قبل أسابيع قليلة توفى عالم الاقتصاد المصري جلال أمين ويظهر جلاله و قوة فكره في كثرة المعزين في رحيله و أول ما يلفت الانتباه أن الأغلبية ركزت على ارتكازه على النقد لتاريخ المجتمع المصري و تاريخ اقتصاده بمعرفة عالم صادق في أن يقوم بدوره في النهوض بالفكر في مجتمعه المصري غير مجامل و لا مغازل لمن يعتقد في أنهم من وضعوا العصي في دواليب حركة المجتمع و ما أصعب حركة المجتمع كما نجدها عصية على التحليل في كتابات علماء اجتماع كثر في العالم العربي و الاسلامي أعياهم جهدهم في سبيل النهوض بمجتمع ما زالت تسيطر عليه الأصنام الذهنية و الذاكرة الأزلية أي ذاكرة محروسة بالوصاية و التراث و ممنوعة من التفكير كما نجدها في كتابات التقدمي الهزيل في ساحة الفكر السودانية مغازلا أصحاب الخطاب الديني المتجسد في خطاب الحركة الاسلامية السودانية كبنت شرعية قد أنجبتها أحزاب الطائفية بعد أن تمكنت منها الشيخوخة.
على أي حال لا يوجد تفسير لمغازلة التقدمي الهزيل لخطاب الحركات الاسلامية سواء جسدته الحركة الاسلامية أو في طموح بيوت الطائفية في سيطرتها على أحزاب تحارب نخبها و بقوة في جبهة هدفها عزل المجتمع السوداني من ان يكون جزء من العالم في تطوره الفكري وفي تحديده للأفكار التي تجسد فلسفة التاريخ و لأي اتجاه اأقرب وهذا ناتج منذ أيام انهيار مؤتمر الخريجيين و تسابقهم بلهفة نحو أحزاب طائفية لا تجسد الا فكرة الأنوية كما تحدث عنها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي.
الغريب قيام سنار في القرن السادس عشر و هو قرن الانسانيين بلا منازع قد تزامن مع ظهور نجم سيد القرن السادس عشر ميشيل دي مونتين ليضع علامة توضح بداية النزعة الانسانية بشكل واضح في نفس اللحظة كان قيام دولة الفونج و قد وضعت علامة فارقة في أن تصبح الميتافيزيقا أرض معركة في السودان و من حينها قد ظل الفكر في السودان غارقا في وحل الفكر الديني الى اليوم و يبعد كل يوم عن النزعة الانسانية و هذا ما يجسد مغازلة التقدميين السودانيين لأصحاب الخطاب الديني سواء جسدته الحركة الاسلامية السودانية و ثمرتها المرة نظام الانقاذ أو في مغازلة أحزاب الطائفية في كتابات تمجد المهدية و ترى في أنها ثورة و كل المؤشرات تدل على أن المهدية لم تكن ثورة أبدا بل كانت ضد الحياة و كل هم المهدي فكرة الخلاص الاخروي و هو قمة فكر لاهوت القرون الوسطى الذي كلف البشرية جهد و حروب كثيرة لكي تتخلص منه بعد أن انتصرت النزعة الانسانية. و نقول ذلك لو قارنا فكر المهدي و هو يصادف نهاية القرن التاسع عشر قرن التاريخ بلا منازع و يصادف نهاية الليبرالية التقليدية نجد في ذلك الزمن فكر أرنولد توينبي الكبير و ليس أرنولد توينبي الذي حمل المثقف الشمالي مسؤلية قيام سودان موحد تقوم على عاتقه أي المثقف الشمالي الذي يخيب ظن أرنولد توينبي بانفصال السودان الجنوبي. فرق كبير بين أرنولد توينبي الكبير كوريث لعقل الانوار و فكر المهدي الذي لا يرى الحياة الا جيفة نتنة وهنا يتضح الاختلاف بين النزعة الانسانية و عقل قرون الظلام الذي جسدته المهدية كابنه شرعية لسنار.
