يتصاعد الجدل، هذه الأيام، عن التقارب الإسرائيلي مع بعض بلدان المنطقة، فعاد الي ذاكرتي ما كان يدعو له الاستاذ محمود محمد طه الى الصلح مع اسرائيل على أساس الاعتراف المتبادل، وحل قضية فلسطين عبر التفاوض، والذي أنبنى على قراءة دقيقةٍ للتاريخ وبصيرةٍ ثاقبةٍ بالمستقبل، وها هي الأحداث تؤيد ما ذهب اليه الاستاذ من رأي، وتبين صدق بصيرته.. 

وقد دفعني هذا الجدل الى إعادة قراءة كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" الذي كتبه الأستاذ محمود محمد طه في أكتوبر من عام 1967م، والذي أوضح فيه ضرورة الحل السلمي لمشكلة الشرق الاوسط، فقد ورد في متن الكتاب: (فإذا تفطّن العرب الى حقيقة المشكلة فإنهم لن يتحدثوا الا عن الحل السياسي، وبأي ثمن، ذلك بأن الحل العسكري غير ممكن، على الإطلاق، وذلك لأمر بسيط، وهو ان العرب لا يحاربون دولة اسرائيل، وانما يحاربون، من ورائها، دول أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، والمانيا الغربية.. وهم قد التزموا بالمحافظة على حدود دولة اسرائيل، حسب ما يعطيها قرار التقسيم الذي اتخذته الأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 ـ التزم بذلك، منذ عام 1950، كل من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا).. ويرى الأستاذ محمود أن دولة اسرائيل والدول العربية أصبحت مخالب قطط لخدمة أغراض الكبار، فإسرائيل تستغلها الدول الغربية لخدمة أغراضها في منطقة الشرق الاوسط، بينما مصالح العرب مهدرة، ومن أجل ذلك فلن يسمح الغرب للعرب بالانتصار على دولة إسرائيل.. وأبان الأستاذ محمود أن مشكلة العرب ليست في وجود اسرائيل، وانما مشكلة العرب هي ضعف داخليتهم، وبعدهم عن دينهم.. ولذلك كان طبيعيا أن ينهزموا في كل حروبهم مع إسرائيل.. ولهذا يرى الأستاذ أن علي العرب أن يشتروا الهدنة مع اسرائيل لينصرفوا لبناء داخليتهم على هدي من دينهم فيحلوا مشكلتهم، ويحلّوا، من ثمّ، مشكلة العالم، بما فيه إسرائيل.. ذلك لأن العالم يحتاج السلام.. ويحتاج الى العرب المسلمين، إذا فقهوا أصول دينهم، وأقبلوا عليه، وقدموه في مستواه العلمي الذي يحل على الأرض السلام، ويملأ الفراغ الذي عجزت عن ملئه الشيوعية، والرأسمالية، على السواء.. فإن العالم قد توحد جغرافيا، وهو لا بد له من أن يتوحد فكريا..
دعا الأستاذ محمود المسلمين لينهضوا، ويقدموا الإسلام ليوحدوا به العالم وحدة فكرية، كما وحده اجدادهم في القرن السابع، بعد أن أصبحوا مسلمين، فعزّوا بعزّة الاسلام – بعزة الله، وعزّة رسوله – فليفهم العرب هذا، وليعوه، ولينظروا الى المستقبل، وليتعمقوا في تحليل مجريات السياسة الدولية.. فإن الله قد تكفل للإسلام بالنصرة، بلا شرط، ولم يتكفل للعرب بالنصرة الا بشرط ان يكونوا مؤمنين به، وان ينصروه في أنفسهم، فالإسلام غني عن العرب، ولكن العرب ليسوا أغنياء عن الاسلام. وقد أورد الأستاذ محمود وعيد الله للعرب، ((وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)) ومن يدري، فقد يكون هؤلاء القوم هم بني اسرائيل؟ لأن العرب قد فتنوا في دينهم، فنصلوا عنه، فهم يحاربون بالعنصرية العربية العنصرية الاسرائيلية "الصهيونية".. يهود يحاربون يهودا!! ألم يقل النبي ((يوشك ان تداعى عليكم الامم كتداعي الاكلة على القصعة، قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء، كغثاء السيل، لا يبالي الله بكم؟)) وكما حذر النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه! قالوا أأليهود والنصارى؟ قال فمن؟))؟ فانهزم العرب لان العنصرية الاسرائيلية وثيقة الصلة بالدين اليهودي، فالإسرائيليون يحاربون بضراوة المتعصب الديني، بينما يحارب العرب بقلوب خواء، وعقول فارغة. ولان الاسرائيليين يعيشون على لباب المدنية الغربية، الآلية فيحسنون أساليب الحرب الحديثة، بينما يعيش العرب على قشور هذه المدنية، فهم لا يصممون الآلة ولا يصنعونها ولا يحسنون صيانتها ولا استعمالها. ولذلك لم يكن لهم بصر بالحرب العلمية الحديثة، هذا إضافة لقلّة الحنكة السياسية للقادة والزعماء العرب، وقلة حنكتهم الدبلوماسية بادية، فضعف دبلوماسية العرب، تتجلى في ضعف إدراكهم لقضيتهم، العربية، وفى عجزهم عن النظر الى الامور من وجهة النظر المعارضة، فتدرك إسرائيل أن ليس هناك صداقة بين الدول، وانما هناك مصالح مشتركة، إذا التقت عُبِرَ عنها بالصداقة، وأدرك معناها الاذكياء، فعندما التقت مصالح الغرب بمصالح اسرائيل في المنطقة، أصبح النفع متبادلا، وأصبحت اسرائيل تستغل الدول الغربية، كما تستغلها الدول الغربية، ويظل العرب في غفلتهم، وفي سذاجتهم