توطئة :

في المقال السابق تحدَّثنا عن موقف المؤتمر الوطني وطريقة تعامله مع الأراضي في المناطق المُهمَّشة، بالإضافة إلى الحرب كإستراتيجية مُستمرة للسيطرة على هذه الأراضي. وفي هذا المقال سنتناول قضايا أخرى مُهمَّة كقضية (الهوية) ودورها في الصراع السوداني، بالإضافة إلي بعض التكتيكات والإستراتيجيات التي توضِّح عقلية المؤتمر الوطني وكيفية تعامله مع ملفات التفاوض.
العبث بقضايا الهوية .. والهروب إلى الأمام :
تُعتبر مسألة الهوية فى السودان, هى القضية المحورية فى صراع "المناطق المُهمَّشة" ضد "مركز" السلطة فى الخرطوم. ويُمكن إرجاع أزمة الهوية فى السودان إلى عهد ما بعد خروج المستعمر.فالنُخب الشمالية الحاكمة على مر تاريخ السودان قدَّمت الإجابة الخاطئة لسؤال الهوية .. من نحن؟ .. فكانت النزعة المُستمرة لهذه النُخب تجاه العروبة والإسلام،والآيديولوجيا "الإسلاموعروبية"، ومنذ أن قام الإنجليز بإصدار قانون بإلغاء مؤسسة الرِق - Abolition Act،وتبعه مرسوم عتق الأرِّقاء، والإجراءات التي قام بها "كتشنر"، والمستر "ونجت"،وما لذلك من إنعكاسات على السودان،فقد كان لذلك وقعاً صعباً على الكيانات الإسلاموعروبية بمساواتها ضربة لازب هكذا مع العبيد ـ شكلياً على الأقل ـ أمام الدولة والقانون. وهذا في رأينا من أهم الأسباب التي قادت إلى تشدُّد خطاب النُخب والكيان المُسيطرإجتماعياً وسياسياً في التأكيد على عروبة السودان ونفي الآخرين ـ أي العبيد ـ من السيرة الذاتية"الرسمية"للسودان, فطالما لا مفر من (سودان) الدولة، فليكن الشعب السوداني (شعب عربي كريم).فالأمر يتعلَّق بـ"شعور جمعى" إزاء الآخر, يختلط بـالشعور بـ"الذات الجمعية", وهى قضية قديمة مُتجدِّدة تعود بجذورها كما ذكرنا في كتابات سابقة - إلى عصر مؤسسة الرق فى السودان, تلك الحقبة التيأعطتالبعض (رأس مال رمزى -Symbolic Capital) ليتميَّزوا به على غيرهم من الشعوب التى مُورست تجاهها هذه الممارسة البغيضة. ونتيجة للمحاولات المُستمرة للنُخب الشمالية للهروب من حقائق الواقع فى السودان, والبحث عن هوية وهمية غير موجودة إلا فى مخيلتهم, لكونهم يتنكَّرون لهوية حقيقية ظلوا يزدرون منها بإستمرار تحت تأثير "ذاكرتهم الجمعية" للتاريخ, وظلُّوا يقفزون بإستمرار فوق الحقائق ويربطون هوية الدولة – مُستفيدين من سيطرتهم التاريخية على السلطة - بمركز العروبة فى ما يُسمَّى بـ(الوطن العربى) دون أن يكونوا (عَرب) كما يتوهَّمون.وعبر وساطات وضغوط كثيفة, تم قبول عضويتهم فى الجامعة العربية رغم عدم إقتناع العرب بذلك,فجاءت موافقتهم على مضَض, وهذا ما يُبرر سلوكهم المريض كونهم يحاولون أحياناً أن يكونوا (عُرباناً) أكثر من العرب أنفسهم, وذلك بتبنيهم لقضايا العرب أكثر من قضايا أفريقيا. وغير بعيد عن الذاكرة خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن في مؤتمر القمة الإسلامية غير العادية في إسطنبول - ديسمبر 2017 - الذي شكر فيه دولاً (غير عربية) لوقوفها مع قضية القدس ومنها (إيران، تركيا، والسودان)، وهذا يوضِّح بجلاء موقف الدول العربية من (عروبة) السودان.
