أبدو سعيدا وحزينا ومتفائلا بهذه النقاشات والمعارك التي يثيرها الشباب من ابناء جيلي وتوجيهه الطاقات الكبيرة في وجه غول الفساد الكاسج الذي أصاب بلادنا في مقتل وضربها حتى أثخن جسدها المنهك من وطأة الاثام التي أرتكبت بحقه
أبدو سعيدا كذلك بمعركة الرأي والحفر المنهجي العميق التي تدور رحاها لتفكيك البنية السيسولوجية والنفسية للفساد التي أنتظمت النظام الاجتماعي في السودان بقبائله وعشائره وتنظيماته جميعا وبالاخص نظام الانقاذ الذي يبدو صاحب المسؤولية المباشرة عن أستزراع soft were الفساد في النظام القيمي الداخلي للفرد وتحويل مجموع الانسان الى جموع إنتهازية تسعى لنيل حقها وحق الاخرين وحق الاجيال وزرع ثقافة دعوني أعيش والفهلوة ونقلها الى نظام المؤسسات الذي يجب ان يحتوي على (سوفت ويير) الاخلاق المحددة للقيم العامة للدولة والتي يجب أن تكون موجهة نحو الخير العام أو المصلحة العامة لا المصلحة الخاصة الضيقة المتلبسة بثياب دينية قبلية عشائرية وحزبية ولكن نجد من المهم أن نرفع قبعات الاحترام لهؤلاء الشباب وأكثر ما أدهشني في الاونة الاخيرة رسالة تلك الشابة التي تناقلتها تطبيقات الفيس بوك والواتس عندما كشفت حساب بنكي يعود لزوجة الرئيس واتبعته برقم وتاريخ فتح الحساب ومكان الحساب في أحد بنوك ماليزيا ملحقة كل تلك المعلومات برقم هاتفها وعنوانها
لاشك أن الفتاة الباسلة الماجدة لم تكن تدعي وقادها حسها الوطني الى خطورة الفساد وتأثيره على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على البلاد خصوصا والمعروف أن أستشراء الفساد وضعف الذمم سيؤدي لا محالة الى تشرذم البلاد وضياعها ولكن مع كل هذه الجرأة القوية وهذا التأثير غير المحدود لهذه المواجهة العلنية يحق لنا وضع التساؤلات الاتية ثم ماذا بعد ذلك هل ستنتظم الجموع من قانونين وخبراء سياسيين واقتصاديين في التصدي ومجابهة غول الفساد الذي أنهك البلاد بطولها وعرضها
هل يمكن لاي مواطن عادي أن يتفرس الفساد ويشير الى مكمنه بدقه ,أم أن الفساد مازال معجزة في حد نفسه ومازال الناس بشكل أخلاقي في عالمنا منقسمين تجاه هذه المشكلة من ناحية أخلاقية أحداه تمجد المصلحة والمنفعة وأحداها تتأفف من (الحرام)
هل يمكننا الحديث بصوت جهير وعالي أنه وقبل الحديث عن الفساد وضرورة محاربته ينبغي تفحص ودراسة النظام القيمي والبنية الاجتماعية واتجاهاتها القيمية والاخلاقية تجاه ميكانيزم الفساد فطالما لم نتفحص النظام الاجتماعي الذي يشجع الفساد بإعتباره (فهلوة وشطارة) يكون حرثنا حرث في البحر ولاأزيد!!
كيف أنتصرت جماعات وهزمت الفساد والرشوة والمحسوبية نحو الشفافية والصدق والنزاهة والحكومة المالية والادارة الرشيدة للمؤسسات والشركات وحتى العلاقات العامة وهل هذه القيم الانسانية الجديدة مرفوضة عندنا في الفساد وتجد مقاومة عنيفة من النظام الاجتماعي
ربما كفاني أستاذي الجليل د صديق أمبدة مشقة هذه الاعباء والالام النفسية التي تمزقني عندما أشار بشكل حصيف الى أن الدولة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن التوجيه وقيادة المجتمعات وخصوصا في الدول النامية نحو القيم الجديدة لان الدولة كيان حيوي في هذه المجتمعات وهذا الجهاز المؤسسي العملاق مازال يمثل النبض الحي لهذه المجتمعات برغم إعاقته المبكرة فالقيادة النزيهة والرشيدة والسلوك الشخصي المنضبط لازال من الواجب أن تتحلى به أي قيادة اذا ارادت لبلادها نفعا وأظنني أعتبر ماقاله د صديق أهم الدروس التي تعلمتها مؤخرا وهو ما أضاء نقاط كانت معتمة في تحليلي لظواهر كثيرة تتصف بها قيادتنا ودولنا ولاغرو أن الفساد في أفريقيا منشأه القيادات الفاسدة المدجنة التي لاتنظر الا الى ذواتها ورغباتها ولذاتها الغير متناهية ودونكم مثال الانقاذ كأوضح مثال على سيطرة السلوك الرغائبي الفاحش المصحوب بكربياء وغرور لامثيل له .
