في خواتيم التسعينات من القرن الماضي اعلن عن انعقاد للجمعية العمومية لنقابة المحامين السودانيين لانتخاب لجنتها التنفيذية وكان قد شملها قرار الحل الدي طال كافة النقابات المهنية بموجب بيانات انقلاب 30 يونيو 1989م. و أسند النظام إدارة تلك النقاابات بعد دلك للجان تسيير من الموالين للنظام. و في ملابسات هذا الإعلان نسب إلي قيادي نافذ في تنظيم الإسلامويين وقتها تحذيره لكوادر حزبه في النظام بقوله: " بان فوز قوى المعارضة بمقاعد لجنة نقابة المحامين لا يقل خطرا على بقاء النظام من سقوط مدينة جوبا في ايدي مقاتلي الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق". و يبدو أن النظام قد أخذ هذا التحذير محمل الجد وعمل بكل ما أوتي من قوة لمنع قائمة قوى المعارضة من الفوز بمقاعد لجنة نقابة المحامين و كانت بالفعل قاب قوسين او ادنى دلك، لو لا تدخل النظام ومنسوبيه بمحاولة تزوير مكشوفة ومفضوحة بغية إلغاء عملية الاقتراع برمتها وقد كان.و يؤكد القول المنسوب إلي القيادي الاسلاموي بشأن انتخاب لجنة نقابة المحامين معرفة النظام جيدا مكامن القوة في حركة المعارضة من جهة ويلخص من جهة اخرى اسباب زهد نظامهم عن التعويل على نفوذ جماهيري يعلم انه شبه معدوم و لذا كان رهانه على القبضة الامنية وترسانة التشريعات المصادرة للحرية وعلى إعمال عنف جهاز الدولة وبطشه وقمعه لاسكات اي صوت معارض ولحظر اي نشاط يشكل خطرا على بقاء نظام حكم الفرد المطلق الشمولي.

و لا غرابة في أن يعرف الاسلامويون حجمهم و وزنهم مقارنة بأحجام اوزان منافسيهم في الصراع السياسي لأنهم لم يأتوا إلي الحكم من كوكب آخر بل خبروا الصراع السياسي الاجتماعي في السودان منذ أواخر اربعينات القرن الماضي ونشأ قادتهم وكوادرهم في اتون هذا الصراع وخاضوا معاركه ولكم تجرعوا غصص ومرارات الهزائم فيه مرات ومرات. ولذلك فإن غير المخدوعين من قادتهم بالدات يعرفون جيدا حجم تنظيمهم المجهري و مدى ضآلة نفوذه الجماهيري الفعلي مقارنة بحجم ونفوذ القوى السياسية والإجتماعية الاخرى المعارضة لنظامهم والساعية لاسقاطه. و مع دلك فإن النظام يصر على المراهنة على الفرس الخاسر فالقمع والبطش والتنكيل مهما تصاعدت وتائره لا يبقي نظاما مثله في الحكم. فاختار النظام منذ اتفاقية نبفاشا لسنة 2005م وحتى اليوم ان يناور لتسويق فكرة لا يجمع جامع بين عنصريها الرئيسيين المتمثلين في رغبته في بقاء الحال على ما كان عليه قبل نيفاشا وفي رغبته المستحيلة في ذات الآن لنيل مباركة القوى المعارضة و قبولها إعطائه شرعية تفتقر إليها منذ فجر 30 يونيو 1989م المشؤوم. وفي هذا الإطار كانت إتفاقيات نيفاشا نفسها والقاهرة وأسمرا وما عرف أخيرا بحوار الوثبة.

