عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لندن 29 نوفمبر 2018

توقفت عن الكتابة لفترة ليست بالقصيرة بعد نكبة أطفالنا في أغسطس الماضي فبالإضافة للحزن الذى أصابني رأيت إعطاء النفس فسحة من الوقت لإعادة التركيز وللتبصر في المالات التي "تنزلق" وليس " تنحدر" – فالانزلاق غير الانحدار – اليها بلاد السودان. وبعد التركيز فيما يدور ويجرى أمام الجميع، أصبح بمقدوري الزعم بأنني " أرى شجراً يسير" كما قالت طيبة الذكر زرقاء اليمامة، فكذّبها قومها فذاقوا وبال أمرهم.

حاولت تجميع ما هو متاح من وقائع تسبب فيها إسلاميو السودان تجرى تفاصيلها يوميا في واقع بائس ينحط كل يوم الى درك أسفل حتى أصبح الناس يعيشون في مخمصة لا قرار لها، يضرب الجوع بيوتا وجماعات لم تكن تتخيل في أسوء كوابيسها أن يبلغ حالها ما صارت إليه من عنت ومسغبة. أما عامة الناس فقد طحنوا وصاروا أمواتاً على قيد الحياة.

إن الأحوال العامة في بلاد السودان تفيد بدمار غير مسبوق ارتكبه الإسلامويون في جميع أوجه الحياة ومعاش الناس حتى تكاد الحياة أن تتوقف إن لم تكن قد توقفت بالفعل. لقد ثبت مرة بعد أخرى فشل نظام الإسلامويين الذي يقوده الجنرال البشير عن القيام بأبسط مسؤوليات الحكم تجاه المواطنين. الآن انهارت الدولة وانتهى النظام الى مجموعة من المليشيات وأجهزة القمع الأخرى التي تنحصر مهمتها في حماية البشير وحاشيته أما غير ذلك فلتذهب بلاد السودان وشعبها الى الجحيم! ربما لا تدري هذه العصبة من الإسلامويين المتحكمة في رقاب الناس، أن الشعب السوداني لن يذهب وحده الى الجحيم!

تذكرت فيما تذكرت قول الجبهجى الراحل يس عمر الإمام في لقائه الصحفي الشهير:" أنا السودان شلت عليه الفاتحة"! كانت تلك مقولة بليغة من رجل خبر الإسلامويين وعرف تماماً مقدرتهم التدميرية للذات ولغيرهم. تجارب كثيرة يمكن الإشارة لها عن القوة التدميرية للإسلامويين لا نحتاج لتفصيلها فهي ماثلة. من كل تلك التجارب يمكن القول أنه متى تمكن الإسلامويون من بلاد او منطقة؛ تبعهم الدمار والخراب، لأن الدمار والخراب هو الثمرة الطبيعية لشجرة زغوم الإسلامويين. وإن كان يس عمر الإمام قد قراء الفاتحة على السودان قبل أكثر من عقد من الزمان فهو دون شك زرقاء يمامتهم، علم انهم يسيرون الى الهاوية، لكنهم كذبوه، فهم صم بكم عمى لا يسمعون، يسعون ليل نهار بهمة يحسدون عليها لتدمير ذواتهم وبلاد السودان وليحدث بعدهم ما يحدث.

وجدت أن هنالك تقارباً شديداً في المعنى بين مقولة يس عمر الإمام وبين مقولة "أنطوانيت بومبادور" عشيقة الملك لويس الخامس عشر، وقد كانت ذات جمال ونفوذ وهى المقولة التي اخترتها عنواناً للمقال بعد أن عدلها لويس نفسه من المفرد الى الجمع:" ومن بعدنا الطوفان"، ويزعم بعض المؤرخين أن أنطوانيت قالت عن نفسها بعد أن تراكمت الأزمات على عشيقها: " ومن بعدى الطوفان" ثم التقطها لويس وعدلها بعد خسارته لمعركة "روسباخ 1757". انتشرت المقولة وقتها، والراجح أن جنود نابليون حملوها الى مصر مطلع القرن التاسع عشر، ثم انتشرت في منطقة الشرق الأوسط وربما دخلت للسودان من مصر، فوجد فيها الإسلامويون ضالتهم وتبنوها كنهج للحكم.

لخصت مقولة أنطوانيت منهج الطغاة عبر التاريخ، فهم دائما يعتقدون أن حياة البشر بدأت معهم وستنتهي معهم، في غير ذلك ليحدث ما يحدث، فمآلات الأمور غير مهمة بعدهم، المهم هو تمسكهم بالسلطة والتمتع بملذاتها واستعباد خلق الله وتحويلهم لخدام لرغباتهم. وليس من قبيل الصدفة أن تتحلق غالبية الإسلامويين حول البشير تتقرب إليه زلفى لسلطة وجاه ترجوهما، فهم مازالوا في ضلالهم القديم يعتقدون أن السلطة ستدوم، وهكذا دائما اعتقد الطغاة وسدنتهم الذين أضلهم خوار سلطة سامرّي زماننا.

مقتل الطغاة وسدنتهم أنهم دائما يستخفون بالتاريخ ويعتقدون دائما أن باستطاعتهم أن يأتوا بما لم يأت به الأوائل، فمنهج " ومن بعدنا الطوفان" الذي يتبعه سامرّي الإسلامويين ستكون عواقبه كارثية، ليس فقط على السامرّي، بل على الإسلامويين أنفسهم. فالمعركة الحقيقية التي يواجهها السامرّي ورهطه ليست فقط مع الشعب السوداني، بل في حقيقتها معركة مع التاريخ وقواه، وقوى التاريخ لا تنهزم، تقبل فقط من هو قادر على الاستمرار حسب منطقها وشروطها هي، لا منطقه وشروطه هو! ولا يعرف تاريخ البشرية من لدن آدم حتى اليوم مجموعة فرضت شروطها على قوى التاريخ. لقد سقطت إمبراطوريات كانت ذات صولة بعد أن اصطدمت بقوى التاريخ، دعك من مجموعة يتخطّفها الخوف لقرابة الثلاثة عقود إسترخص سامرّيها سيادة بلاده وعَرَضها للحماية من دولة كبرى أمام العالمين، حتى صار هو وجماعته أضحوكة (لليسوى واللى ما يسواش) وتلك لعمرك خيانة وطنية انفرد بها السامري كما انها تطال كل الذين يتحلقون حوله ويدافعون عنه!!

لم تكن مدام بومبادور تضرب الرمل حين قالت مقولتها تلك، فقد رأت من موقعها مع عشيقها مالم يراه الآخرون، وللحسناوات من النساء قرون استشعار كما يقول العالمون بأمور النساء. توفيت العشيقة عام 1764 وتبعها الملك لويس عام 1774، وتركوا أمواج الطوفان التي بذروا رياحها تتجمع، فضرب الطوفان الذى تنبأت به بومبادور فرنسا عام 1789وقضى على الأخضر واليابس، وما تلى ذلك من أحداث معروف.

لا يخامرني أدنى شك أن الإسلامويين سيحصدون ما زرعوا، طال الزمن أم قصر، فكما تدين تدان، ومن يزرع الريح يجنى العاصفة، ذلك هو منطق التاريخ، فالطوفان قادم كما تنبأ به شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه في ذلك المنشور الشهير.