وصف السيد /عبدالرحيم حمدى وزير المالية الأسبق ؛ وصف السودان بأنه (بلد البدع). و ذلك أثناء حديثه فى برناج حال البلد فى قناة S24 مساء يوم الخميس الرابع من شهر أكتوبر2018 معلقاً على آلية تحديد سعر صرف الجنيه السودانى التى أعلن عنها، فى صباح نفس اليوم، محافظ بنك السودان المركزى الدكتور محمد خير الزبير وأطلق عليها إسم آلية (صناع السوق) . و أتفق مع السيد/ عبدالرحيم حمدى فى إن تلك الآلية (بدعة).ولكن لا يستطيع عبدالرحيم حمدى أن ينكر إن أفكاره ومقترحاته التى عبر عنها فى جريدة السودانى عدد الخميس 4 أكتوبر 2018 وجريدة الصيحة أعداد الأحد 9 سبتمبر2018 ، والأربعاء12سبتمبر2018، و الأثنين 17سبتمبر2018 وربما عبر عنها فى مواقع أخرى و خاصة الإجتماعات التى شارك فيها ؛ قد أحدثت تلك الآراء و المقترحات تشويش كبيرأدى إلى (البدعة).و سوف أعود إلى تلك الآراء و المقترحات فى مقال منفصل بإذن الله.و على الرغم من موقف السيد/ عبدالرحيم حمدى المتعالى و الإستفزازى ووصفه للآخرين بالقول the so- called economists ولكننى أقدر كثيراً جرأته و صراحته فى التعبير عن آرائه.
ثلاث طرق رئيسية للتبادل( البيع والشراء) فى كل الأسواق: فى عالم اليوم يتم بيع و شراء السلع والخدمات والنقود والأوراق المالية مثل شهادات ملكية الأسهم وسندات الدين والعقارات وغيرها بواحدة أو أكثر من طرق التبادل (البيع والشراء) الثلاث المعروفة وهى أولاً طريقة العروض الآحادية و ثانياً طريقة العروض المزدوجة و ثالثاً طريقة الدلالة auctionأو المزايدة والمناقصة .وفى طريقة العروض الآحادية يقوم البائع بعرض سلعة أو خدمة للبيع ويعلن عن السعر الذى يريد أن يبيع به و يتفاعل معه من يرغب فى الشراء بقبول السعر المعلن أو المفاوضة مع البائع و محاولة تخفيض السعر. وهذا ما تفعله النساء عادة .أو يحدث العكس بأن يعلن من يرغب فى الشراء عن السلعة أو الخدمة التى يرغب فى شرائها و السعر الذى يكون مستعداً لدفعه و يتفاعل معه من يرغب فى البيع بقبول السعر أو المفاوضة لرفعه.و الصفة الأساسية التى تميز طريقة العروض الآحادية هى أن العرض يكون إما عرض بيع أو عرض شراء ولهذا تسمى بطريقة العروض الآحادية.وهى الطريقة المعمول بها فى أغلبية الأسواق بما فيها أسواق الأوراق المالية و أسواق النقود.أما فى طريقة العروض المزدوجة فإن مقدم العرض يقوم بدور مزدوج لأنه يكون بائعاً و مشترياً فى نفس الوقت ولذلك يقوم بالنسبة لسلعة أو ورقة مالية أو عملة محددة بعرض سعرين ، سعر للبيع وسعر للشراء.والأسعار التى يعلنها غير قابلة للتفاوض ولكن يقوم هو بتغييرها سحب حالة السوق.ويبيع لمن يرغب فى الشراء و يشترى ممن يرغب فى البيع بالأسعار المعلنة. وخير مثال لنظام العروض المزدوجة بيع العملات فى الصرافات و البنوك حيث يشاهد القارئ الكريم شاشات كبيرة مكتوب عليها أسماء العملات و تحت كل عملة أسعار البيع والشراء التى يكون البنك أو الصرافة مستعداً للتعامل بها. وهذا النظام هو المعمول به فى كل الدنيا بالتقريب حيث توجد سوق حرة للعملات.أما نظام الدلالة أو (المزايدة و المناقصة) فهو يقوم على قيام دلال بالإعلان عن السلعة أو الأوراق المالية أو النقود أو غيرها المعروضة للبيع ويطلب ممن يرغبون فى الشراء التنافس فى زيادة السعر ( المزايدة) و قد يفعل العكس فى حالة الإعلان عن عرض للشراء(المناقصة).وتستخدم الدلالة على نطاق واسع بواسطة الحكومات لبيع و شراء الأصول المالية مثل العملات و الأوراق المالية. ولكن أين موقع صناع السوق؟