وهناك عامل آخر مهم غير العامل النفسي وهذه (الحالة النفسية) لنُخب الشمال والوسط النيلي المُسيطرة، وهو إرتباط فرض الهوية الأحادية بالسيطرة على المناطق المُهمَّشة وإستغلال مواردها. وفي هذا الصدد يقول الدكتور/ محمد سليمان محمد, واصفاً مُحاولة النُخب السودانية بإستمرار فرض هوية أحادية إقصائية على السودانيين :-
(يأتى معظم أفراد الصفوة الشمالية المُسيطرة على الدولة والسوق, من رجال المجموعات العربية و"المُستعرَبة" المُسلمة المُستقرة وسط السودان على ضفاف النيل - شايقية, دناقلة, جعليين, نوبيين،...ألخ - ولإحكام سيطرتها الإقتصادية والسياسية سعت هذه الصفوة إلى فرض هويتها العربية – الإسلامية على بقية أهل السودان. الإسلاموعروبية هى آيديولوجية مؤسسة الجلابة, ونشرها جزء لا يتجزأ من عملية الهيمنة على البلاد, مواردها وأهلها. هذه الآيديولوجيا تبرر معاملة غير "العرب" وغير المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية, وتبيح للصفوة من مؤسسة الجلابة إستلاب أرضهم ومواردهم بما عليها, وتُبرر "حق" هذه الصفوة فى إستغلال قدرة عملهم بأثمان بخسة. إن الهجمتين, على الموارد والهوية وسيلتان للهيمنة التامة على كل السودان موارداً وبشراً)- إنتهى.
وخلاصة القول فإن جوهر مشكلة الهوية في السودان كما وصفها الدكتور/ أبكر آدم إسماعيل:
(يكمُن في دورها في تشكيل عدم المساواة الهيكلية (Structural Inequality) بين مُكونات المجتمع. وبالتالى فإن إشكال الهوية في السودان يتلخَّص في أن هناك جماعة من الجماعات ألبست الدولة هويتها "المُفترضة" الخاصة، وظلَّت تفرضها علي الكل، أي تم إختزال هوية الدولة في هوية هذه الجماعة وفي نفس الوقت تعميم هوية هذه الجماعة على الدولة عبر "جدلية الإختزال والتعميم"، وتُعتبر "جدلية الإختزال والتعميم" هي مُرتكز إشكال الهوية في السودان, حيث أنه بعد أن تم إختزال هوية الدولة في الجماعة المُسيطرة (Dominant) وتم تعميمها علي الجماعات الأخري المًسيطر عليها (Sub-ordinate) وذلك عبر الإختزال (الأثنو- ثقافي) (Ethno-Cultural) وهو الذي أدَّي إلي خلق نظام الإمتيازات المعهود في الدولة السودانية, وأصبحت هناك ثقافة سائدة أدُّت الي وجود أيديولوجيا سائدة تسعى لتبرير، والمحافظة على هذه الإمتيازات) - إنتهى.
وهذه (الثقافة السائدة) في وجهة نظرنا تُعتبر معايير تُشكِّل موانع للآخرين تحول دون وصولهم للثروة والسلطة وتصبح أدواتٌ (للتمركُّز والتهميش)، بمعنى إن نفس هذه الأدوات (الدين / العرق / اللغة / اللون/ ....إلخ) تؤدي إلى "تمرُّكز" البعض، وتهميش الآخرين وخلق الفوارق بين المُكوِّنات الإجتماعية.وهذا يُفسِّر التشديد على الآيديولوجيا الإسلاموعروبية عبر مختلف الحِقب، ومن خلال كافة الأنظمة السياسية خاصة في عهد نظام "الإنقاذ".