منظار هابل يلتقط عام 2015 صوراً لبعض مجرات غايةً في الصغر تدور خارج مجرتنا "درب التبانة"، وهي شبه مظلمة تدور داخل حلقاتها مجرات خافتة، دليل على مبعث إشعاعٍ ضعيف، وقد طابقت القياسات التي جمعها منها بحدٍ مدهش ما أتت به حسابات الحاسوب لتحليلاته للنظام المنطقي "لامدا" لكونيات المادة السوداء الباردة، الذي افترضه العلماء الباحثون في كيفية تكوّن الكون منذ الانفلاق العظيم قبل 13.8 بليون عام، حتى اعتبرها العلماء بمقام اكتشاف بقايا أول إنسان في الكرة الأرضية.

فحسب فيض المعلومات التي أتت بها صور منظار هابل للانفلاق العظيم وتحليلاتها بالحاسوب والتي تدفقت عام 1970، انبثق الكون من انفلاق لطاقة غاية في العظم، لا يدرون كيف تأتّى له أن يحدث ولكنه حقيقة ملموسة لوجود أشعةٍ كونية التقطها المنظار وهي في أدنى سلم الذبذبات الإشعاعية، دون أشعة قاما، والتي لا تتواجد ألا عند خلق المادة من الطاقة، ولا تفسير لها إلا أنها صاحبت تكوين الكون وتوقف بثها تدريجياً، ويتم فقط التقاط المنعكس منها على بقية الأجسام الكونية التي تعكسها لغيرها، وهي دلالة على مرحلة التكوين الأولى تلك. كانت المرحلة الأولى مظلمة لأن الانفجار لم تكن به اشعة بموجاتٍ طويلة تدخل نطاق موجات الضوء.
(ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ*فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فصلت، آية: 11، 12
كون الأرض دخان في أول الخلق، فهو مثبت كما أوردنا في الجزء الثالث بأنه غاز الهيدروجين قبيل تأيّنه، وهو أول شكل لكتلة الانفلاق من البروتونات الحافظة للطاقة الكونية عند بدء تحررها من الجاذبية المأسورة فيها، وبتحرك الأشعة الكونية تبدأ عملية التأين الهيدروجيني، وعملية خلق الأبعاد وبالتالي الحجم، وتتوفر فرص التفاعلات.
وفي علم الكيمياء، الهيدروجين له انجذاب (سلبية كهربية) عالي لتزاوج الكترونه الواحد، وله حجم صغير ببروتون واحد، ويضعه ذلك في مقدمة المتفاعلات الأولية، كذلك الأوكسجين له ذرة صغيرة وفي مقدمة السلبية الكهربية، وتفاعله مع الهيدروجين سريع. وبما أن المادتان تواجدهما في الخلق الأول كبير، فالماء من المخلوقات الأولى، وبما أن المعادن التي تحمل سلبية كهربية أعلى كلها بأحجام ذرية أضخم، مما يصعّب عملية الأخذ والعطاء مع بقية الذرات القادرة على التفاعل، فإني أرجح أن الماء هو أول مخلوق مصداقاً لقوله تعالى "وكان عرشه على الماء" س 11، آية 7، ولعل العلم يكشف تلك الحقيقة بإثباتٍ قاطع قريباً إن شاء الله.

السماوات السبع:
قال تعالى في سورة فصّلت، آية 11,12: " ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فقضاهن سبع سماوات في يومين واوحى في كل سماء امرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم "
وقال تعالى في سورة الملك، آيات 3,4: "الذي خلق سبع سماواتٍ طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئًا وهو حسير"

المادة السوداء:
ثمة مظاهر في وقوع الانفلاق الكبير وتمدده، فمن ناحية أولى، لاتزال المجرات تجري مبتعدة عن مركز الانفلاق، ومن ناحية ثانية، عثر الفلكيون عام 1965 على حرارة خافتة جدا في الفضاء هي أثر الحرارة الخيالية الصادرة عن الانفلاق الكبير. حيث يعتقد بعض الفلكيين أن الكون لابد أن يحوي (كتلة مفقودة)، وهي مادة غير مرئية يؤمن الفلكيون بوجودها بسبب أثر جاذبيتها المفسر لبطء توسع الكون، فلو كان الكون لا يضم هذه المادة، لكان قد توسع بعد الانفلاق الكبير بسرعة بالغة فأستحال تكوين المجرات. وفي عام 1998، رصد تلسكوب هابل انشطارات سوبر نوفا متعددة، في أوائل تكوين الكون، ورصدت سرعة توسعها فكانت بطيئة جدا مما أكد أن الكون، الأسرع اليوم، سرعته لا تنقص بسبب الجاذبية، بل تزيد وليس متجه للتوقف والانكماش كما كان معتقداً. هذه الكتلة المفقودة، ملموسة، إذ تبلغ تقريبا خمسة أضعاف الكون [كتلة النجوم والسدم (خامة كونية بدائية)] المرئي، في الحساب، لقوة جاذبيتها في حفظ المجرات في تشكلها وإلا لما تمكنت من أن تنتظم بهذا التوافق. والتفسير الوحيد المتفق مع كل الملاحظات. أولاً المعلوم الآن وجود مُعامل لا يرصدونه فلكياً، أسموه الطاقة الداكنة. يتلو ذلك بحوث مختلفة، أقرب إلى الحقيقة فيها هذه الرسومات الحاسوبية من إدارة الفضاء بناسا:


