فَضْحُ البُهْتَانِ (3-3)
تَــزْوِيْرٌ وكَرَاهِيِّةٌ.. فانتَبِهُوا!
في الحلقتين الماضيتين من هذا التصحيح فضحنا افتراءات الوقيع الذي أدمن تقويلي ما لم أقل، وبيّنا ملامح عدوانيته الفائرة، مستشهدين بمن تتبع اشتغاله السرمدي بالمناطحة وتوزيع السباب يمنة ويسرة، كان آخرها خماسيته التي صبّ فيها مفردات قاموسه النشاز تحت عنوان (ذات سوار تنافح عن الملحدين) فأوسع فيها من نافح عنهم بيان "المبادرة السودانية لمواجهة التطرف" (وهم السادة بابكر فيصل ومحمد وداعة والسر السيد والمحبوب عبد السلام ومحمد المجذوب)، وأوسعني بالذات، سباً وكذباً. نُشرت الخماسية بصحيفة "الصيحة" في الأعداد رقم 1485، 1486، 1487، 1488، و1489 بتاريخ الأحد 25 وحتى الخميس 29 نوفمبر 2018م. وأواصل اليوم خطابي للصحيفة العامرة وقرائها لتنبيههم لمطاعن هذه الكتابة المشحونة بالكراهية الموبوءة بالأكاذيب، مما يخفف أثرها، إن وُجد، ويتركها كفحيح كوبرا منزوعة السم.

أقول مواصلة:

ثامناً: أوجه لوماً للصحيفة الغراء، ألا تكون لها سياسة تحريرية تمنع التزوير، فمقالته الخمسية مبنية على تزوير لأن البيان ليس مذيلاً باسمي كما قال، وقد توقعت وقف هرائه بلا جدوى، وكنتُ أفهم لو بدأ بما انتهى إليه بالقول إن البيان مذيل باسم مبادرة ولكنه يراها، لجهله، وهمية، لكنه بدأ بالتزوير الذي يعاقب عليه جنائياً ولم يعتذر. ومعلوم أن شهادة الزور تختلف عن إبداء الرأي. كذلك حبذا لو حثت الصحف الكتاب على تحاشي العنف اللفظي على هذا النحو، فالوقيع يقلل من كتابٍ هم قادة رأي قبل أن يكونوا زملاء، ويحقرهم تصغيراً وسباً، فيسفه هذا، ويزندق ذاك، ويضلل هذه، ويقول بإلحاد ذاك، ويتفه هذا ويؤذي ذاك، وكل الأسماء المقترنة بأقذع الألفاظ في كتاباته هم أساتذة أفاضل أناروا وينيرون وسعهم وإن اختلفوا معه في المذهب، أو في الحكم على مجريات السياسة، فلم لا تنصحونه في هيئة التحرير وتراجعونه وتوضحون له كم هذا العدوان مقيت منفّر، وما هكذا تكون الكتابة الصحفية ولا إدارة النقاش الفكري.