وإذا عدنا الى النظام الاجتماعي الذي يتصل مباشرة بالدولة والسلطة في خط ممتد يعبر الفساد مباشرة عن ضعف الاحساس بالدولة والكيان العام ومصلحة الجميع وهو مايشير الى تضعضع فكرة الدولة في نفسية الفرد الى تضخم الاحساس بالانتماء الى كيانات أخرى كالقبيلة والعشيرة وهو مايجعل الفرد يغوص في وحل الفساد اذا سنحت السانحة من غير التفات الى الدولة والى حقوق المواطنين الاخرين في التنمية الاجتماعية على حد وصف أنتوني ايدجينز ولان الدولة غائبة والمصلحة الخاصة حاضرا فليتحطم الكيان المؤسسي وليذهب مايعيق الصعود والثراء الى الجحيم, أن مساهمة العولمة الاقتصادية هنا تبدو واضحة فحرية تحرك رؤوس الاموال هذه الفكرة النبيلة قد تم هدمها تماما فللاموال مستقر في بنوك ماليزيا ودبي وسويسرا وللحسابات البنكية (سوفت ويير) يحميها من أصوات المتظاهرين وصراخ الجائعين من الاطفال والشيوخ والنساء والضعفاء وفي حالة السودان تقف الدولة الانقاذية العميقة سدا منيعا تجاه اي اختراقات اجتماعية من الناشطين والكتاب والسياسيين وتمد الدولة العميقة لسانها لهم بكل سخرية فالمعركة مع الدولة العميقة هي معركة كسر للعظم ولاتعدو معركة اصطياد القطط السمان سوى نقطة في بحر أو مسرحية سمجة اذا كنا في خانة المتشائميين
اذا جاز لنا التفلسف والتنظير والابحار مع موجة الكتابات الجديدة التي تتفحص ظاهرة العولمة الاقتصادية والسياسية والتفكير في طريقة عمل مؤسسات البريتون ووردز كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشارع وول ستريت وبورصات نيويورك ولندن والجزر المالية ودولة البنوك السويسرية كما يقولها أصدقائي من طلاب الفلسلفة فلابد لي أن أسجل هذه النقطة الاخيرة قبل أن تفنى الروح في مصيرها الابدي أن ماسمس بالاصلاحات الاقتصادية كانت أكبرأكذوبة تم تمريرها في جسد هذا الشعب وعقله وكبريائه وروحه المعذبة الهائمة في البؤس كونها قتلت جهاز الدولة المؤسسي العظيم واحالته الى متحف التاريخ ولم تكن هذه (الاصلاحات) أو الجراحات سوى لهدف واحد تمكين مجتمع الاقلية الاسلامي الفاسد المتغطرس من جسد الدولة الغظ البهي لتحقيق مجتمع الاقلية في قتل واضح لكل الادبيات التي كنا نسمعها عن دولة الكفاية والعدل فأي كفاية وأي عدل وأن تحيل أكثر من 250 الف الى الصالح العام لتزرع الجوع و(تمأسسه ) وأي عدالة وأن تقتل هذا الجسد(الدولة) قتلا غير رحيم لتمكين مجموعة(الاقلية) من كل إمتيازات ورمي الفتات للجموع الجائعة , في هذا اختلف مع زملائي الفلاسفة قليلا هل ضربت الدولة في أمريكا أو اليابان أو فرنسا أو الصين والبرازيل أم مازالت تعمل بكفأة حيوية عالية لتحقيق أنجازات الامة
وهل الاصلاحات الاقتصادية الكيزانية وهدم الدولة ومشاريعها بيض أراضيها وسرقة بنوكها وأصولها وتحطيم تعليمها أصلاحات أقتصادية أذا كيف يعقل أن تسمى أصلاحات ومايفعله دونالد ترامب الامريكي من أعادة تشغيل المصانع وتوجيه التحالفات نحو المصالح ومراجعة السياسات الضريبية أصلاحات أيضا

محمد الطيب الفكي
كاتب وباحث في البيئة والاقتصاد والتنمية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.