قبل سنتين قرأت عدة أجزاء من رواية للكاتب الطاهر بن جلّون عنوانها "حين تترنح ذاكرة أمي" ، للأمانة و على رسالة الرواية الواضحة إلا انها لم تجذبني بسردها الروائي و قد يختلف الآخرون في تقييمها و لعل نصها الأصلي باللغة الفرنسية أبلغ من ترجمتها إلى العربية ، في مايو الماضي أوصاني أحد الأهل أن اشتري له بعض الكتب باللغة العربية لأنه مقيم في دولة أوروبية و يصعب عليه الحصول عليها ، و بينما أنا اشتري بعض الكتب من مختلف الاهتمامات و الكُتَاب وقع نظري على رواية مترجمة من اللغة الكورية للكاتبة كيونغ سوك شين و عنوانه " أرجوك اعتن بأمي" ، الكتاب يحكي عن قصة أم قروية في كوريا الجنوبية قامت و بنكران ذات بتربية أبنائها و العناية بزوجها لأقصى الحدود ، و في يوم ما تضيع الأم فجأة من زوجها في محطة قطار العاصمة سيول و تبدأ رحلة بحث عنها بطول الرواية تتخللها حوارات عميقة و تقدير متأخر لشخصية محورية في الأسرة احترقت ببطء كشمعة كي تضيء مستقبل كل أفراد الأسرة و صار الكل يتمنى لحظة واحدة لتبادل بضعة كلمات تعبر عما يجيش في نفوسهم من أحاسيس و تقدير و لكن هيهات.دفعتني هذه الرواية لكتابة هذا الموضوع تقديراً لأمي في حياتها وهي التي أجبرتها فيها تصاريف الحياة أن تهاجر مع والدي في منافٍ متعددة واجهت فيها تحديات كبيرة قابلتها بصبر الزهاد و إيمان الأنبياء.

تنتمي أمي إلى أسرة أنصارية الولاء هاجرت مع الإمام المهدي من شمال السودان إلى أمدرمان في نهايات القرن التاسع عشر ، من خلال علاقة نسب بعيدة عبر جدنا مشترك بينهما تزوجت بوالدي و قد تعدت الثامنة عشر ببضعة أشهر ، و لأن والدي رحمه الله كان معلماً فقد بدأت حياتهما الزوجية بهجرة مبكرة لمدينة سِنًّار و التي كان والدي معلماً في مدرسة فيها ، كان ذلك في العام 1963 ، كان والدي كالكثيرين من أبناء جيله خريجي وادي سيدنا و بعدها معهد بخت الرضى متأثراً سياسياً بزخم و تطلعات جيله بمستقبل أفضل لبلاده ، و كان أن انتمى للحزب الشيوعي و كان عضواً نشطاً في جبهة الهيئات إبان ثورة أكتوبر ، و لكن نتائج الثورة كانت مخيبة له على الصعيد الشخصي ، و شعر أن الثورة تكالب عليها من كان حجر عثرة في قيامها في أول المطاف و قطفوا ثمارها ، و تلك تفاصيل قد يتيح الزمن فرصة لكتابتها بدقة أكثر ، فكان أن ذهب إلى وزارة التعليم إلى أحد زملائه القدامى و كان قد أصبح وكيلاً في الوزارة و قال له "ياخي عليك الله طلعني من البلد دي.." فقال له الرجل" ..كان عندنا إعارات للسعودية لكنها اكتملت و جاتنا طلبات إعارة لليبيا لكنها غير معروفة عندنا و أول مرة نودي ليها ناس... فرأيك شنو ، فقال الوالد " ليبيا ليبيا أمرقني أي بلد أنا ماني قاعد..".