ارنولد توينبي الكبير مقارنة مع المهدي الكبير يوضح لك كيف أن المهدية ماهي الا بنت شرعية لقيام دولة الفونج أي سنار في مفارقتها للنزعة الانسانية و هو سير المهدية في اضطراد مع تاريخ سنار نحو القرون الوسطى و لاهوتها أي لاهوت ما قبل الاصلاح وهو المسيطر على العقل السوداني الى اليوم في معاكسته للنزعة الانسانية التي قد عمت جميع أنحا العالم بما فيه بعض من العالم العربي و الاسلامي كما نجد في طموح السعودية في رؤية تطمح فيها لانجاح فكرة الاقتصاد و المجتمع أي رؤية 2030 و مازال يسيطر على الفكر في السودان خطاب ديني رسمي تجسده الحركة الاسلامية و خفي في دعم الصادق المهدي لها و أخفى منه مغازلة التقدمي الهزيل للخطاب الديني في السودان لكي تبقى الميتافيزيقا أرض معركة الى الأبد في السودان الذي يظن كثر أنه جزيرة معزولة عن العالم في وقت قد زال فيه سحر العالم الذي قد كان يمثله الدين و قد خرج الدين نهائيا من حقول السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و لم يعد له أي أثر فيها.
ففي اوروبا قد احتاجت لألفين عام لكي تخرج الدين من حقول السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و هاهو يصادف هنا في العالم العربي و الاسلامي أنتهاء زمن ألفية الامام الغزالي في آخر رمق في حركات الاسلامي السياسي الذي قد بدأت شمسه في الأفول و أمامك العجز الباين للحركة الاسلامية السودانية و ثمرتها المرة الانقاذ في تدني مستوى المعيشة للشعب السوداني و الأزمة الاقتصادية التي قد أصبحت كعب أخيل الحركة الاسلامية السودانية في سؤ أداها في مجال الاقتصاد.
الغريب في ظل كل الخيبات التي تحيط بالحركة الاسلامية السودانية من كل الجهات نجد من يمد لها يد العون ولكل مآربه ومنها الواضح في الانوية لقيادات الأحزاب الطائفية في غياب أفكار الاقلية الخلاقة و للطائفية مآرب في أن يبقى الخطاب الديني هو الممسك بزمام المبادرة في العقل السوداني من أجل تأبيد الميتافيزيقا لكي تكون أرض معركة و هنا تكون المياة العكرة التي تصاد فيها الطائفية في غياب أفكار الأقلية الخلاقة التي في غيابها لم تزدهر الا أفكار تخدم التوفيق و التلفيق و الترقيع الذي يجسد مؤآلفة عجيبة بين العلمانية و الدين نجده في أفكار جيل زمن الحشود سواء كانت أيام المد القومي و ما ورثته الحركات الاسلامية من فلول القوميين في حشود الاسلام السياسي من كل شاكلة و لون لذلك في غياب فكرة القطيعة مع التراث نجد من يتحدث عن المؤآلفة بين العلمانية و الدين و من يغازل الطائفية في أن المهدية ثورة ومن يتحدث عن الشريعة و الاستعمار و يروج لكتابه الجديد عن الحداثة بخلط لا ينتج الا من الذين قد ولدوا من رحم سنار المهدية الانقاذ بذاكرة محروثة بالوصاية و التراث و ممنوعة من التفكير و هذا هو عقل التقدمي الهزيل و الى هنا يمكننا أن نستلف من جلال أمين عالم الاقتصاد المصري المذكور في مقدمة المقال سؤاله ماذا حدث للسودانين بدلا من المصرين في سؤاله كعالم اقتصاد قد درس تاريخ المجتمع المصري و تاريخ اقتصاده بشكل يوضح لك أنه كان يمثل عتبة مهمة في سلم الأقلية الخلاقة.
