وعي الأزمة إنما هو طريقة التفكير التي نمت و تطورت عقب و أثناء أزمة ألمت بالمجتمع . و هو هو صاحب النفوذ النافذ الرئيسي الذي يسرع أو يبطئ تحريك عملية التغيير من قعرها ، و ذلك يتوقف على فهم دعاة التغيير لفحوى وعي الأزمة و كيفية التعامل معه . و في حقيقة الأمر ، لن تستطيع عملية التغيير أن تنطلق دون إدراك للعوامل التي تتحكم فيها ، و على رأسها الوعي الذي أنتجته الأزمة ذاته . و كما أشرنا في غير مقال ، إن السبب الأساسي في عجر حركة التغيير عن الانطلاق ، برغم المشاعر الصادقة و الجياشة تجاهها ، إنما هو محاولة دعاة التغيير و سعيهم لإنجازه خارجا عن هذه العوامل النافذه و المتحكمة في خلق مسارات عملية التغيير . 

في الظروف الطبيعية ، أو تلك التي تدنو لتكون طبيعية ، تقوم منظمات المجتمع المدني مقام الاستاذ المعلم لمنتسبيها ، أكانت تلك المنظمات المدنية نقابات أو اتحادات أو روابطا أو أحزابا . و ذلك لأنها تحشد منتسبيها و تجعلهم يلتفون حول مصالحهم المباشرة الحياتية ، بقليل اختلاف مع الأحزاب في هذا الأمر . فمن خلال التدريب و المطالبات بالحقوق و النقاش المفتوح مع أصحاب الهم و الاهتمام المشترك ، ينمو و يتطور وعي منتسبيها ، و من ثم تنداح معارفهم ، و تتلاقح مع ما هو مطروح من فكر و برامج و مشاغل حياة و ينتج عنها أساليب حياة تختلف اختلافا عاديا و تنسجم انسجاما نسبيا .
و كما ترى ، فإن هذه النقابات و الاتحادات و الروابط و الأحزاب مثلت مدرسة لأصحاب الهم و الاهتمام المشترك ، تغذوا منها المعارف المتعلقة بحياتهم المهنية و تعلموا منها العمل الجماعي ، بما أطعمتهم من علم و عمل . و لذلك كان تفكير الحكومات العسكرية ضبط اتجاه و مقدار الدفق المعرفي الذي ينيرهم بحقوقهم و يستثيرهم للمطالبة بها .
و بالرغم من اجتهاد الحكومات العسكرية النوفمبرية ( 1958 – 1964 ) و المايوية ( 1969 - 1985 ) في تحجيم هذه النقابات و الاتحادات و الروابط و الأحزاب ، إلا أن "نجاحها" كان محدودا نسبيا لأنها أكتفت بزعزعة قياداتها و تشتيتهم . فلم يكن تفكيرها شيطانيا بشكل كاف حتي تمزق عراها حتى العصب ، إذ أنها أبقت على الهم و الاهتمام المشترك دون أن تعي أن جذوة الحقوق مدفونة في أعماقها ، فما أن شمت هذه الجذوة رائحة التغيير في اكتوبر 1964 و أبريل 1985 ، حتى استفاقت من غفوتها ، تنير الطريق .
و لكن ما هو الهم و الاهتمام المشترك ؟
و الهم المشترك إنما هو العيش المشترك في المجتمع المتجانس ، و الاهتمام المشترك إنما هو سبل كسب العيش المشتركة ، اللذان تصنعهما هذه النقابات و الاتحادات و الروابط و الأحزاب . و هو ما عجزت الحكومات العسكرية النوفمبرية و المايوية عن إفنائه . فماذا فعل انقلاب الاسلاميين "الإنقاذ" حيال ذلك ؟
صوبت حكومة "الإنقاذ" ، منذ مجيئها ، ليس على نسف بنيان النقابات فحسب ، إنما على محتواها و معنى الحياة الكامن فيها و هو الهم و الاهتمام المشترك . فكان أن تفتقت عبقرية الشر المحض عند الإسلاميين ، فقضت على أساس الحياة فيها بإنشاء نقابة المنشأة ، فأصبح تقسيم النقابات رأسيا بعد أن كان أفقيا ( إطلاق مسمى التقسيم الأفقي و الرأسي للنقابات ، و اكتشاف خطها البياني كان من بنات أفكار الكاتب الكبير الراحل تاج السر مكي ) . فماذا يعني هذا ؟
إذن إسمع ، فالتقسيم الأفقي ، يعني أن أصحاب المهنة الواحدة ينتظمون في أفق واحد و يلتقون و يتدارسون همومهم و اهتماماتهم المتشابهة ، حيث يلتقي العامل بالعامل و الطبيب بالطبيب و المهندس بالمهندس و كل صاحب وظيفة أو مهنة بزميله ، يعرفون قضاياهم و مصالحهم . و كما ترى ، هذا هو الوضع الصحيح و الطبيعي .