فتحت رحلة ليبيا على والدتي باباً ضخماً من التحديات و باباً أكبر من الفرص و الآفاق فتلك الرحلة التي بدأت بإحباط والدي من نتائج ثورة أختطفت بليل ، بدأت في العام 1965 و استمرت لمدة 31 عاما بفترات انقطاع بسيطة ، كانت أمي البنت الكبرى في أسرتها المكونة من 14 أخ و أخت ، و كانت أول من تزوج و أول فتاة من الأسرة الممتدة تكسر حاجز الهجرة فصار سفرها حدثاً غريباً في ذلك الزمن ، و لأقرب الصورة فلنا أن نتخيل "أن جدنا اشترى قطعة أرض في الثورة الحارة الأولى فعاتبه الأهل على جفوته و أجبروه على بيعها و البقاء في حوش الأسرة الممتدة في حي السيد المكي" ، وصل والدي ليبيا التي كانت تحت حكم الملك السنوسي و كان اسمها المملكة الليبية و لا زلت اذكر بوضوح الكثير من الأوراق التي كان يحتفظ بها والدي المعنونة باسم المملكة الليبية ، توفى الطفل الأول لوالدتي لأسباب لا أعرف تفاصيلها وولد بعده أخي الأكبر في سبتمبر 1965 و في عيد ميلاده الأول أصيب بشلل أطفال بعيد التطعيم و فتح ذلك باباً من المعاناة الأسرية لوالدي حيث غير مسار الأسرة بصورة غير متوقعة ، و لكن جيل الوالد كان جيلاً منفتحاً على العالم بمعطيات تعليم ذلك الزمن فكان أن بذل الغالي و النفيس و أمّن لأخي علاجاً طبيعياً متقدماً في جمهورية تشيكوسلوفاكيا و تحديداً في منتجع يانيس كلازنا المعروف ، و من الأشياء التي كنت أتعجب لسماعها أن أخي مكث وحيداً في المنتجع لمدة عام كامل في نهاية الستينات بينما عاد والدي للعمل في ليبيا و معه والدتي ، استمر علاج أخي لفترات طويلة في تشيكوسلوفاكيا لدرجة أنني سافرت مع والدي أكثر من مرة وأنا طفل لمتابعة علاجه هناك على الرغم من أنني ولدت بعده بأربعة سنوات.

أكملت والدتي عدة مراحل في التعليم الأساسي في السودان و أكملت في نهاية الستينات كورساً للطباعة باللغة الإنجليزية و العربية مما أهلها أن تتوظف في بنك ليبيا المركزي فرع مدينة الزاوية لمدة ثمانية سنوات و ذلك يعكس قوة التعليم في سودان ذلك الزمن ، كنا حينها قد حضرنا إلى هذه الدنيا أنا و اختي الصغرى ، فكانت أمي تقوم بواجباتها نحونا بشكل كامل بجانب عملها اليومي و نسبة لأن القذافي حينها قد منع الناس من استخدام العمالة المنزلية فقد كانت مسئولياتها رهيبة في غربة ليس فيها معين ، و لكننا كنا نعي القليل من ذلك و سلاحنا الأوحد هو التذمُّر من كل ما يقدم لنا من أكل و شرب و خدمات جليلة ، في بداية السبعينات انضم إلينا عمي الذي كان طبيبا شابا حينذاك ، و معه أيضا خالنا الذي كان يعمل ممرضا في أحد مستشفيات الزاوية مما عظم المسئولية على عاتق الوالدة و قد أسر لي عمي في جلسة صفاء في العام الماضي أن والدتي قد صبرت عليهم صبر أيوب رغم عملها اليومي و تحملها مسئوليات ثلاثة أطفال و زوج و خالي و عمي مقيمين معها في بيت واحد.

لكنني أجزم و انا أرى تفاوت الأجيال أن أمهاتنا من ذلك الجيل عُرِكْن من طين الصبر و تربين من كرم الأهل و تعلّمن حسن الخلق من الأسر الممتدة فوالدتي على تفرُّد تجربتها تعتبر نموذجاً لبنات جيلها و مثلها كُثر ، فلقد قابلت في هذه الدنيا من النساء السودانيات ممن أعلن أسرهن بعد وفاة أزواجهن و قارعن شظف العيش برباطة جأش مدهشة ، و ما نضال ستات الشاي في أزقة العاصمة حالياً إلا دليلا على أن حوائنا في السودان حبلى بكل عظيم جدير بالتقدير و منهن ست الشاي مبادرة شارع الحوادث (أم قسمة) التي ساهمت في علاج مئات المرضى و كانت بنابرها عبارة عن صالة اجتماعات مستمرة لشباب المبادرة.