وقد جاء خطاب الرئيس عمر البشير فى أعياد الحصاد بالقضارف 2011 مؤكِّداً لمقررات أول إجتماع إستراتيجي عُقد بعد ما يُسمَّى بـ(ثورة الإنقاذ الوطنى) وإنقلاب الإسلاميين على السلطة عام 1989م،كان ذلك فى بداية التسعينات حيث جاء فى هذه المُقررات - إن الثورة قد حَسمت مسألة الهوية فى السودان (الإسلاموعروبية). وهو نفس الشيىء الذى أكَّدته النُخب الشمالية بعد خروج الإنجليز مُباشرة، الأمر الذى أثار حفيظة القوميات التى لا تنتمى إلى حقل الثقافة (الإسلامية –العربية) إلى يومنا هذا، وظل هذا الأمر حاضراً بقوة فى أجندة الهامش .. وبإستمرار. ولا تخلو أجندة أي حركة من الحركات الثورية - التي حَملت السلاح من قبل، والتي تحمل السلاح الآن, والتى ستحمله لاحقاً - من مسألة الهوية كأحد أسباب الصراع فى السودان, وكقضية يجب مُخاطبتها وحلها للوصول إلى سلام عادل وشامل بموجبهِ تتم إعادة هيكلة الدولة وبناء الأمة. وعندما لم تُعالج هذه المشكلة بصورة جذرية فى إتفاقية السلام الشامل بما في ذلك مسألة فصل الدين عن الدولة، ذهب الجنوب وترك خريطة السودان مشَّوهة وقابلة للتشَوُه أكثر، وهو الشىء الذى يمكن أن يحدث فى جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور إذا لم تستفيد النُخب الشمالية من درس الجنوب وواصلت دعمها لعمر البشير وحكومته العنصرية، وأصبحوا هم أنفسهم عنصريون. فلا حل آخر حينها سوى ممارسة حق تقرير المصير لإنهاء الحروب المستمرة في السودان والتي يتضرَّر منها في الأساس شعوب الهامش.
قضايا السودان .. أم قضايا المنطقتين ..؟
يحاول المؤتمر الوطني عزل موقف الحركة الشعبية التفاوضي عن القضايا القومية والتمسُّك بمخرجات الحوار الوطني التي تٌمثِّل وجهة نظر ورؤية المؤتمر الوطني - على خلفية المشاركين في ذلك الحوار العبثي - إذ جُلّهم يُمثِّلون آيديولوجية واحدة (الإسلاموعروبية) وهذه الأحزاب هي نسخة مُكرَّرة من المؤتمر الوطني. ولكن برغم ذلك يزعم المؤتمر الوطني إن القضايا الجوهرية مثل الهوية وعلاقة الدين بالدولة وغيرها من القضايا قد تم حسمها في الحوار الوطني..! فهؤلاء كانوا يحاورون أنفسهم لا أكثر، وكان "حوار طرشان"–Monologue .
والأمر الذى يجعل الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال تتمسَّك بالحل الشامل لقضايا البلاد، هو إن الجذور والأسباب الرئيسية للصراع فى المناطق المُهمَّشة، لا يمكن حلها إلا فى الإطار الكلي، وبصورة شاملة. فمثلاً إذا أخذنا القضايا الأمنية، فقد تعرَّضت القوات المسلحة السودانية منذ خروج المستعمر، وخاصة فى عهد الإنقاذ، إلى عملية تسييس مُمنّهجة، تم فيها ترفيع وترقية أصحاب الولاء، وتصفية الآخرين، بإعتبارهم غير مرغوب فيهم لكونهم لا ينفِّذون أجندة النظام، وتم بالإضافة إلى ذلك تكوين العديد من المليشيات التابعة للنظام، وصار الجيش فى قبضة الحزب الحاكم, يأتمر بأوامره، ويعمل بناءً على رغباته وتوجُّهاته، وبالتالى أصبح الجيش الذي من المُفترض أن يقوم بحماية المواطنين، هو الذى يشن عليهم الحروب، ويرتكب المجازر والإنتهاكات لإسكات أصواتهم، وإخماد ثوراتهم ومطالبهم العادلة، بدءاً بثورات الهامش فى دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، إنتهاءاً بالمظاهرات السلمية فى بورتسودان، وكجبار، ومدنى، وكوستى، والأبيض، وأم درمان، والخرطوم، وغيرها من مدن السودان .. !!