ومن عنفه الدارج استعارته المحبوبة "ذات سوار" والتي وصفني بها من قبل، وكذا الدكتورة نوال السعداوي، فمن حق كل كاتب أن يختلف مع من يريد بغض النظر عن نوعه، وشخصياً أختلف مع السعداوي في كثير مما ذهبت إليه ولكني أجلُّ كونها امرأة كرمها خالقها. فليس من المروءة ولا تمام الإنسانية اتخاذ النوع أساساً للتحقير، خاصة ونحن الآن في أيام وسمت عالمياً بحملة الـ16 يوماً لمكافحة العنف ضد المرأة، والعنف اللفظي ضمنه. ولو استعرنا لفظه التحقيري لقلنا: المسلمون مدينون بتبليغ قسم مهم من سنة نبيهم، صلى الله عليه وسلم، لذات سوار، والإسلام أول مؤمنة به ذات سوار، وأول شهيدة فيه ذات سوار: السيدات عائشة، وخديجة، وسمية، رضي الله عنهن وأرضاهن واقتص لهن ولنوعهن من كل معتد أثيم. وكل الرجاء أن تتخذ صحفنا سياسة تحريرية تنوّر الغافلين من كتابها بخطل العنف اللفظي مجملاً والعنف ضد النساء، فالكتاب قادة رأي، وحبرهم مثلما قد يشع وعياً ونوراً قد يسكب في عقول الناس تبلداً وظلاماً. فلا بد من سياسة مقصودة ترفع وعيهم بالقضايا الغائية خاصة تلك المتعلقة بمفاهيم المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، وتنمي في ذائقات المتبلدة مشاعرهم المشاعر الإنسانية النبيلة التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم برغم تراث التحقير ومشاهد الوأد الجاهلية التي تملكت النفوس حينها يقول: النساء شقائق الرجال. فكيف يكون النساء موضوع استهزاء واستحقار الآن، حينما صار المعروف عالمياً هو إكرامهن والمنكر هو التقليل منهن وتنميط أدوارهن؟ قارن أيها القارئ الكريم والقارئة الفاضلة بين تجربتين اشتركتا في الإسلام والدراسة في الغرب: البروفيسور علي مزروعي رحمه الله والوقيع. فبينما استطاع الأول استلال لمحة تكريم النساء الإسلامية من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، المتقدمة حتى بالمقاييس العالمية اليوم، أراد الأخير أن يجرجر الإسلام الذي يعلن نصرته لمستنقع الاستخفاف بالنساء "بياناً بالعمل"، فلا يحاور امرأة إلا وصمها بـ"ذات سوار". وصف مزروعي كيف أن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، والذي شرح الله صدره وبرأه على خلق عظيم فكان الصادق الأمين منذ نعومة أظفاره، كان يحترم النساء ويساويهن إنسانياً بالرجال قبل الرسالة التي ساوتهن إيمانياً كذلك. وكيف أنه عمل موظفاً مع السيدة خديجة رضي الله عنها مرؤوساً لديها، وخطبته لنفسها فارتضى، وهذه ملامح متقدمة حتى بمقاييس اليوم. ونقول إن خديجة رضي الله عنها كذلك زملته ودثرته وهدأت روعه مبتدأ الرسالة، وقد وحّد بها طيلة حياتها فكانت زوجه الوحيدة على مدى ربع قرن، أي كل شبابه ونحو نصف كهولته صلى الله عليه وسلم، وظل أبداً مخلصاً لها، وحينما اضطربت الرؤى يوم الحديبية استمع لكلام السيدة أم سلمة رضي الله عنها، حاشاه لله لم يقل لو غير ذات سوار نصحتني، مثلما قال ذو الرأي الرقيع: لو غير ذات سوار انتقدتني!

أية غلظة طبع، وكثافة روح، وخفة عقل، وقشرية دين، وقلة إنسانية يملكها لافظو النساء لنوعهن، ولاعنو الآخر لاختلاف مذهبه؟ إن لفظ الآخر أو التقليل منه على أي أساس نوعي أو مذهبي أو عقدي أمر ينبغي أن يحاصر بالتنبيه ورفع الوعي والارتقاء بالذائقة، حتى لا نلوث عقل القراء بمثل هذه الكتابة المتخلفة، عديمة الذوق، متحجرة القلب، التي تجعل من الكراهية ولفظ الآخر دستوراً حاكماً. وكيف يجوز أن تتخذ البلاد دستوراً ينادي بحرية التنظيم، ومجلساً للأحزاب يتيح للحزب الشيوعي ولحزب البعث إقامة الدور، وتجنيد العضوية، في حين تتيح لكاتب يسوّد الصحف فيصف ماءً أهاج عكاره "الشيوعيون والبعثيون قاتلهم الله تعالى أنّى يؤفكون". فكيف يُسمح بمثل هذه التعبيرات الحدية اللافظة للآخر، إذا كنا نرغب في تعايش سلمي واحترام متبادل لحق الآخرين في البقاء برغم اختلاف الرؤى والمصالح والتنظيمات؟

