أحياناً يكون الفارق بين الحزن والفرح هو المعادل الموضوعي للفارق بين الشفق والغسق، فالإحمرار المشترك بينهما لا ينفي التناقض بل يكرسه.

"الكمنجاتُ تبكي"، يقولُ محمود درويش .. ويقولُ بعضُ الموسيقيين إنّ العودَ أيضاً يحزنُ ويبكي حتى توشكَ أوتاره على أن تتقطع، لكنّ دموعَهُ تتجه للداخل ويلمُّها في تجويفِ بطنه الخشبي كي لا يراها أحدٌ من الناس، لأنه منذورٌ لِنَشْرِ الفرحِ ولو على حسابِ حزنه الخاص .. هكذا بدا لي أبو عركي البخيت حين زرته في بيته مساء الأمس برفقة عضوي حزب المؤتمر السوداني محمد عثمان المبارك ومواهب مجذوب .. وجدناهُ في تمامِ ذاتِهِ المبدعة، والصدق والبهاء المُقيمَيْنِ في عينيه وصوته .. وجدناهُ مسكوناً بالهَمِّ العام وموجوعاً بالمعاناة التي تثقل كواهلَ شعبه، ومملؤاً بالأمل .. وثابتاً على خَطِّ الوفاء، حيث أسمعنا قصيدةً حديثةً له يقول في مطلعِها:

سأردُّ جميلَكَ أضعافاً من كَبِدي ومن شُعَبي
وأردُّ الصّاعَ صاعَيْنِ لمن عاداكَ يا شَعْبي

لم تَكْفِ عَشْرةُ أشهرٍ كي يَبْرُدَ صلصالُ الحزنِ على من غَيّبَتْها عنه غيومُ الرحيلِ الأبدي - عليها رحمة الله ورضوانه - وتركت البيتَ كمزهريةٍ يثرثرُ فيها غيابُ الورد، لكنّ أبا عركي قرر أن يغرز أصابعه في صلصالِ حزنه الخاص ليواصلَ النّحْتَ على منصة الإبداع الملتزم بخدمة حلمٍ نبيل .. هكذا سعدنا حين أخبرنا أنه يعكف على عددٍ من الأعمال ليبثها قريباً بصوته لجمهوره.
ذلك الصوتُ الذي يرشحُ منه الشجن، يملأُ القلوبَ قبل الآذان، ويلتصقُ بالأرضِ ليشمّ رائحتها ويبشر بوطنِ الحرية والسلام والحب والجمال.

مرحباً بك يا أبا عركي، مخترقاً سياج الحزن، لِتُغَنِّي مع الفيتوري لطفلِ التضحية "الذي يولدُ خلفَ كلِّ صرخةٍ يُسْكِتُها الطغاة" .. ولِتَرْفعَ آذانَ صبحِ الخلاص مع هاشم صديق وتشدو معه لذاك الذي "ما بِهادِنْ وما بِلايِنْ حتى لو لَامَسْ نهايتو" .. ولِتَحْكي مع عز الدين هلالي "عن المبادي وعَنِّكْ إنْتِ يا بلادي" وعن تلك "العلاقة المستحيلة الممكنة".

مرحباً بك، عائداً إلينا من كلِّ الجهات، لتواصلَ الحِداءَ الذي يُبَدِّدُ وحشةَ ليلِ القافلة في مَسِيرِها نحو فجرٍ جديد.

*أمدرمان - 5 نوفمبر 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.