الحضارة السودانية عظيمة عبر التاريخ فى سنجة، والممالك الكوشية، كوش، كرمة، نبتة ومروي. والممالك النوبية مملكة المقرة، مملكة علوة. والممالك الإسلامية السلطنة الزرقاء، سلطنة دارفور، مملكة المسبعات والحكم العثماني والثورة المهدية وحكم الخليفة ومعارك كرري، شيكان وفتح أمدرمان، وثورة ود حبوبة وحركة اللواء الأبيض عبد الفضيل الماظ ومؤتمر الخريجين...الخ

كل هذا الإرث التاريخي الفريد بين الأمم والشعوب وغيره من التنوع الثقافي والعادات والتقاليد ظل حبيس الكتب وفى ذاكرة الباحثين دون إنتاج تلفزيوني يتناسب وحجم هذا الكنز الثمين من حضارتنا وبطولاتها وأمجادها الخالدة، تخيل معي القاريء الكريم إذا كان كل منها مسلسل تاريخي أو ديني من 30 حلقة ؟ لا شك إن اللوم لا يقع على عاتق الدراما السودانية التى عانت من التهميش على مر الحقب السياسية، سواء على مستوى التدريب والتأهيل أو تمويل الإنتاج للأعمال الفنية.

ومع ذلك ينظر إليها أى الدراما السودانية فى بعض أوساط المجتمع بالمبالغة فى تجسيد الشخصية والتكلف الغير مرغوب فيه والنمطية في التناول، ويهربون للدرما العربية فى الماضي والتركية والهندية الآن، مع الفارق بين القييم ومحتوي ومضمون العمل، لا ينكر أحد حقيقة ان الدراما السودانية مع شح الإمكانيات وقلة الإنتاج والرقابة المفروضة عليها قدمت العديد من الأعمال المميزة على المسرح والمسلسلات التلفزيونية والأفلام.

أوصلت العديد من الرسائل، وناقشت كثير من مشكلات المجتمع وهموم الأسرة السودانية فى قضايا مهمة وحساسة، بأسلوب بسيط فيه المثل والأخلاق، وبما أن الدولة بعيدة عن دعم هذا القطاع، فإن شركات الإنتاج الخاصة تتجه فقط لإنتاج الأعمال التى تحقق لها أكبر عائد، وهذا من حقها فلا يمكن أحد أن يلغى باللوم على شركة إنتاج خاصة بعدم تمويل مسلسل عن مملكة كوش أو الأمام المهدي بطوله أميتاب باتشان !

الشركات الخاصة اليوم تنتج الأعمال وفق لآليات السوق والدعاية والإعلانات التى تحقق لها الربح، ولا يهمها مثل هذه الأعمال الهادفة والمفيدة لتاريخ شعب وحضارة أمة، والناس الآن فى عصر تستقي معلوماتهم من شاشة تلفزيونية او هواتف ذكية، ولا يوجد وقت لقراءة الحضارات من الكتب أو الإستماع إليها من متخصص فى برنامج تلفزيوني جامد ؟ وأصبحت الدراما هى أسرع وسيلة لتوصيل هذا الأرث للأجيال لأنها مسلية وجاذبة تدخل إلى القلب والوجدان حسب براعة التمثيل فيها.

وأعتقد ان القدرات الفكرية السودانية فى صياغة وكتابة هذا التاريخ موجودة ، وتكمن المعضلة فى التمويل ! ومع الأزمة التى تواجهها الدولة الآن يصبح هذا حلم بعيد المنال ! ولكن نأمل من القنوات السودانية وخاصة سودانية 24 بأن توظف إمكانياتها لأنتاج مسلسل واحد على الأقل عن مملكة كوش او فليم عن معركة شيكان مثلا، وإذا تعذر ذلك يمكن توحيد جهود تلك القنوات نحو عمل واحد مشترك وتكثف من علاقاتها الخارجية حتى إن كان المسلسل من طاقم هندي أو تركي بما لهم سبق في هذا المجال مثل فليم عمر المختار الإيطالي والليبي الأصل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.