تناول المقال السابق دور المعارضات السودانية المتوالية في ترسيخ أنموذج الدولة السودانية، وانتهى إلى أن المنظومة السياسية المعطوبة التي تتقلب بين الحكم تارة والمعارضة تارة أخرى تمثل جرثومة العمل السياسي والمسئول الأول عن انتهاج الممارسات السياسية العقيمة التي تفاقم الأزمات وتعيد انتاج أنموذج الدولة الفاشل، مرة بعد أخرى. وسيتناول هذا المقال لماذا تأخر حدوث التغيير حاليا وما الذي يجب أن نشرع فيه لكسر منوال الأنظمة الفاشلة لبدء التحول عن الأنموذج السياسي الذي ظلت تمثله هذه الأنظمة إلى أنموذج سياسي جديد.

صناعة التغيير على الطريقة السودانية
"أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره". جورج سانتيانا
نعلم من تاريخ السودان الحديث بوقوع تسع محاولات ناجحة لتغيير نظام الحكم في السودان منذ الاستقلال وإلى الآن، لكن ولسوء الحظ دائما ما كان ذلك التغيير يجري من سيء لأسوأ. حاولت فرضية أنموذج الدولة السودانية في المقالات الثلاثة السابقة ايجاد نوع من التسبيب لحظنا العاثر مع محاولات التغيير، و حاولت تقديم بعض التفسيرات لهذه الظاهرة الجديرة بالاهتمام، واهتمت بمتابعة بعض الملاحظات المحيطة بها. ومن ضمن الملاحظات التي لم يتم الاشارة إليها سابقا والمتعلقة بمسألة التغيير، إزدياد مدة الفترات التي تسبق القيام بتغيير شعبي، أي فترات الحكم العسكري، وتطاولها في كل مرة عن سابقاتها فيما يشبه المتوالية الهندسية، مما يشي بوجود نمط مُعيًّن خلف هذه الظاهرة يتشكل لسبب ما. والوقائع المختلفة قد تقودنا إلى عدة أسباب منطقية، نذكر منها هاهنا تعلُّم الأنظمة الاستبدادية على كيفية مقاومة التغيير باستفادتها من تجارب الأنظمة السابقة لها، تغيُّر التركيبة الديموغرافية في المدن والأقاليم السودانية بوتيرة متسارعة، اختلاف ايقاع الحياة اليومية وتسارعه وانشغال الغالبية بتوفير الضروريات الحياتية لأنفسهم وأسرهم، وتزايد الإقبال على الهجرة كحل فردي سريع وناجع. وبالاضافة إلى ماذكر، وإذا أردنا أن نركز على حالة تأخر حدوث التغيير مع هذا النظام ونقارب هذه الظاهرة من ناحية سياسية بحتة، فسنجد أن هنالك خمسة أسباب رئيسية قد تشرح لنا لماذا تعثّر حدوث التغيير لأمد متطاول على الرغم من كل ما جرى للوطن والمواطن من مآسي غير مسبوقة في ظل النظام الحالي، ولماذا لم تتفاعل الجماهير بالصورة المطلوبة مع دعوات المعارضة المتكررة للقيام بالتغيير. ونجمل هذه الأسباب فيما يلي:
أولا: الكلفة الباهظة للتغيير، إذ يستشعر المواطنون علو كلفة التغيير نظرا لاستعداد النظام لمجابهة أي مظاهر للاحتجاج السلمي باستخدام القوة المفرطة والمميتة، فعدم تورُّع النظام عن سفك الدماء أكثر بكثير من أي نظام سبقه، إلى الحد الذي جعل من ذلك شعارا يتمشدق به دهاقنته في كل محفل، يُحتّم على المواطنين دفع ثمن باهظ قد يصل إلى التضحية بحياة ما لا يُقدَّر عددا من الأنفس والأرواح من أجل الوصول الى التغيير المنشود.