و أما نقابة المنشأة ، فإنما هي تقسيم رأسي ، يقطع قطعا رأسيا الخط المار ، عبر هذه المنشآت ، و الضام لأصاب المهنة الواحدة ، و يسجنهم داخل منشأتهم مع من لا يشبهونهم لا في الهم و لا في الاهتمام ! حيث يجلس المدير مع الغفير ، و بينما يكون هم و اهتمام الأول أن يحصل على بدل مواصلات لأطراف العالم ، يكون هم الثاني أن يحصل على بدل مواصلات لأطراف ولايته ! و لو افترضنا عدم استحياء الثاني للمطالبة بحقوقه أمام مطالب الأول ، فإن السلطة كانت تستجيب لمطالب الأول في مسعى منها لتأمن جانبه و تأييده لها في منشأته . و رويدا رويدا تتحول إدارة نقابة المنشاة إلى كونها ممثلة للسلطة في نقابة المنشأة ، بدلا عن كونها ممثلة لنقابة المنشأة في السلطة ، و انتهى بها الأمر إلى تنزيل مطلب السلطة للنقابة بدلا عن رفع مطالب النقابة للسلطة !
و بطبيعة الحال كل معوق لهذا الطراز للعمل النقابي الجديد ، من العاملين و العمال ، تم إبعاده تحت مسميات مختلفة أشهرها الصالح العام" .
تزامن مع ذلك المفهوم الشرير ، شديد الشر ، أن رفعت الحكومة يدها عن بندي التعليم و الرعاية الصحية ، بل جعلت منها مصدري دخل لها كما باهى بذلك أحد قادتها . و كما ترى ، إنما هما بندان ملحان لا يحتملان تسويفا و لا مزاحا . فخرجت جموع الشعب السوداني فرادى في دروب الحياة ، تقبلها شوارع و أزقة و تلفظها أخرى ، تبحث عن عمل ، فإذا هي في بيئة غريبة ، لم تألفها ، ولذلك عليهم طرق طرائق غير مطروقة ليعتاشوا منها و يعولوا أسرهم و لتدبير شئون التعليم و الرعاية الصحية . فأنتجت هذه التجربة المريرة وعيها الخاص بها ، و هو ما جعلنا نطلق عليه وعي الأزمة ، و هو ما أشرنا له في غير مقال من أن هذا الوعي لم يخرج من رحم الأحزاب ، بل هو متجاوز لها و لمعرفتها التي ألفتها .
غني عن القول ، إن هذا الوعي الذي أنتجته الأزمة يتسم بخصائص حادة الملامح ، كالسكاكين ، بقدر حدة التجربة . و لا يمكن انجاز عملية التغيير دون احترام هذا الوعي و فهم هذا الوعي و التصالح مع هذا الوعي .
و لكن ما هي سمات هذا الوعي ؟
إنه وعي فردي ، و وعر ، و عنيد . فأما كيف كان فرديا ، فلأن تجربة توفير معينات الحياة التي خاضها أحدهم تختلف في حيثياتها عن التجربة التي خاضها الآخر . و أما كيف كان وعرا ، فلأن التجربة التي خاضوها لم تسبقها تجربة مثيلة تلطفها . و أما كيف كان عنيدا ، فلأن مكتسبي هذا الوعي غير مستعدين بالمرة للتنازل عنه لأي سبب كان و ذلك لأنه أبقاهم أحياء حتى الآن دون أن يكون للأحزاب و المنظمات الشبيهة فضل في ذلك ! و لعل هذا ما يفسر عدم تفاعل هذه الجماهير مع دعوات الانتفاض و العصيان بشكل كبير رغم نبلها . و من سخرية القدر ، حينما دعت منظمات المجتمع المدني و الأحزاب السياسية المعارضة إلى مسيرة سلمية للإفراج عن قادتها المعتقلين ، لم يلب الدعوة سوى نفر قليل ، في حين لبى مئات الآلاف دعوة تزامنت معها للاحتفال بسنوية فنان الشباب الكبير محمود عبد العزيز ! و لم تسأل منظمات المجتمع المدني و لا أحزاب المعارضة عن سر عزوف الجماهير عنها وهي تنحو للطرب في بيئة معادية للطرب !
هذا الوعي الفردي و الوعر و العنيد ، هو الذي خلق الطبقة الوسطى الجديدة ، وتشمل في ما تشمل سائقي المواصلات العامة و بائعات الشاي و الأطعمة و أصحاب المهن الهامشية و كذلك المهن القلقة ( راجع مقالنا "الخطاب الانتخابي و أدب النافذتين" ) .