من هو صانع السوقmarket maker؟
صانع السوق تاجر للأوراق المالية أو أى شئ آخر يبيع و يشترى بنظام العروض المزدوجة الذى شرحته أعلام ولكنه يختلف عن التجار العاديين الذين يتعاملون بنظام العروض المزدوجة فى أمر أساسى هو إنه ملزم وأكرر ملزم بمقتضى الترخيص الممنوح له ويعطيه بعض الإمتيازات؛ ملزم بتوفير السيولةliquidity للورقة المالية التى يتعامل فيها.والمقصود بالسيولة سهولة بيع الورقة المالية بسرعة و يسر و تكاليف معقولة.ويخضع صانع السوق لقواعد سلوك محددة يساءل ويعاقب على مخالفتها.و بورصة نيويورك للأوراق المالية هى أشهر سوق فى العالم فيها تعامل بنظام صناع السوق.
بدعة محافظ بنك السودان المركزى :
يقول المنجد فى اللغة العربية المعاصرة أن البدعة تعنى: ( المحدثة الجديدة). و تعنى كلمة محدثة مصنوعة أو مبتكرة.و هكذا تكون البدعة هى الشئ أو التفكير أو التصرف الجديد وغير المألوف. وقد تكون البدعة حميدة و قد تكون ضارة ومذمومة.ولكن كيف و لماذا آلية (صناع السوق) التى تحدث عنها محافظ بنك السودان المركزى الدكتور محمد خير الزبيربدعة؟
حسب التوضيح الذى جاء فى صحف يوم الجمعة الخامس من أكتوبر 2018 تقوم فكرة آلية صناع السوق على تكوين لجنة من ممثلين للبنوك التجارية وشركات الصرافة وخبراء تكون مسؤولة عن تحديد أسعار العملات بقرارات تصدرها اللجنة يومياً و بدون تدخل من بنك السودان المركزى.ولا علاقة لهذه اللجنة بنظام صناع السوق الذى شرحته أعلاه. وليس فيها تحرير لسعر صرف الجنيه السودانى كما قال الدكتور محمد خير الزبير و هو محق فى ما قال. ولذلك هى بدعة ومحاولة للإستمرار فى نظام تحديد أسعار العملات بقرارت إدارية إعتباطية تصدر من بنك السودان المركزى . والنظام الجديد تعبير صادق عن المزاج و المنهج التحكمى للدكتور محمد خير الزبير الذى أعرفه منذ العام 1981. رجل هادئ الطبع و ودود ولكن بحكم عمله لمدة طويلة فى مجال التخطيط الإقتصادى تشكلت عنده ذهنية تحكمية لا تتفق مع مطلوبات التصدى لتحديات الواقع الإقتصادى الذى يعيشه الشعب السودانى اليوم. وقد يذكر القارئ الكريم إننى قد قلت فى مقالى بعنوان: (معتز موسى بين موجهات الرئيس البشير و تمترس المتمكنين) قلت:
(( يأتى على رأس مطلوبات تحسين معيشة الناس ،حماية الدخول الثابتة و المنخفصة من المزيد من تآكل قيمتها الشرائية بسبب الإرتفاع المتواصل لأسعار السلع و الخدمات بمعدلات عالية ؛ وتوفير فرص العمل المنتج و تحسين خدمات التعليم و العلاج .