،. فمثل هذا الجيش لا بد من تفكيكه وإعادة بنائهِ من جديد على أسس، ومعايير، وعقيدة قتالية جديدة. فقضية كهذهِ لا يمكن أن تُحل إلاَّ فى إطار دستوري قومي وشامل. وتوجد قضايا أخرى مثل كيفية إدارة البلاد، وطبيعة نظام الحكم المناسب لدولة تزخر بالتنوُّع مثل السودان، أضف إلى مسألة هوية البلاد كقضية محورية. فلا يُمكِن أن تُحل مثل هذه القضايا إلا بإقرار دستور دائم للبلاد يعالج هذه المسائل بصورة صريحة وجادة وعادلة، تحفظ للجميع حقهم فى الحياة الكريمة والمساواة الإجتماعية، والسياسية، والإقتصادية. وهذه القضايا لن تُحل إلا بإبرام عقد إجتماعي جديد بين مُكوِّنات الشعب السوداني يُوضِّح الطريقة والكيفية التى ستُدار بها البلاد، والدستور الدائم الذى سيحتكم إليه الجميع. وبخصوص علاقة المركز بالأطراف، وتفكيك السلطة المركزية لصالح الأقاليم، فذلك لا يتم إلاَّ فى المركز نفسه الذي يُحدِّد السلطات ويوزّعها. وإقتسام الثروة تتم مع الذين نهبوا الثروة، وإستأثروا بها، وحرموا منها الآخرين. وقضايا الأرض - ملكيتها وطرق إستخداماتها - يتم حسمها بسن قوانين قومية وأخرى إقليمية تحفظ للدولة حقها وللشعب كذلك حقهم فى الإستفادة من موارد البلاد. فمثل هذه المسائل تحتاج إلى تشريعات مُنصفة وعادلة يتم صياغتها فى الإطار الكلي، مع إستصحاب الخصوصيات .وكما هو معلوم فلا يجوز أن تتعارض التشريعات الإقليمية أو الولائية مع القوانين العامة أو الدستور. وبالتالي فإن المشكلة ليست مشكلة المنطقتين .. بل هي مشكلة السودان في المنطقتين .. ولن تُحل مشكلة المنطقتين إلا بحل المشكلة السودانية.
فكيف يريد المؤتمر الوطنيإيقاف الحرب وإحلال السلام وهو يسعَى لإيجاد حلول جزئية وإقليمية ؟، وهل هو جاد فعلاً فى الوصول إلى تسوية سياسية تضمن للبلاد وحدتها وإستقرارها ؟.فالمؤتمر الوطني يريد سلاماً "زائفاً" كما وصفوه هم بأنفسهم، يتم من خلاله تصفية الجيوش الثورية وخاصة الجيش الشعبي لتحرير السودان - شمال، ومن ثم تقسيم وتوزيع الوظائف على قادة الحركات الثورية (مناصب دستورية، وإمتيازات وسلطات وهمية). يريد المؤتمر الوطني تسوية شكلية لا تُلامس جذور المشكلة.
مُبادرات وحشود لإضعاف الموقف التفاوضي للحركة الشعبية :
يعتمد المؤتمر الوطني على مبادرات وهمية لأشخاص يتم إستخدامهم لإضعاف الموقف التفاوضي للحركة الشعبية مثل ما يُسمَّى بـ(مُبادرة أبناء النوبة في الخارج) عام 2014 التي حملت توقيع عدد من أبناء النوبة الذين نجد حقيقة صعوبة شديدة في وصفهم وتصنيفهم. ويحاول المؤتمر الوطني الآن تسويق هذه المبادرة للوساطة الأفريقية وممثلي دول الترويكا والمجتمع الدولي. وطريقة أخرى تقليدية يستخدمها المؤتمر الوطني هي تنظيم الفعاليات والحشود ومن خلالها يتم تبنِّي موقفه ودعمه بواسطة أبناء المناطق المعنية بالصراع، وأحياناً يطلق عليهم مصطلح (أصحاب المصلحة –Stakeholders). فقد طالعنا خبراً منشور في صحيفة الجماهير الصادرة بتاريخ الأربعاء 21 نوفمبر 2018 إنه بدعوة من "كباشي ناصر" رئيس ما ُيسمَّى بـ(المجلس القيادي لأبناء النوبة بالمؤتمر الوطني) تم تنظيم حشد من "القيادات" للتفاكر حول الوضع الراهن بجبال النوبة. وحسب الخبر فقد إستنكر الحشد مطالبة رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال الفريق/ عبد العزيز آدم الحلو بتقرير المصير، وإستنكروا أيضاً رفضه تطبيق الشريعة الإسلامية بجنوب كردفان .. وإنهم (أهل السودان) ..! ولا يُمكن تكرار تجربة جنوب السودان .. وحسب الخبر فإن عضو هيئة علماء السودان (كندة غبوش الإمام) أثنى على وقفة عمر البشير مع قضايا جبال النوبة وذكر إن البشير أول رئيس (وطني) ..! ينصف