ربما المتوفرة له هذه الميزة في القارة حيث من توفرت له المساحة لم تتوفر له الموارد ومن توفرت له الموارد كانت في مساحة محدودة وهذه الميزة محدودة حتى عالمياً بإستثناء دول قليلة فقط ويستطيع المرء أن يزعم بكل سهولة أن هذا هو الأساس الذي إختار عليه د. جون قرنق إستراتيجية الوحدة ، فتأمل كم نحن سفهاء. وفي النهاية أنت في القارة ونموذجك التنموي سوف لن يخرج عن زملائك فيها ولهذا فلقد فشلت كل محاولات التنمية التي تحاكي التوجهات الشرق أوسطية (فأنت أفريقي).
وبالعودة لموضوعنا الأصلي فإن فك الإرتباط بالنسبة للنوبة يجب أن يتم بمساعدة أو حتى (تواطوء) الطليعة الواعية المتحررة ’’المتجاوزة‘‘ المنحدرة من المكونات النوباوية الأقرب للمركز بهدف تكوين مركز مستقل منيع يتعامل مع المركز السوداني الأصلي بدون أن يكون منجراً إليه بالسلاسل والأغلال الثقافية المعروفة والتي بلا شك ستفضي - بل أن وظيفتها أن تفضي وتكرس - لنفس الوضعية القديمة التي من أجلها تم حمل السلاح والإكتواء بالنيران العكسية عالية التكلفة للمقاومة. إن الوصول لهذا الهدف بوسائل صحيحة (فالوسائل أخطر من الأهداف) وتكوين مركز نوباوي جديد ذو ثقافة مغايرة واعي لمهمته تجاه باقي مكونات النوبة المغلولة للمركز قد يساهم بفاعلية (مرة أخرى إذا كانت الوسائل والتكتيكات والإستراتيجيات صحيحة) لجر هذه المكونات بعيداً عن المركز ، وفي النهاية هذا سيكون مساهمة في تفكيك الهامش للمركز كل حسب وضعيته وسياقه التاريخي ، والموضوع برمته يجب أن لايكون له علاقة بإذا ما كانت جبال النوبة تسعى للإنفصال أم لا ، أو بعبارة أخرى إستراتيجية كهذه يجب أن تعني الإنفصاليين والوحدويين المؤمنين بالتغيير الراديكالي الشامل. إن الوضعية المطلوب أن تفضي إليها هذه الإستراتيجية في كلا حالتي الوحدة أو الإنفصال (لايخفى أن دولة جبال النوبة المستقلة سيكون فيها إسلاموعروبيين من النوبة والعرب أيضاً) هي وضعية يجب أن تكون أقرب لوضعية نيجريا أو تنزانيا مثلاً - على الأقل - حيث يكون هناك مركزين وثقافتين متناقضتين مع توازن في القوى وندية بينهما تجبرهما على صيغة للتعايش تعتبر ممتازة بالنسبة للدول المذكورة بالمقارنة مع السودان رغم عدم مثاليتها. وقد يفضل البعض طبعاً ، وهذا ليس سراً ، في حالة الإنجبار على وضعية كهذه (وأنا تبع هذا البعض) أن تكون هناك غلبة للمكون الأفريقي ذو التوجهات الغربية - ليس بالضرورة أن يكون أفريقياً عرقاً رغم أننا كلنا أفارقة في النهاية ولكن إقتناعاً - بدعاوى أن الثقافة الإسلاموعروبية تحب أن تلعب بزيلها كثيراً ، فبالضرورة إذا كان لها غلبة ولو واحد بالمائة فسيصبح زيلها هذا زيل تمساح مياه مالحة يبطش بالجميع بما فيهم مكوناتها نفسها ، ولهذا فمن الأفضل أن يكون زيلها هذا زيل شيواوا صغير.