ما الذي حدث للشعب السوداني؟ قد تأخر الشعب السوداني في أن يبدأ مسيرته من أجل اللحاق بموكب البشرية الذي يقوده مجد العقلانية و ابداع العقل البشري حتي لو قارناه بالشعب المصري الذي بدأ مسيرة الحداثة مع اليابان في علاقتها مع الغرب من أجل أن تلحق بركب البشرية فقد نجحت اليابان و فشلت مصر أما نحن في السودان لم تكن لنا حتى محاولة مصر للحداثة مع محمد علي باشا ورغم ذا يتسأل جلال أمين ما الذي حدث للمصريين؟.
أن الشعب السوداني يعيش داخل حلقة مفرغة و محكمة الاغلاق في زمن قد أصبحت فيه الحداثة تمثل الماضي الروحي للانسانية الحالية بعد أن قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس لتفتح الطريق أمام مسيرة العقل و الفرد و الحرية متجاوزة العرق و المعتقد تسوقها معادلة الحرية و العدالة لتعلن عن عالم يؤمن بالتعدد الثقافي و هذه الحلقة المفرغة و محكمة الاغلاق لا يمكن فكها و الشب عن طوقها من قبل التقدمي الهزيل أو صاحب المؤآلفة العجيبة بين العلمانية و الدين فلا يمكن فكها الا من خارجها باستعداد الشعب السوداني الى القطيعة مع تراث سنار المهدية الانقاذ عندما يتيقن الشعب السوداني أن من يريدون اعطاء الشرعية للانقاذ في محاورتها أو خوض انتخاباتها ينطبق عليهم قول السيد المسيح أعمى يقود أعمى حتما سيكون مصيره قعر الهاوية.
أما انت ايها الشعب السوداني فانت ملح الأرض و كما يقول السيد المسيح اذا فسد الملح فبأي شئ يملح؟ ايها الشعب السوداني انت ملح الأرض و على موعد مع التاريخ لا يربطك به جهد النخب الفاشلة بل علاقتك مع ميراث الانسانية وقد استلفت الانسانية في ميراثها من تاريخ الحضارة السودانية القديمة و يمكنكم الآن الاستلاف من ميراث الانسانية بلا خجل و لا وجل أي يمكنكم استلاف فكرة القطيعة مع التراث من ميراث الانسانية كرد جميل للحضارة السودانية القديمة لأنها قد أعطت من قبل الكثير لميراث الانسانية.
بالمناسبة في مجتمع يسيطر على قمة فكره التقدمي الهزيل و على فكرة أن التقدمي الهزيل هو الوصف الذي وصف به الفيلسوف الفرنسي جان دورميسون وصف به سارتر أيام تطرفه في دفاعه عن الشيوعية وكان يصف كل من لم يدافع عن الشيوعية فهو كلب فقد قال له جان دورميسون أن الكاتب الرجعي أفضل من التقدمي الهزيل و ما أكثرهم عندنا في دفاعهم عن الخطاب الديني سواء في مهادنة خطاب الحركة الاسلامية السودانية أو مغازلة الطائفية كما كتب أحدهم عن المهدية كثورة.
نكرر نحن في زمن قد زال فيه سحر الدين وقد تأكد خروجه النهائي من حقول السياسة و الاقتصاد و الاجتماع وقطعا لا يعني هذا الالحاد كما يقول جون لوك أن المطلق الوحيد الذي يجب الايمان به هو فكرة فصل الدين عن الدولة سواء كان دين الانقاذ أم دين الطائفية في وسطية الامام الصادق المهدي نحن في زمن قد أصبح على الدين أن يقبل حتى بالتناقض و يستوعب في داخله حتى الذين قد نفد رصيدهم من الايمان كما يقول فيلسوف مصر عبدالرحمن بدوي. كفاية متاجرة بالدين سواء من قبل الحركة الاسلامية السودانية و من بيوتات الطائفية و من يغازلهم من النخب الفاشلة فحركة التقدم التي قد انتظمت في العالم ستجبر من يتسكع عن اللحاق بموكب البشرية ستدفعه دفع باللحاق و هو مجبر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////