النوبة في كافة المجالات، وإنه إستقبل وفد من أبناء جبال النوبة في القصر الجمهوري بعد 20 يوم فقط (من إستيلائه على السلطة)، وذكر غبوش إن النوبة في عهد البشير تقلَّدوا العديد من المناصب (تشريعية / تنفيذية / مستشارين/ مناصب في الجهاز القضائي / مُدراء جامعات / سفراء)، وإنه في عهد البشير تم إنشاء جامعة الدلنج، وتم رصف طريق الأبيض كادقلي. وفي ختام اللقاء أعلنت القيادة المُجتمعة دعمهم ترشيح البشير في إنتخابات 2020. وكان "كباشي ناصر" قد إنتقد غياب التنفيذين عن ذلك اللقاء "المضروب" دون عذربعد أن أُجريت كل الترتيبات وتم تهيئة الأجواء .. !، وإن اللقاء كان يعوِّل عليهم كثيراً كرموز. والسؤال موجَّه طبعاً للـ(تنفيذين) الذين قاطعوا اللقاء ولا ندري ما هي العقوبة التي تنتظرهم.
ويبدو إن المجتمعون نسوا إن البشير من المُفترض إنه يقوم فقط بواجبهِ كرئيس دولة، وإن عليه تقديم الخدمات للمواطنين (فمتى كانت الخدمات منحة ينعم بها الرئيس على المواطنين ..!؟).فشرعية وجود أي رئيس دولة في منصبه هي تقديم الخدمات للمواطنين. وما هي نسبة الوظائف التي تحصَّل عليها النوبة في عهد عمر البشير بالمقارنة مع حجم سكان الإقليم ..؟ وهل طموح النوبة يقتصر في طريق الدلنج والجامعة، والمناصب والوظائف الوهمية التي ذكرها عضو هيئة علماء السودان ؟ وأي علماء..؟. فهذا يشبه حديث أحد القيادات من أبناء النوبة الموالين للمؤتمر الوطني عندما ذهب في وفد يضم أكثر من (70) عضواً من أبناء النوبة إلي نيفاشا عام 2004 للقاء وفد الحركة الشعبية، إذ قال مخاطباً أعضاء وفدالحركة : (إن كنتم تقاتلون من أجل التنمية .. فعمر البشير قد منحنا عدد من الطواحين والتراكتورات ..!). وقد نما إلى علمنا إن هذا القيادي يقوم حالياً بتجنيد أبناء النوبة في مليشيات الدعم السريع لشن الهجمات على أهلهم في المناطق المُحررة.
- كما يبدو فإن المُحتشِدون نسوا إن الشخص الذي يتحدَّثون عنه هو الذي قال في المجلد عام 2011 في خطابه العنصري أثناء الحملة الإنتخابية : (إنهم إذا لم يفوزوا عبر صناديق الإقتراع .. فسيفوزون بصناديق الزخيرة .. ويلبسون الكاكي .. ويمتطوا الحصين .. ويطاردون النوبة جبل جبل .. كركور كركور.. !!) في إسترجاع لذاكرة حملات القبض على الرقيق.
- ونسوا كذلك إن الذي يتحدَّثون عنه هو الذي يقصف بإستمرار أهلهم في الجبال منذ 6/6/2011، ويقتل النساء والأطفال، ويحرق القرى والبيوت والمحاصيل، وكل كائن حي.
- وهو الذى قال إن (أبناء النوبة ليست لهم أي حقوق سياسية ولا هوية يتم مناقشتها).
- وهو نفس الشخص الذي قال إنهم (ذاهبون للتفاوض لإسترجاع أراضيهم).. فما هي علاقة عمر البشير بأراضي النوبة.. ومن أين جاء حقه في هذه الأراضي..؟ فهو يرى إن وجود الجيش الشعبي في جبال النوبة (سيُعيق عملية الإستثمار)..!. وعليكم أن تفهموا إن أراضي السودان بما فيها أراضيكم تم بيعها للمستثمرين الأجانب، وحسب بعض المعلومات المنشورة في وسائل الإعلام إن الأتراك إشتروا أراضي سودانية لمدة (99) سنة تبدأ من العام القادم 2019، بالإضافة إلى أراضي أخرى تم بيعها لتوطين (160,00) مواطن من قبيلة "البدون" الكويتية. وأنتم تعلنون دعمكم لمن باع هذه الأراضي لخوض إنتخابات 2020 ..! وبهذا تعطوه حق بيع المزيد من الأراضي.