و يتطلب إإستقرار الأسعار إجراء واحد رئيس هو توقف الحكومة توقفاً كاملاً عن طباعة العملة لتمويل صرفها تحت أية ذريعة. ولا يوجد مبرر دينى أو أخلاقى للمضى فى المزيد من إفقار الناس وتجويعهم. ودعوة البعض إلى مواصلة طباعة العملة بحجة زيادة الإنتاج ؛ تدل على خلو قلوبهم من الرحمة و إستخفافهم بمخاطر المزيد من إفقار الناس و تجويعهم. وعندما تتوقف الحكومة عن طباعة العملة لتمويل صرفها فإن ذلك سوف يؤدى مع زيادة الإنتاج إلى إستقرار الأسعار الذى يعنى زيادتها بنسبة لا تزيد عن (2%) و بالأكثر (3%) فى السنة .وسوف يؤدى إستقرار الأسعار الذى يتزامن مع زيادة الصادرات ؛ سوف يؤدى إلى إستقرار سعر صرف الجنيه السودانى.أما تحريك دولاب الإنتاج لتوفير فرص العمل المنتج و تنويع و زيادة الإنتاج و رفع الإنتاجية و زيادة الصادرات فإنه لا يتطلب دخول الحكومة فى مشاريع صناعية أو زراعية أو خدمية صغيرة أو كبيرة بل يتطلب إجراء واحد رئيس هو إطلاق الطاقات الإنتاجية لكل السودانيين رجالاً و نساء؛ وأكرر إطلاق الطاقات الإنتاجية لكل السودانيين؛ عن طريق:
أولاً المساواة الكاملة و العدل بين كل السودانيين فى ممارسة الأنشطة الإقتصادية بدون محاباة او مضاداة على أساس الإنتماء الحزبى أو القبلى أو الجهوى أو الدينى و بإختصار بدون تمكين.
ثانياً خروج الحكومة الكامل من السوق و ترك المنتجين و الموزعين الخواص يتنافسون فى سوق حرة ليس فيها موانع لدخول السوق والخروج منه و ليس فيها إحتكار ولا قيود تعطل حركة عناصر الإنتاج ( راس المال و القوى العاملة و إستخدامات الأرض) مثل شرط إعداد دراسة جدوى ممن يتقدم بطلب ترخيص مشروع. وليس فيها تحديد للأسعار بما فيها سعر صرف العملة بقرارات إدارية. ولكن ؛ ولا يعنى خروج الحكومة من السوق عدم تدخلها لحماية الأمن الوطنى أو البيئة أو أمن وسلامة المنتجين أو المستهلكين.
وثالثاً إزالة القيود والخوانق التى تعطل الإستثمار والإنتاج والتوزيع وخاصة خوانق البنيات التحتية مثل النقل والكهرباء والماء والتعليم والعلاج و النقص الكبير فى العمال المهرة. و هناك فرص كبيرة للإ
عتماد على القطاع الخاص المحلى و الأجنبى للمساهمة فى إزالة تلك الخوانق فى حالة تطبيع و تحسين علاقاتنا بالعالم الخارجى( و كفاية عنتريات جوفاء)).
و لا تتفق بدعة( آلية صناع السوق) مع مطلوبات إطلاق الطاقات الإنتاجية لكل السودانيين ولا مع شعار: (الإنتاج للتصدير) الذى يردده رئيس مجلس الوزراء معتز موسى ولا تتفق مع الدرس الأساسى لتجربة الحياة فى كل الدنيا وهى إن تحديد الأسعار بقرارات إدارية سياسة فاشلة فى الوصول إلى أية مقاصد نبيلة و ضارة بالنشاط الإقتصادى و تفتح أبواب الفساد من رشوة وإبتزاز وإساءة إستخدام السلطة بالمحاباة و المضاداة وتحقيق المصالح الشخصية.
إلغاء الآلية و المغادرة فى هدوء:
إننى أطالب الدكتور محمد خير الزبير بإلغاء آلية صناع السوق وترك تحديد أسعار العملات للبنوك التجارية و المصارف و الجمهورحيث يجرى التداول بنظام العروض المزدوجة.وبما إنه رجل ميسور الحال كما يقول معارفه و لا يحتاج للمنصب للتكسب ؛ ولأن طريقة تفكيره و منهجه فى إدارة الإقتصاد و شخصيته اللطيفة و المتساهلة لاتتفق مع مطلوبات مواجهة الواقع الإقتصادى السودانى اليوم؛ فإننى أتوقع منه مغادرة منصب المحافظ طوعاً و فى هدوء ليعين شخص مناسب فى محله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////