ثانيا: تفكك المجتمع وتفرق اتجاهاته بصورة لا شبيه لها في ماضينا، وتشتت الأسر وتباعد الأهل، وانفراط عقد تنظيمات المجتمع المدنية، وسيادة النزعة الفردية وتفشي الأنانية، وانكفاء الأفراد على أنفسهم أو في دوائر ضيقة، مما أدي إلى شرذمة وتقزيم دور المجتمع السوداني، وذلك كان ولا يزال سياسة للنظام وركيزة أساسية من ركائز حكمه وفرض سيطرته على البلاد.
ثالثا: عدم وجود قيادات معارضة فاعلة ومُجمَع عليها لديها القدرة على التوحد فيما بينها بصيغة فاعلة وتجميع الجماهير واستنهاضها وقيادتها، فالمعارضة كما الشعب متفرقة باحزابها وآيديولوجياتها وطائفياتها وجهوياتها ولا يوجد لديها برنامج وطني مُوحّد يصطف الناس من خلفه أو حتى قيادة مُجمع عليها يلتف الناس من حولها، مما يزيد من ضعف ثقة الجماهير في العمل المعارض عموما وبالتالي يضعف من ترجيح كفة التغيير.
رابعا: عدم وجود رؤية واضحة للتغيير، أو إجماع على خطة انتقال، وعدم وجود ضمانات حقيقية تبدد مخاوف الكثيرين من مخاطر انهيار الدولة والانزلاق في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، في ظل فشل تجارب التغيير في العديد من البلاد القريبة، وتآكل مؤسسات الدولة المدنية منها والعسكرية، وانتشار السلاح غير المنضبط في أيدي العديد التنظيمات والكيانات و المليشيات، فضلا عن الجهات المتربصة بالدولة داخليا وخارجيا والساعية للانقضاض عليها متى ما حانت السانحة لذلك.
خامسا: حالة الاحباط والقنوط الشعبي العام، وعدم رغبة الجماهير في تكرار خيبات فترات التغيير السابقة، خصوصا أكتوبر و إبريل. فعلى عكس ما يظن الكثير من النخب، هنالك وعي كبير من قطاعات عريضة من الشعب بتاريخها السياسي القريب الذي لم يمضي عليه الكثير، عايشت خلاله البلاد ثلاث حكومات مدنية، وثلاث حكومات انتقالية، وثلاث حكومات عسكرية، كان كل تغيير يحدث فيها ينذر بقدوم نظام أفشل من سابقه.
يتضح مما سبق أن حالة التثبيط والاحباط الحالية ما هي إلا نتاج طبيعي لأسباب موضوعية وواقعية. والحال على ماهو عليه، فإن من الانصاف أن يُلتمَس للناس العذر إذا ما توجسوا من أن يأتيهم من يبيعهم أملا كاذبا ويعدهم سرابا خُلُّبا. فأكثر ما يَتهيَّبُه من سبق أن سقط فكسر عظم وركه هو الوقوف على قدميه مجددا خشية إعادة تجربة السقوط، والانسان اليائس لا يخشى المزيد من البؤس بقدر خوفه من أمل كذوب يزيد احباطه خبالا. وعليه فالمطلوب هنا من كل من يؤمن بالتغيير ويسعى إليه أن يعمل أولا على اعادة بناء الثقة مع هذا الشعب المأزوم المكلوم الصابر بطرح برامج واقعية وخطط عملية ورؤى ملهمة ومنطقية تجذب بها الناس، وتبني بها جسور الثقة معهم، وتحيي فيهم الأمل من جديد. وعلى دعاة التغيير أن يعلموا أنه لن يتم لهم توحيد الناس من خلفهم إلا من بعد اثباتهم مقدرتهم على التوحد فيما بينهم وقدرتهم على العمل المشترك المنسق والمنتج .