- وقد نسى المُحتشِدون كذلك حملات الإستهداف المُمنهجة والمُستمرة بالتصفية، والإعتقالات، والمضايقات والإهانة التي يتعرَّضون لها في جميع المُدن السودانية والمناطق تحت سيطرة الحكومة.
- أنتم لا تفهمون إن حق تقرير المصير يحفظ لكم كرامتكم وحقوقكم التاريخية التي تم إنتهاكها عبر التاريخ من قبل كافة الأنظمة السياسية المُتعاقبة على حكم السودان. فمن غيركم كان يدفع ضريبة الدقنية حتى منتصف الستينات يا من ترفضون حق تقرير المصير، ولا تفهمون إن تطبيق الشريعة الإسلامية يجعلكم مواطنين من الدرجة الثانية لأن الإسلام والعروبة وجهان لعملة واحدة، و(الدم أتقل من الدين) كما قال داؤود يحيى بولاد وهو من أبناء الحركة الإسلامية المُخلصين وكادرهم الخطابي الأول بجامعة الخرطوم ورئيس إتحاد طلاب الجامعة آنذاك. فهل يقبل البشير بترشُّح إبراهيم نايل إيدام لرئاسة الجمهورية وهو عضو أساسي في ما يُسمَّى بـ(مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني)..؟.
وحق تقرير المصير هو قرار مجلس التحرير القومي، ومجلسي التحرير بجبال النوبة والنيل الأزرق، وهو قرار المؤتمر العام الإستثنائي في أكتوبر 2017، وهو مبدأ منصوص عليه في المنفستو والدستور، والفريق/ عبد العزيز آدم الحلو كرئيس للحركة الشعبية، وقائداً عاماً للجيش الشعبي، يملُك التفويض من هذه المؤسسات المُنتخبة ديمقراطيا،ً والتي تُعبِّر عن إرادة الشعب.
سلام بعقلية "سوق المواسير" :
الماسورة : مُصطلح يستخدمه السودانيين, ويُطلق على الذين يتعرَّضون لمقالب أو خداع, وقد شاع إستخدام المصطلح منذ مارس 2010م مرتبطاً بأحد أسواق الفاشر بولاية شمال دارفور والذى عُرف بـ"سوق المواسير", حيث كانت تباع بعض السلع (عقارات, سيارات, ...إلخ) بصورة غير قانونية أحياناً ليكتشف المُشترين "المقلب" بعد ذلك. والمؤتمر الوطني ينطلق من هذه العقلية عندما يتفاوض ويوقِّع إتفاقيات السلام والتي بلغت في عهده أكثر من (45) إتفاقية ..!وإليكم ما قاله عمر البشير بخصوص المفاوضات مع الحركة الشعبية –شمال حسب الوثيقة المُسرَّبة : (همنا الأول نُفكك الجيش الشعبي بجنوب كردفان وهذا يحتاج لخطوات سياسية ودبلوماسية مع الدول والمنظمات الداعمة لهم، نوقِّف الإمداد ونغريهم بالسلام الزائف) ..! فالمؤتمر الوطني يريد سلاماً صورياً يرتكز على تصفية الجيش الشعبي وتوزيع الوظائف والمناصب كما فعل نميري مع الأنيانيا عام 1972، وكما فعلوا هم كذلك مع العديد من الحركات الثورية المُسلَّحة التي وقَّعت إتفاقيات وهمية وتم إستيعاب رموزها في مناصب أكثر "وهمية".وهو سلوك يتَّبِعه المؤتمر الوطني مع أبناء الهامش حتى من منسوبيه في إطار ما يُسمَّى بالترميز التضليلي (كراسي بدون سلطة)، وغالباً ما يتم تكليف هذه الرموز بملفات وحقائب وزارية وهمية ويكون القرار الفعلي فى أيدى أشخاص آخرون مثلما حدث من قبل مع مكي على بلايل الذى كان مستشاراً لرئيس الجمهورية لشئون السلام بينما كان هذا الملف فى واقع الأمر تحت سيطرة مُطرِف صديق الذى كان يترأسه مكي على بلايل ومن المفترض أن يأتمر بأمره. وحدث كذلك مع لام أكول الذى مُنح حقيبة وزارة الخارجية بعد نيفاشا فى الوقت الذى ذهب فيه مصطفى عثمان إسماعيل بهذه الحقيبة إلى القصر الجمهوري مُستشاراً لرئيس الجمهورية للشئون الخارجية ..!