ولكن سعى النظام لتحقيق هدفه المستحيل التحقيق لم يكن غائبا عن وعي قوى المعارضة الجادة فهي بتجاربها العديدة معه قد خبرت حيله وألاعيبه ولم تشأ أن تحيق بها الندامة بتجريب المجرب فاشترطت الاستجابة المقدمة لطلباتها حتى تقبل المشاركة في أي حوار وتمسكت بتلك الشروط بمبدئية عرفت بها. ولو كان النظام جاداً في الدعوى لحوار يقود إلي تجاوز الأزمة لقبل بشروط، ما كانت تعجيزية أو مستحيلة لمن اراد التوافق على حل بمشاركة من يطالب الآخرين بل أكثر من عادية. ولو النظام قد استجاب لشروطها لقبلت قوى المعارضة المشاركة في حوار يفترض أن يضع حدا للأزمة لأنها في الأصل ما رفضت ما عرف بـ "مهزلة" حوار "الوثبة" رفضا لمبدأ الحوار او لاحساسها بانها في سعة من امرها تماما كالنظام الدي إستورط نفسه في مأزق تاريخي. ففي ظروف الصراع المحتدم بكل أشكاله العسكرية والمدنية وخلافها من الطبيعي انهاك قوة طرفيه وهما المعارضة سواء بسواء. وفي ظل توازن قوى الضعفاء من الطبيعي أن يعجز ايهما عن حسم الصراع لصالحه في وقت قصير. وفي مثل هذه الحالات تفرض ظروف الصراع الموضوعية وظروف طرفيه الذاتية عليهما الخضوع لشروطها. وبالخضوع لها كانت اتفاقية نيفاشا الثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية رغم تحويل الأول حربه مع الثانية إلي جهاد ديني مقدس، و كان ما تلى نيفاشا من أن القوى التي استبعدت من مفاوضات اتفاقيتها ودستورها الانتقالي، رأت في الوثيقتين رغم ثنائيتهما توجهاً لحل ازمة الوطن المستفحلة عن طريق اصلاح هيكلي وتشريعي فقبلت بمبادئها العامة رغم عدم توقيعها عليها. انصرفت القوى السياسية بكل نواياها وصادق رغبتها للحل السلمي التوافقي للأزمة وما شذ عن تلك النوايا والرغبات الوطنية الا المؤتمر الوطني (وللغرابة!! المنفرد في صنع الوثيقتين مع الحركة الشعبية). ففي الوقت الذي كانت المعارضة تقبل فيه بوجه عام مبادئ اقرتها وثائق لم تشارك في صنعها للحفاظ على الوطن الموحد ارضا وشعبا ومنعه من الانشطار والتشظي كان المؤتمر الوطني لا يرى في ترتيبات نيفاشا سوى مجرد صفقة سياسية يعقدها مع الحركة الشعبية لاطالة حكمه ولا يرى في فترتها الانتقالية سوى سانحة يبتهلها لالتقاط انفاسه لكي يعد العدة لمرحلة جديدة من العمل لاستدامة بقائه في الحكم ولو على اشلاء الوطن و جراحات وعذابات شعبه. لذا نكص عن كل ما التزم به في الاتفاقيات وحرص على حصوله على كامل حقوقه في توزيع السلطة والثروة والوظائف التي ضمنها بنفسه نصوص الدستور الانتقالي لسنة 2005م بينما جعل(في المقابل) دبر اذنيه كل نصوص ذات الدستور الكافلة والحامية والضامنة لحقوق غيره ومنها الزامية التحول الديمقراطي وتفكيك دولة الحزب واحلال دولة المواطنة وسيادة حكم القانون محلها وكذلك ضرب عرض الحائط بباب وثيقة الحقوق في الدستور.

عندما انفض سامر نيفاشا بتشظي وانشطار السودان وانفصال الجنوب عنه فكر النظام في الحلقة القادمة في سلسة انقلاباته المستمرة مند صبيحة 30 يونيو 1989م المشئوم. فهداه تفكيره إلي الدعوة لـ "حوار الوثبة". فاستجاب بعض قوى المعارضة دون قيد أو شرط، و تمسك ما تبقى منها في قوى الإجماع الوطني بشروط لمشاركتها في الحوار نجملها في إلغاء القوانين المقيدة للحريات واطلاق الحريات العامة و منها حرية التنظيم والتعبير والتجمع والاحتجاج ...الخ ويقع قانون الانتخابات (صناعة ارادة حكم الفرد المطلق ) ضمن القوانين المطالب بتعديلها بالطبع.

