هل مشكلة السودان معقدة إلى هذا الحد المستعصي على الحل؟

وهل هي مشكلة حلول أم قبل ذلك هويات وحقائق؟
نعني بالأولى "هويات" وعي الذات وعلاقتها بالمكان الجغرافي والتاريخ من الماضي إلى اللحظة المعاصرة، أي جدلية التراث والآني. رغم أنه في كثير من الأحيان. بل غالبا. يصعب الفرز بين الاثنين.
ونعني بالثانية "حقائق" تصورات ذات مغزى أو فروض واقعية ذات محتوى أو مضمون يؤدي لتصور ملموس.
فالحديث عن مجرد أمنيات أو آمال لا يمت للحقيقة بصلة، إذ أن الحقيقة لا تبدأ إلا مع تحويل الأمل أو الحلم إلى فعل، كأن تقوم سأزرع. في حين أن الحقائق تبدأ بالذهاب إلى الأرض ومباشرة العمل.
لكن موضوع الحقائق أعمق من هذا التصور، إذ أنه يرتبط بتصور لمجمل ما يحيط بشيء معين من ملموسات أخرى تكفي لتعريفه في سياق معين، ودون ذلك يصبح هذا "الشيء" نفسه غير ذي معنى أو يفتقد للملموسية.
التعقيد يأتي إذن من خلال ضبابية التشكيل سواء للهويات أو الحقائق، فنحن نعيش في حالة تاريخية وعميقة الجذور من حيث غياب التحديد لهاتين النقطتين، وقد باتا محورين أساسين في تحريك الأفكار أو إنتاج ما يمكن الاصطلاح عليه بـ "سوق الأفكار" الذي يقوم بعملية الرفد والتسويق والتبادل المفاهيمي والقيمي ومن ثم يشكل عمليات تبادل نفعية ملموسة وواضحة.
قبل أن يحصل ذلك، فسوق الأفكار هي أرض ثقافية وفكرية ومنطقة خطيرة وصعبة المراس، تتعلق بالجدل الذي يحصل بين الأخلاق والتواجد الإنساني وكيفية تكييف الذات في حضور يجعل لها هوية ويشكل من خلال تلك الهوية المتشكلة، حقيقة الإنسان في الزمان والمكان المعين.
في تاريخ الشعوب دائما هناك نقاط معينة يمكن الانطلاق منها نحو تحديد المشكلة باتجاه الحل مرورا بالإمساك بناصية الحقائق. إذ أن أي تعريف للمشكلة لا يمكن أن يكون دقيقا إلا عبر وعي معين، والتزام "دقيق" بالمنطق التاريخي والجغرافي.
وهي مجموعة متداخلة من الإملاءات التي تصاغ بطريقة متغيرة من فترة لأخرى، بل أنها تخضع لحجم التكييف أو التصور المطلوب لصياغة المستقبل.
الإشكال إن البناء والتحديث والنهضة الاجتماعية من ثم العمرانية والحراك الاقتصادي وتحفيز الإنتاج كل ذلك يعتمد على مبادئ لابد من تأسيسها، ولم يعد الأمر مجرد أطر عشوائية أو نسيج براني لمحاولة تكسب العيش فحسب، كما يحدث الآن في السودان، حيث يتحول النمط العام من الحياة إلى مجرد استهلاك سوقي لكل شيء، فالقيم والأفكار والإنتاج نفسه يصبح قائما على تدوير غير فاعل، لا يقوم على تحريك الحياة الإيجابية والإبداعية أو يدعم الفرص المستقبلية لوعي الحياة.
فأي إنتاج مجتر هو عبارة عن عمل آلي أو طبيعي كما كان يمارس في القرون القديمة لدى الناس الأولين من خلال عمليات كالزراعة أو الرعي أو الصيد أو قطع الأخشاب وغيرها.
اليوم فإن معادلة أي عمل إنتاجي، أو اقتصاد حديث هي سلسلة من المعارف المرتبة عن حقائق.. بيان واضح لكل التفاعلات الممكنة والرافدة لفكرة ومضمون الإنسان وفاعليته في الحيز الزمكاني وتقاطعه مع المحتوى العالمي والكوني. لأن الإنسان ليس مقطوعا من شجرة مفردة، بل هو نسيج غابة العالم.