،وقد حاول المؤتمر الوطني نفس الشيىء مع مني أركو مناوي الذى مُنح منصب كبير مساعدي الرئيس (بعد إتفاق أبوجا 2006)، دون أن يُساعد الرئيس فى شيىء لأن الرئيس لم يكن فى حوجة إلى مساعدتهِ أصلاً، إذ أن مقاعد مساعديه لم تكن شاغرة ولا يمكن أن تُخصَّص لأمثال مني أركو مناوي, فقد كان منصباً ديكورياً ليس إلاّ كما قال أركو بنفسه. وهو أحد الأذكياء الذين إكتشفوا "الماسورة" منذ وقت مُبكِّر ورجع إلى جنوده فى ميادين القتال كما فعل من قبله د/ رياك مشار عام 2000م بعد أن وقَّع إتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997. وبعد إكتشافهِ لخدعة الإتفاق عاد مرة أخرى إلى صفوف الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان تحت قيادة الدكتور/ جون قرنق.
أخيراً :
لقد رأينا ضرورة كشف العقلية التآمرية التي يُدير بها المؤتمر الوطني شئون البلاد المصيرية دون أي إكتراث أو إهتمام أو وضع إعتبار لعقول الناس أو كرامتهم وإنسانيتهم، و(سلوك المؤتمر الوطني ..هو سلوك المؤتمر الوطني) ولا يحتاج لأي وثيقة مُسرَّبة، فهو كتاب مفتوح يتم قراءته على مدار 29 سنة منذ إستيلائه على السلطة، وهو حالياً يُخطِّط لشن هجمات عسكرية على مناطق سيطرة الحركة الشعبية- شمال، وبالطبع سيقوم الجيش الشعبي بواجبهِ في حماية المدنيين والدفاع عنهم كما كان يفعل منذ العام 2011، والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال قرَّرت في مؤتمرها العام الإستثنائي 2017 أن تخوض كفاحاً مُسلَّحاَ(طويل الأمد) من أجل نيل كافة الحقوق، وتحقيق أهداف الثورة، وبناء السودان الجديد : سودان علماني، ديمقراطي، لا مركزي، مُتعدِّد ومُتنوِّع، وموحَّد طوعياً..أومُمارسة حق تقرير المصير ..
والنضال مُستمر والنصر أكيد...


المراجع :
1- د - محمد سليمان محمد- السودان :حروب الموارد والهوية – دار كمبردج للنشر – الطبعة الأولى 2000.
2- دكتور/ محمد العوض سكنجة - عبيد الى عمّال.. التحرر والعمالة فى السودان الكلونيالى– مطبعة جامعة تكساس 1996م.
3- 19/ د - قيصر موسى الزين : مسألة الهوية فى السودان : الظاهرة والمنظور - مركز التنوير المعرفى (ورشة عمل قضايا الهوية والإندماج القومى فى السودان) - معهد الدراسات الأفريقية والأسيوية - فبراير 2009م.
4- د. الباقر العفيف- أزمة الهوية في شمال السودان : متاهة قوم سود... ذوو ثقافةبيضاء- ترجمة الخاتم عدلان 1999م.
5- Guma Kunda Komey – Land Governance Conflict & the Nuba of Sudan- Eastern Africa Series 2010.
6- د- أبكر آدم إسماعيل : جدلية المركز والهامش – قراءة فى دفاتر الصراع فى السودان 1997.
7- عادل شالوكا - المناطق المُهمَّشة في السودان : كفاح من أجل الأرضوالهوية - دار الحضارة للطباعة والنشر، القاهرة - الطبعة الأولى 2016.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.