ورغم أن المركز الذي ندعو النوبة لبنائه حسب الطرح السابق هو علماني بالضرورة إلا أن هذا لا يجب أن يتناقض مع تشجيع المسيحية التي تمت محاربتها بشراسة من قبل المركز لحصر المكونات (الآفرومسيحية) تمهيداً لإستئصالها نهائياً كجيب خطير داخل قومية يعتبرها المركز ’’مكون تابع‘‘ أصيل من مكوناته يؤدي وظائف هامة داخل خارطته ويعتبره مكون لا غنى عنه ، فقد لا يصدق البعض أن المكون النوباوي قد يكون أهم بكثير للمركز من المكون الدارفوري ، أما المكون الجنوبي فلم يكن في يوم من الأيام بالنسبة للمركز أحد مكوناته. إن موضوع الدين رغم حساسيته ورغم أن من البديهيات أن العلمانية من حيث المبدأ يجب أن تكون محايدة تجاه الأديان أو حتى تعمل على كسر حدتها وتشذيب الممارسات غير السوية لتجعلها متماشية مع التطور البشري ، إلا أن المطلع على المشهد الديني الحالي سيرى بوضوح أن المسيحية نفسها أصبحت رفيقاً جيداً للعلمانية وقد تطورت كثيراً وهي الأكثر ديناميكية وعندما تستعصي الأمور فإن الكنيسة هي الأكثر تسامحاً مع القيم العلمانية والأكثر تمريراً لها والأكثر قدرة على التماشي مع الحضارة ، ولهذا فإذا كان هناك تسابق نحو النوباوي الذي يعتنق المعتقدات الأفريقية التقليدية في غرفة تسجيلات الأديان الأبراهيمية ، فإن الهلال يجب أن لايظفر بهذا النوباوي بأي ثمن!
هذا لا يعني محاربة الإسلام ولكن يعني إزالة العوائق التي تم وضعها أمام المسيحية لمنعها من التمدد ، وفي إعتقادي أن مجرد تهيئة المسرح بطريقة متساوية للجميع (حسب ما تقره العلمانية) قد يكفي لترجيح كفة المسيحية حيث هناك إحصائيات مؤكدة أن هذا توجه عام في القارة الأفريقية توغل حتى في دول شمال أفريقيا ، ومرد ذلك أن المسيحية قد طورت كثيراً مفاهيمها الدينية وأدواتها التبشيرية ، في مقابل الركود والتخلف في الأدوات الإسلامية والذي يجعل التبشير الإسلامي لايستطيع أن يصمد في ملعب تمت تهيئته بعدالة للجميع وهذا لم يعد خافياً على أحد.
أما بالنسبة للإسلام فيجب تقوية المكون الصوفي والذي يعتبر مكون أصيل في جبال النوبة ومساعدته حتى صراحة ليبتلع أي محاولات جادة لترسيخ أشكال الإسلام المدرسي والإخواني والسلفي الوهابي ، وهذه أشكال الإسلام المعنية بالمناسبة في الفقرتين السابقتين لمن جرحت تيك الفقرتين مشاعرهم الدينية دون قصد (فكاتب هذه السطور نفسه مسلم أباً عن جد عن أم) ، وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية في مقاومة الضغوط الهائلة للبترودولار والذي هو الأب الشرعي لهذه الأشكال من الإسلام ، ومن المعروف لمن لهم علاقة بالدراسات الإسلامية (كدراسة تاريخية موضوعية وليس كلاهوت) أنه حتى النسخة الأخيرة من القرآن - وما تبعها من فقه وحديث وغيره - قد تم طباعتها وفرضها عن طريق البترودولار ، بل حتى أن هذا قد تم مؤخراً جداً في التاريخ الإسلامي إبان فترة حكم الملك فهد حيث كانت هناك نسخ متعددة المحتوى والمضمون قبل ذلك.
هذا وفي الختام لابد أن يتبع هذا المقال مقال آخر سيكون بإسم (تفكيك المركز من منطلقات عنصرية) يلقى ضوء كاف عن لماذا أصبحت هناك دعاوى لتفكيك المركز من منطلقات تبدو غارقة في العنصرية - لايجب إنكار أن هناك منطلقات عنصرية فعلاً - كما أن الكثيرون ينسون أنه لماذا يجب تفكيك المركز أصلاً؟! وما لايقل أهمية هو توضيح أن المقاربة التي تتخذها المنطلقات المقصودة رغم أنها تبدو واحدة ، إلا أنها تنطلق من خلفيات فكرية وآيدلوجية مختلفة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////