الظاهرة المؤيدة لتلك الآية حتى الآن أنه:
- يوجد حصر للكون كي لا تهرب اجرامه وتتشتت، وعزوها لاضمحلال قوة الدفع البدائية التي تقل خلال التوسع، ولتقوده في النهاية إلى التقهقر إلى الخلف (والذي كما ذكرنا وجدوا بطلانه عندما رأوا سوبر نوفا قديمة جداً أبطأ من توسع الكون الحالي، مما يدل على توسع الكون حالياً في تزايد، ولكنه محفوظ، حيث لا تتأثر به المجرات في تكوينها) – قوله تعالى " قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ "، وذلك بفعل المادة السوداء التي تمنع السماوات من الهروب، وقوله تعالى: "وأوحى في كل سماءٍ أمرها"، أي بالمادة السوداء تتدبّر توسع مجرّاته ولا تهرب، في آنٍ واحد.
- في رسم الكون المتوسع أعلاه، ترى طبقاتٍ بألوان مختلفة، هي حالات الكون من رؤانا الحالية في مراحل تكوينه وتوسعه بحماية المادة السوداء، وأعلى طبقة هي أقدم محتوى للفراغ الكوني المستضيف لكوننا، ويقدر العلماء تأريخها ب 75 بليون عام، أي أننا لا زلنا في بداية الطريق لرؤية ما قبل الانفلاق العظيم:
وهذا دليل: "ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير" فلا نرى ما سبق تكوين كوننا بعد"
وهذا ما يبدو أنه السماوات السبع (والتي تنتظر البشر في المستقبل للوصول إلى إثبات عددها ليكون سبع) ولكنها الآن تحمل معالم أنها محفوظة بالمادة السوداء والتي ذاتها محفوظة مع زيادة الخلق.
- وقوله تعالى: "في يومين"، وبحساب اليوم 50 ألف في الخلق كما هو معروف في البعث، فمعناها ال 100 ألف عام من الانفلاق العظيم، ويجوز أن يشير ذلك إلى فترة خلق الدخان الكوني وتوسعه إلى نجوم وكواكب متكاثرة، في حفظ المادة السوداء، قبيل مرحلة الاكتمال بانتهاء الدخان وظهور الضوء في ال 300 ألف عام الأولى: طبقة الدخان، وطبقة الكواكب، وهذه تصبح نهاية رحلة خلق السماوات السبع من منظور الفراغ الكوني الأول، الذي يكون محاذيا للسماء السابعة وقتها (والله أعلم).
- "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح" سورة الملك آية 5، يدل على أن السماء الدنيا ليست هي السماء الأقرب إلينا، لأن المصابيح، وهي الأنجم والمجرات والأكوان المكونة (رؤية الكوازي كما ذكرنا في الجزء الثاني) هي التي نراها وهي في طبقات السماوات الدنيا لسمانا.
وفي عام 1929، اكتشف إدوين هابل أن المسافات إلى المجرات البعيدة مرتبطة بقوة بانزياحها الأحمر (لتكسُّر الضوء إلى أصوله السبع من أحمر إلى بنفسجي، نجد المجرات الزرقاء تمثل الخلق الأول كما أشرنا في الجزء السابق، لأن ذبذبة الضوء الأولى في خلقه هي في أدنى السلم، أي البنفسجية، فور تأين الغازات، أي في بداية عمر ال 300 ألف عام الأولى، وبعد تسارع الضوء يصل للذبذبات في نهاية طرفه الثاني وهو الأحمر في حدود ال 80 ألف عام التالية، وهذا الانزياح مقياسٌ لعمر المجرة أو الكوكب).

بهذه الوسائل، تعرّف العلماء إلى وجود:
- فراغ كوني لديه خواصه هو فقط، ولا يختلط مع الفراغ المتولد مع الانشطار العظيم ولا يدخل فيه
- طاقة أسموها بالطاقة السوداء، والتي أصدق ما استطاعوا التماسه فيها، وليس برهانه بعد، هو المادة السوداء، وهي المسئولة عن حفظ الكون كي لا يتشتت وليتدبّر المجرات.
- أنه كلما زادت المواد المنبعثة من المصدر، كلما زاد فراغ الكون ليتسع لها بالامتداد قدماً والالتواء للخارج (كما في منظر الجرس المقلوب أعلاه)، وزادت معه الطاقة السوداء من الفراغ الكوني

وفي الجزء القادم نبدأ بتفسير الآية: "وجعلناها رجوماً للشياطين" سورة الملك، آية 5.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.