و حركة التغيير ، على مر التاريخ البشري ، تقودها الطبقة الوسطى أو التي يتردد في جنباتها صدى الطبقة الوسطي . و ذلك لسبب مباشر و بسيط : الطبقة الوسطى تملك الطموح للتغيير و الوعي الضروري لإنجاز هذا التغيير . إذ أن الطبقة "العليا" ، في معظمها ، ليس لديها طموح للتغيير ، فهي "عليا" ، فلماذا تطمح للتغيير ؟ و أما الطبقة "الدنيا" ، في معظمها ، لديها طموح للتغيير ، و لكن ليس لديها الوعي الضروري لإنجاز هذا التغيير ( راجع مقالنا "الطبقة الوسطى لم تختف و إنما تغير شكلها و محتواها" ) .
و لكن ، و الحال كذلك ، أصبح وعي الطبقة الوسطي وعيا فرديا و عرا و عنيدا ، فكيف إذن بإمكانه إنجاز تحريك عملية التغيير ؟
و كما ترى ، لن تتحرك عملية التغيير إلا إذا صار الوعي الفردي و الوعر و العنيد ، جماعيا و لطيفا و لدنا . و لكن الجماعية و اللطف و اللدانة تتطلب ماعونا تمتخص فيه هذه الصفات مع مثيلاتها . و مع غربة منظمات المجتمع المدني و الأحزاب و النقابات عن الجماهير ، لم يبق لهذه الجماهير من فرصة سوى الماعون الانتخابي تمتزج فيه و تتناغم فيه حتى تتبلور آراؤها و تنسجم أهدافها و تتصالح مع آمالها و آلامها .
و بالطبع ، يهرب من فكرة الانتخابات من أدرك أن جماهيره ما عادت كما كانت . فعلى سبيل المثال ، كان معظم شرق السودان يستجيب لدعوات الأحزاب الاتحادية ، و لكنه أستقل بمن يمثلونه مسلحين و غير مسلحين ، و ذلك لأنهم أدركوا أن ماعون فكر و مشاعر الأحزاب الاتحادية و زعيمها ، يعاملهم كمعطى ثابت لا ذوات لهم و لا معنى لحياتهم إلا ما يخلعه عليهم هذا الماعون . و لسخرية القدر ، عندما قام قادة الشرق بتسوية سياسية مع حكومة المؤتمر الوطني ، رفض قادة الشرق حتى مجرد وجود الميرغني في المفاوضات ! و في ذات السياق ، كان معظم غرب السودان يستجيب لدعوات حزب الأمة و زعيمها ، و لكنه الآن استقل بمن يمثلونه مسلحين و غير مسلحين ، لأنهم أدركوا أن ماعون و فكر ، .... إلخ . و كذلك الحزب الشيوعي ضاق ضيقا شديدا حتى على منسوبيه ، و أصبح ذا حساسية مريضة تجاه أي محاولة لإصلاحه و تكور على نفسه ، يخشى جهرة الوعي الذي أنتجته التجربة المريرة و المروي من 48 ألف قمر صناعي ، تصب مختلف المعارف صبيبا . و أما الأحزاب العروبية و الأحزاب الأفريكانية ، فإنها نواف لبعضها البعض و لا يسع ماعوناهما بعضها البعض ، فلم تع بعد الأحزاب العروبية أن الشعب السوداني ليس عربيا ، إنما هو سوداني ، و كذلك لم تع الأحزاب الأفريكانية أن الشعب السوداني ليس أفريكانيا ، إنما هو سوداني . و أما حزب المؤتمر السوداني الشاب ، فما يزال مترددا بين نهج الأحزاب الكلاسيكي و اتباع تفكيرها و بين السير وحده في طريق يظنه موحشا و طويلا ، بل لعله يستملح معيتم و يطرب لاعترافها به .
جفلت الأحزاب من فكرة الانتخابات و لم تر فيها فرصة للتعلم من الجماهير التي يجب أن تمثلها ، حيث تمنحها الجماهير فكرا ، و تمنح هي الجماهير وعاء ينمو فيه هذا الفكر و يتناغم و يكون مرنا و طريا حتى يتصالح و ينمو مع الاختلافات بداخله . و ذلك ما يجعلنا نشجع الجماهير لخوض تجربة الانتخابات ، أيا كانت نقائصها ، ففيها إضعاف للعقل السياسي السائد حكومة و معارضة ، عموما منذ الاستقلال في يناير 1965 ، و خصوصا منذ انقلاب الاسلاميين في يونيو 1989 .
فحالة السيولة السياسية التي تتخلقها الأجواء الانتخابية ، مطلوبة في ذاتها ، إذ أنها تجعل الوعي الفردي و الوعر و العنيد ، يتدفق حرا باحثا عن شبيهه في الهواء الطلق ، يتحاوران و يتناغمان و يتلطفان ، و يتجهان نحو الجماعية و اللطافة و اللدانة ، حتى يصل هذا الوعي كتلته الحرجة بما يحدث نقلة نوعية تضعه في أول عتبات عملية التغيير ، فينطلق المارد العاتي .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.