تاسعاً: لقد فضلتُ ألا أقيم شكوى قانونية مع أن بهتان الوقيع وتزويره نما، بل إن بعض الأصدقاء استتفهوا الأمر ولم يجدوه يستحق انشغالاً البتة، ولكني رأيتُ أن من حق القراء ألا يلوث وعيهم بأكاذيبه، وأن أنبههم ليحذروا أخذ كلماته فإن أكثرها تزوير واختلاقٌ صريح، إنه لا يزال يكذب ويتحرى الكذب، والعياذ بالله. وأنا شبه أكيدة أنه سوف يعود من جديد ليعقب على تصحيحي هذا، يناسل الكذب ويلوي عنق الحقائق، ويفسّر الماء بالموت، والخضرة بالقحط، يخلط الأفهام على نحوٍ فظيع، مثلما وصفني بأني علمانية مغالية في علمانيتها، وطائفية متطرفة، مع أن جمعهما مستحيل كما ذكرنا، اللهم إلا لدى المزوّر. ولستُ أياً منهما. ولو كان الوقيع "يترحمن" قبل ولوغ مهمته التزويرية لأفلح في نحت مسميات متناغمة، لكنه يندلق خلف حبره بلا هدى ولا كتاب منير، ويرسم ما شاء من التصاوير المضحكة المربكة لذوي العقول، بلغة سمجة "لديحة"، أقرته في مكانه الحالي عالم سوء وفقيه سلطان بدون أن ينال الكرسي الذي يتمنى، فقومه أشحة على خيرٍ لمتزلف يعطون السائل على قدره. وفي المقابل أجلسته تلك الكتابات الممجوجة كرسي بغض الخلق الذين ألسنتهم أقلام الحق. فليكتب كما يشاء ولكنا لن نعود بغير كلمتنا هذه في كل مرة نرجو أن تُنشر وتكرر كل ما أضاف لإرجافه أراجيف.

عاشراً: إن كتابات الوقيع وإن كانت ذات شرر فإنّنا نرجح أنها بلا خطر لأنها ذاتية الهدم، تحمل بذرة فنائها بين طياتها، وكما ذكرتُ في 2007م "لقد أدركنا عبر هذا التبادل لماذا صمت عن الرد الأفندي، وأول الأسباب حسب اعتقادنا أن وقيع الله يرد على نفسه بنفسه لكأنه لا يعي ما يقول، والثاني أنه لا جدوى من محاورته ولا إضافة إذ يظل يلوك كلامه الممرور المتروك". وأحيل القراء والقارئات الذين يودون تتبع مقاصد كتابته رغم ذلك، إلى مقالين كاشفين للأستاذ عبد الحميد محمد أحمد، أعيد نشرهما في سودانيز أون لاين بعنوان "محمد وقيع الله.. اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي". فالكاتبان ينتميان لذات الحركة التي أوقعت بلادنا فيما هي فيه، وفي اختلافهما تبدو لنا تفاصيل محجوبة تشرح ما غمض.

وأتقدم في النهاية لكم وللصحيفة بشكري على إتاحة حقي في الرد والتصحيح، ولا أنسي التعبير عن أسفي على ما اضطررت له من لغة لا تناسب قلمي، ولا مزاجي، ولا فكرتي عن الكتابة باعتبارها ساحة التقاء وتلاقح أفكار مهما كان الاختلاف ومهما كانت حدته. ولكنها لغة لزمت لرد عدوان هذا المشتط الظلوم "وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلا، مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى".

ولكم ولقراء الصيحة وقارئاتها كل الأمنيات الطيبة.

وليبق ما بيننا
نشرت في صحيفة الصيحة اليوم 4 ديسمبر 2018م


نقلا عن صفحة الأستاذة رباح الصادق على الفيس بوك