في الممارسات الإنتاجية التقليدية فإن النظر إليها بعين المعاصر، تجعلها غير ذات قيمة أو تنافسية أو كفاءة في تحريك الوعي والحياة الأفضل للإنسان بإدماجه في المضمون الكوني له، المطلوب والمرتجى. ذلك لأن النسيج الكوني بات معقدا، من حيث مشاكل التنافس المحموم في الكوكب على الفرص والشراكة في الطاقة وارتفاع حركة الابتكار العالمية في مقابل توقف ذلك محليا.
يعني كل ذلك أن فرص الإنتاج التقليدي وممارسته لم تعد تكفي لصناعة الاقتصاد أو الحياة الحديثة، فزراعة الطماطم بذات النمط الإنتاجي قبل قرن لن تعد صالحة، لأن الكلفة الإنتاجية سوف تفوق المستورد الذي سيقل كثيرا. وهو أكثر كفاءة وفائدة أحيانا. بغض النظر عن إشكالات أخرى ليس مجالها هنا، كاستخدام محفزات للتثوير الزراعي قد تكون ضارة بالإنسان.
لكن حقيقة الإنسان في الكوكب بنحو شامل، هي منظور أكيد ولابد منه في قراءة مدخلي الهويات والحقائق. ومن ثم البحث عن الحلول. وهنا يحدث القفز حيث يمكن استيراد الحل المعولم مرات، ويفشل داخل السياق السوداني، بسبب أن هذا النظام لم يمر بالدورة الطبيعة له.
وهذا لا يعني أن هذه الدورة طويلة الأجل، بل قد تكون سريعة ومختصرة. بخلاف ما كان يحصل في الأزمنة السابقة.
فالتغير الذهني والتوعوي ونسج المفاهيم الحديثة قد يتم بسرعة إذا ما تأسس ذلك على بناء مخيال إنساني جديد في فراغ المجتمع، عبر مؤسسة الدولة وهي أقوى المؤسسات. لكنها في السودان هي نفسها محل شك. ما يفتح الاستفهام حول التفكير العميق بشأن موقع المجتمع والدولة والعلاقة بينهما في جدل الهويات والحقائق وصيرورة الإنتاج.
وهنا يكون السؤال؟ هل انتهت الدولة في السودان، أم هي تبدأ الآن؟ أم لم تبدأ بعد؟
يمكن تدوير هذا اللغز بأكثر من طريقة أو اختراع، في حين أن الحل المركزي هو تثبيت حقيقة النفي بهدف الإثبات بدلا من البحث عن "الحقيقة الغامضة"، فتجليات الأزمة تكشف أن ثمة خلل ويجب الانطلاق منه، وهو الحقيقة المؤكدة التي يجب الاعتراف بها من قبل كافة الأطراف المشاركة في العمليات السياسية والاقتصادية والتحديث الاجتماعي حتى لو من باب الهواية، كذلك صناع الفكر والثقافة والفنون أو البعد الثاني من عملية صناعة المجتمع والدولة.
معروف أن أنظمة التعليم هي إطر تعمل على مأسسة الإنسان بجعله، يعيش في نظام معين ومقيد لكنه يفعّله باتجاه الكينونة والوعي الجمعي الذي يشكّل منه إنسانا فاعلا في الحياة الاجتماعية وخدمة الدولة التي هي سياق تشاركي يكون هناك انتباه كبير به ووعي تام بدوره. وهذا غير حاصل الآن في ظل التمزقات القبلية والدعوات الجهوية والمضي نحو محاصصة جعل المجتمع يعيش على السوق الفكرية البائسة، لأن حقيقة العمليات سواء الثقافية أو الإنتاجية لا تقوم على تحريك المستقبل بل هي تعيد تسويق اللحظة الخاسرة في وعاء الأمس، من دون النظر إلى حقيقة التسارع الكوكبي الغامض والكبير، والذي يصعب معه على الذات أو المجتمع أو الدولة القبض على أي ملموس أو واضح.
والمطلوب هو التجريب الواعي في عمل تشاركي يكون مصدره دافعية الأمل والإيمان بالبناء والأفق المفتوح، وجوهره الأساسي هو العمل والممارسة المبدعة التي تحترم الموهبة والإنسان ولا تقدس أي شيء سوى الفائدة المتحققة للكل من خلال الفرد أو العكس، وهذا قد يبدو مجالا فلسفيا لكنه واقعي عندما يكون ثمة تأسيس له من منظور تربوي وتعليمي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////