لم تكن قوى الرافضة للمشاركة في "مهزلة" حوار "الوثبة" ترجم بالغيب عندما قاطعت ذلك الحوار وبررت تلك المقاطعة بان النظام غير جاد في حل ازمة الوطن المستفحلة والمتفاقمة وانه لا يقصد بالدعوة للحوار شيئا سوى الحصول من القوى المعارضة له على شرعية زائفة لحكمه للعمل على توطيد اركان حكمه اكثر بمباركة معارضيه وتأبيده (حتى يسلموه لعيسى كما صرح احد قادتهم ). وقد صدقت نبوءة قوى المعارضة الرافضة للمشاركة في "مهزلة" ما عرف بحوار "الوثبة " وثبت بالدليل المادي صحة وسداد قراءاتها واستنتاجاتها ليس بقولها فحسب بل بقول القوى التي شاركت في الحوار. ففي الايام المنصرمة نشر موقع صحيفة الراكوبة من مصدرها في الخرطوم ما يلي:
" رفض حزب المؤتمر الشعبي خوض إنتخابات 2020م دون تعديل قانون الإنتخابات ـ طلب قوى الإجماع هو الإلغاء وليس التعديل كما أورد ممثل المؤتمر الشعبي هنا الكاتب ـ وتنفيذ توصيات الحوار الوطني كتعديل القوانين المقيدة للحريات وإطلاق الحريات العامة بما يتماشى مع مخرجات الحوار الوطني. وصرح مسؤول دائرة الإنتخابات بالمؤتمر الشعبي إبراهيم الكناني بأن الشعبي لن يمنح المؤتمر الوطني شرعية زائفة". و لا ندري هل يعتقد المؤتمر الشعبي حقا ان المؤتمر الوطني كان يريد منه اكثر مما اعطى؟؟! من كان يعتقد ذلك فقد أخطأ التقدير لأن بعض قيادته وكوارده تعرف أنه قد اعطى الوطني كل ما كان يحتاجه ومطلوبا منه في تلك المرحلة. ولو ان الوطني يحفظ الجميل لقال للشعبي"شكر الله سعيكم" ليتفرغ لمهام المرحلة القادمة التي لن يؤثر عليها او يوقفها عدم خوض الشعبي لانتخابات 2020م فهي انتخابات معروف الفائز فيها قبل جريانها وقيامها وعدم قيامها سيان فالعبرة لدى المؤتمر الوطني دائماً بنتائجها ومحصلتها النهائية.

نخلص من كل ما تقدم بان موقف المعارضة الجادة من الدعوة للحوار كان مبنيا على ان اي حوار لا يفضي الي تفكيك دولة الحزب الشمولية باجهزتها وتشريعاتها واحلال بديلها الديمقراطي القائم على التعددية محلها و يضمن كفالة الحقوق على أساس المواطنة و يبسط سيادة حكم القانون هو حوار الغرض منه اطالة عمر النظام واستدامة بقائه في الحكم. و كما أسلفنا القول فهده المطالب طبيعية ومنطقية لمن أراد إشراك كل السودانيين في المشاركة في إدارة شئون حياتهم. و لكن النظام يستميت في رفض هده المطالب لمعرفته (غريزياً) ان الاستجابة لها هي بداية استرداد الشعب لادوات نضاله المجربة الفعالة في مقارعة الانظمة الدكتاتورية وهزيمتها واسقاطها وبالتالي فهي بداية النهاية له كنظام جاء بالسلاح وباق بعنف جهاز الدولة وتشريعاته القمعية.

نحن نثق في أن النصر معقود بارادة الشعوب التي لا يحول دونها السيف والسياف والنطع و لا تمنعها المشانق والرصاص. فإلى اين سيذهب النظام من غضبة الشعب وثورته عندما تندلع؟؟ لما تهب عوصفنا ما حيلة قوانينك؟ ونحن في خواتيم شهر اكتوبر الاخضر وذكرى ثورة الشعب المجيدة تضمخ سماوات الوطن تستدعي الذاكرة في هذا المقام قصيدة المناضل الثوري الشاعر الراحل شاكر مرسال التي حاكم بها انقلاب 17 نوفمبر 1958م و يقول مطلعها:
ولدت سفاحا فما انت حر
فواجه مصيرك أو فانتحر.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.