بقي لنا أن نقول، وبكل ثقة، ورغما عن قتامة الواقع وسوداوية المشهد، إن الشعب السوداني العظيم لم يفقد قدرته على الإتحاد بعد، ولم تنقصه يوما شيمة الشجاعة، ولن يبخل أبناؤه عن التضحية بأرواحهم رخيصة في سبيل حرية شعبهم ساعة أحس الناس أن لذلك جدوى، و الخير ما شهدت به الخصوم والطغاة وسطره التاريخ. ولكن لن يكون لقيم التضحية والبسالة والوحدة معنى إذا لم تؤدي إلى صنع تغيير إيجابي، وما من عاقل يقبل أن يقدم التحضيات سدى.

بوادر الأمل وبداية الاتفاق على العمل
"المعرفة وحدها لاتكفي يلزمها التطبيق، والارادة وحدها لاتكفي يلزمها العمل". جوته
إذا أمعنا النظر في أوجه الأسباب الكابحة للتغيير والمذكورة آنفا سنجد أن ثلاثة منها يتعلق بالمجتمع ككل واثنان بالقوى المعارضة أو الراغبة في التغيير تحديدا. وفيما نرى أن ما يتعلق بالمجتمع ككل من كوابح التغيير لم ينتج إلا عن أسباب خارجية طارئة، يمكن معالجتها من خلال معالجة الكوابح المتعلقة بحال الراغبين في التغيير، ونقصد بذلك معالجة قضيتي تشتت القيادة وضبابية رؤية التغيير. وعلينا هنا أن نُذكِّر أن مسئولية قيادة التغيير تقع على عاتق دعاته أولاً، فالتبعة تقع على دعاة التغيير لأن يستنهضوا مجتمعاتهم للقيام معهم بالمهمة وليس العكس لأن ذلك مناط القيادة.
إن أولى كوابح التغيير التي تقتضي المعالجه هي قضية تشتت القيادة. وربما كان من نوع النعم المستترة في ثياب المصائب الظاهرة، بُعد الأطراف المعارضة عن السلطة في الوقت الراهن مما يهيء لتلك الأطراف قيادة التغيير المنشود ويجعلهم أقرب إلى التوصل إلى إتفاق فيما بينهم. فكما يمثل الصوم وجاءً للأيامى، يمثل البعد عن السلطة جُنّةً من اغرائتها التي أثبت التاريخ أن قوانا السياسية لا تقوى على مقاومتها كثيرا ولا تتعب من التنازع حولها. وإذا كانت ثمالة النظام الحالي بالسلطة قد أعمته من أن يرى ما بان للناس من سوأة حكمه، فإن مرارة الواقع يجب أن تدفع بعقلاء الأطراف المعارضة لأن يتساموا فوق خلافاتهم السياسية، ويتوافقوا على الاصلاح بكل موضوعية وتجرد. فحال من جمَّتعهم المصائب، ومن ذاقوا من عسف السلطة ماذاقوا، ومن عرفوا مكامن الخلل ومرابط الفشل بأروقة السلطة، وأدركوا خطورة السلطة المطلقة وذهابها بالعقول والقيم، فحالهم كذلك بعيدا عن نشوتها أدعى بهم إلى أن يصلوا مع بعضهم البعض إلى النتائج السليمة بوعي وادراك كامل وأن يعملوا على اتفاق فيما بينهم من دون تنافس أو تنازع.