السياسية، ولا حديث لهم الا عدم الاعتراف بإسرائيل، وعدم الصلح معها، وعدم التفاوض معها، بل يتوهمون محوها من الوجود.. في وقت يرى فيه الأستاذ محمود أن كل تلك الحوادث المؤلمة التي مر بها العرب كانت بمثابة أتعاب الولادة التي تصحب ميلاد المدنية الجديدة، والعرب هم القابلة التي على يديها يستهل المولود الجديد، ولكنهم عن دورهم هذا مذهولون.. يظنون ان اسرائيل هي سبب مشكلتهم، وما دروا ان اسرائيل نتيجة وليست سببا!! والسبب هو ان العرب لا يحتلون في التاريخ المعاصر المكان اللائق بهم.. مع انهم يعيشون في فترة تؤرخ تحولا جوهريا في الحياة البشرية، تحول ينتهي به عهد طفولة البشرية، ويبتدئ به عهد رجولتها على هذا الكوكب، ويدعو الاستاذ العرب ان يدخلوا التاريخ، كما دخله أوائلهم في القرن السابع، فأشرقت بدخولهم على عالم يومئذ شمس مدنية جديدة، أو ان يخرجوا عن التاريخ.. هذا هو التحدي الذي يواجه العرب.. فان المشكلة التي تواجه العرب اليوم ليست، مشكلة أرض فلسطين، التي اقتطعها اليهود بمعاونة بريطانيا وامريكا، وموافقة الاتحاد السوفيتي، وبعض الدول الاخرى، فشردوا أهلها، واقاموا فيها دولتهم.. المشكلة أكبر من ذلك، وأخطر.. قد واجهت العرب بتحد لم يسبق لهم ان ووجهوا به.. ويؤكد الأستاذ أن العرب يواجهون هذا التحدي بغير ادواته، فدولة اسرائيل ليست عدوة العرب.. وانما العرب أعداء أنفسهم بما انصرفوا عن اللّه، وبما التمسوا العز والنصر – عند غير اللّه. ومن يدري فقد تكون دولة اسرائيل صديقا في ثياب عدو؟ فقد نصح الأستاذ محمود العرب بالاعتراف بإسرائيل ليأخذوا الرأي العام العالمي الى جانبهم، لأن اعترافهم بإسرائيل واقعيا، وعمليا حاصل، ولأنهم لا يحبون الناصحين، فقد حذرهم الأستاذ ان اسرائيل ستحصل على هذا الاعتراف، بدون أن تدفع عليه ثمنا كافيا.. فالاعتراف بإسرائيل كان يمثل حلاً عاجلاً، أما خلاصة الحل الآجل، الذي بشر به الاستاذ، فهو في كلمة واحدة؟ "الإسلام"! وقدم الأستاذ الحل العلمي لمشكلة الشرق الاوسط عام 1967، بعد استقراء تاريخي، وتحليل سيأسى، طويل، مناديا بعدم تفويت الفرصة التي يعطيها التفاوض المباشر مع إسرائيل، والاعتراف بها، في الحصول على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها، مشيرا الى أن أي تسويف أو إبطاء في الأخذ بهذا الحل السلمي إنما يفقد العرب كثيرا من قوة المساومة في أية تسوية مقبلة. وتتوالى الأحداث لتؤكد ما ذهب اليه الأستاذ محمود.. وأتضح للعرب أنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا حلاً على اسرائيل، بقوة السلاح، وذلك لأن السلاح لم يعد يحل المشاكل، ولذلك كان ينصح الأستاذ محمود العرب بالتفاوض المباشر مع إسرائيل والاعتراف بها، مع صعوبة الاعتراف على الزعماء العرب، التي تقوم على الكبرياء الزائف. وعلى المظهر الفارغ، وخداع الشعوب، التي ظل زعماؤها يحدّثونها، عن رمي دولة اسرائيل في البحر.. والذين درجوا على تجنيد وسائل الاعلام في بلادهم للتحقير والتقليل من شان دولة اسرائيل بصورة متصلة وملحة.. وما علموا ان الذي يحقر من شأن عدوه ويعظم من شأن نفسه غبي أحمق.. وفي اثناء هذا التهريج تخرج اسرائيل، دائماً، في صراعها مع العرب بما يزيد في رقعتها، ويؤمن من وجودها.. ويكسبها كسباً دبلوماسياً، ويمنحها عطف الرأي العام العالمي، واعجاب الشعوب بها. ويظل الزعماء العرب أسارى هذا التضليل الذي لا يزالون، يمارسونه مع شعوبهم حتى يحتفظوا بمظهر العمالقة أمام الشعوب. ومن سوء طالع الشعوب العربية، ان حملة الأقلام، ورجال الاعلام فيها، موكلون بتضليلها.. مما جعل هذه الشعوب تعيش على أحلام اليقظة بأنهم سيحررون فلسطين ويرمون إسرائيل في البحر.. وقد تجلى تضليل الاعلام العربي وتهريج الزعماء وحملة الأقلام في محاربة دعوة الأستاذ محمود محمد طه الي السلام، وتقديمه الإسلام كمذهبية تبشّر بتحقيق إنسانية الانسان، عن طريق تقديم المنهاج الذي يحقق السلام في كل نفس بشرية، حيث يُقدم الإسلام في مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام. وذلك بتقليد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ألم يقل الأستاذ: (بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد دينها)؟؟ بلى، قد قال!! ثم دعوته الى تطوير التشريع الإسلامي بالانتقال من الآيات المدنية التي قامت عليها بعض صور الشريعة، الى الآيات المكية التي نسخت في ذلك الوقت لعدم تهيؤ المجتمع لها، حيث الدعوة الى الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية، المدخرة في أصول الدين..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////