وعلى من يرومون التغيير أن يتأكدوا تماما، من أنه إن لم تجمعهم المصائب والمصاعب اليوم فحتما ستفرقهم المصالح والمطامع غدا إذا سقط أو أسقط النظام، وعجّت ساحة السلطة بالمتنافسين والمشتهين، واستثير غبار المطامع الفئوية والجهوية والقطاعية، والمطامح الشخصية الأنانية، وغصنا في معمعة المصالح الضيقة، وبعثرنا أوراقنا الوطنية وخلطنا ترتيب أولوياتنا وتنازعنا حول كل شيء، وحاق بنا التدخل الأجنبي الذي صار سمة ملازمة لمراحل الاضطراب الاقليمية، فذلك الحالق والماحق والمفرق لكل وحدة يرجوها الوطن، فيستصعب التوافق بين الإخوة الفرقاء وتتبدل المواقف والولاءات طبقا لاختلاف التجاذبات والتحالفات، حتى يعجز اللبيب الأريب من أن يَميز الطريق الصحيح من بين السبل المتفرقة. حينها سينهار ماتبقى لنا من دولة وستبقى جرثومة الأنموذج العقيم تقتات على جثة الوطن وتنخر في عظمه، حينها فقط ستتجلى لنا أبشع صور المنظومة السياسية البائسة وستتبدى أفظع سماتها في حال اللادولة.

رؤية التغيير بداية الإعداد
"مالم تبدأه اليوم فلن يكتمل غدا". جوته
لقد بات من المعلوم بالضرورة تعثر صناعة أي منظومة فاعلة للتغيير في غياب الرؤية الواضحة لطبيعة ذلك التغيير. ولذلك تصبح هذه المسألة أهم المسائل وأخطرها وأكثرها تأثيرا على عملية التغيير. فرغم مقاربتنا للعام الثلاثين من عمر هذا النظام الجاثم على صدر البلد إلا أن نخبنا لم تقترب بعد من تحديد طبيعة التغيير المطلوب. فلا اتفاق بينهم على ماهيّة ذلك التغيير المنشود، فهو تارة تغيير للأشخاص والأحزاب وهو تارة أخرى اصلاح لهياكل الدولة، وهو في قول اقتلاع للنظام وآيديولوجيته ان تبقّت له واحدة، وفي قول آخر هو اسقاط للدولة بمافيها من مؤسسات وبمن فيها من أفراد، فهل نريد التسوية أم التغيير أم الإصلاح أم الاسقاط أم الثورة أم الفوضى؟
من هنا تتبدى لنا الثغرة العظيمة التي يجب سدها فورا لمنع سفينة التغيير من الغرق في بحر المجهول المضطرب، ومن هنا تتجلى الخطورة إذا واصلنا السير على عمى ومن غير هدى والحال على ماهو عليه، وبالمناسبة فإن أحد سمات التغيير في أنموذج دولتنا العتيدة، و أولى الأخطاء التي ولدّت الخيبات سابقا في أكتوبر وإبريل هو سقوط النظام قبل ولادة رؤية واضحة للتغيير، فقد اتفقت قوى الثورة حينها، على الحد الأدنى وهو اسقاط نظام الحكم العسكري واستبداله بآخر مدني، ثم اختلفوا على كل شيء آخر، فوأدوا بذلك الثورة في مهدها. و يمكن أن نذهب لأبعد من ذلك لنقول أن هذا السيناريو هو عين ما حدث عند الاستقلال أيضا.
و الآن بعد خوض كل تلك التجارب القاسية ومضي كل هذه السنين الطويلة ، يجب أن نكون قد تعلمنا شيئا من دروس التاريخ . فذلك الحد الأدنى، والذي لم نستطع بلوغه حاليا على انخفاض سقفه، والذي مافتئت تتنادى إليه الأقلام، لم ينجح يوما في صناعة تغيير ناجح ولن يكفي أبدا لاقامة نظام ديموقراطي مستدام. فالمسئولية هنا تقع على عاتق النخب السياسية والمفكرين والوطنيين في تشكيل منظومة سياسية جديدة ذات رؤية واضحة وخطة متفق عليها تقدر على صناعة التغيير المنشود، وتتمكن من جسر الفوارق مابين القوى السياسية المختلفة الراغبة في التغيير، وترسم اطار محدداً لعملية التغيير، وتضع خطة متفق عليها للإصلاح، لنرسي لنظام ديموقراطي عادل ونؤسس لدولة فاعلة. هذا ما يجب العمل عليه الآن، والآن الآن وليس غدا.

يتبع


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.