كان والدي رحمه الله رجلاً أرباباً كالكثيرين من أهل قريته ، و كان كثير العزائم الغير متوقعة و في تقييمي الشخصي فقد كان يبالغ في ذلك حتى أثناء أيام الأسبوع حيث كان يدخل بضيف أو ضيفين فجأة فتضطر والدتي إلى طبخ أصناف إضافية فور عودتها من العمل و مفاجأتها بضيوف لم يكونوا في حسبانها ، لكنها تهرع إلى مواعينها و تقوم بإعداد طبخات سريعة لتلك البطون الجائعة و كنا نحن المستفيدون الوحيدون من عزومة أولئك الغرباء فوجودهم يعني توفر مأدبة متعددة الأطباق بدلاً من صنف واحد في مائدة الغداء.

أصيب والدي في فترة مبكرة نسبيا من حياته بمرض تدني وظائف الكلى و كان يسخر من ذلك بقوله " نسوان البلد نجهننا لمن ينادننا و ما نرد عليهن يقولن لينا "تعال يجيك الطلى و وجع الكلى" أها جابن لينا وجع الكلى من قرونه"، تدهورت حالته الصحية في العام 1996 فكان أن قررت الحكومة الليبية آنذاك إنهاء تعاقده بعد أن قدم زهرة شبابه لتلك البلاد و تخرج من بين يديه سفراء و مدراء و وزراء ، على الرغم من أن ليبيا في ذلك الوقت كانت رابع دولة في إفريقيا من ناحية المساحة و تعادل مساحة فرنسا بعدة مرات ، و كان عدد سكانها أقل من 5 مليون نسمة ، و أنا أتسأل إلى اليوم ألم يكن من الممكن لدولة ليبيا تجنيس أمثال والدي و معه عشرات الآلاف من الفلسطينيين و التونسيين و المصريين من المهنيين فهي دولة غنية بالبترول ضخمة المساحة و سكانها مجتمعين لا يشكلون الا ربع سكان مدينة باريس ، لكن هذا تعجب ليس في مكانه ، فالعالم العربي الذي يذخر بالثروات يتفنن في الصرف البذخي على توافه الأمور و يبدع في تعذيب المواطنين و المقيمين على حد سواء.

يمم والدي وجهه شطر مصر المؤمنة يرجو علاجاً فيها و قد كان أن مكث فيها عاماً و نصف بداء بعده رحلة معقدة من غسيل الكلى انتهت في السودان في العام 2000 في تلك الفترة كنا نحن الأولاد نقيم في أوروبا و تجشمت والدتي عناء العناية بالوالد خلال تلك السنوات الأربعة الطوال ، لحسن الحظ انفرجت تلك الضائقة بتمكننا من احضار الوالد إلى هولندا و تمت متابعة علاجه الذي تكلل في العام 2004 بنقل ناجح للكلى منحه حرية كبيرة بعد أن تحرر من 3 جلسات غسيل أسبوعية ، و على الرغم من مساهمتنا لحد ما في تقليل العبء على والدتنا إلا أنها كانت المسئول الوحيد و المباشر عن كل احتياجاته اليومية خلال 8 سنوات من الغسيل المتواصل و أسوأها فترة العلاج في السودان التي يعلم الجميع تعقيداتها التي لا تنتهي.

ما كتبته أعلاه يعطي انطباعا -على الأقل بالنسبة لي - أن حياة الوالدة قد جعلتها شخصاً مهموماً مثقلاً بالمسئوليات ، لكن على العكس تماما ففي خضم كل هذه المسئوليات نجحت في تعلم اللغة الهولندية و أجادت التعامل المستقل مع تحديات الحياة في تلك البلاد و كونت شخصية مستقلة تماما عننا كأبنائها برغم أننا سبقناها بعدة سنوات في تلك الديار ، فصارت أماً لكل الناس و يندر أن نأتي إلى بيتها الذي كان مستقلاً و لا نجد زائراً أو صديقاً حتى بعد رحيل الوالد في مايو 2010 لا تزال الوالدة في علاقات ممتدة مع الكثير من السودانيين في هولندا أو حتى في بريطانيا حيث يقيم أخي حالياً فالكثيرين يزورونها كأم لهم فهي تجيد فن الحديث مع الكل بغض النظر عن أعمارهم بأريحية أمدرمانية أصيلة و مودة لكل الناس حتى من جنسيات مختلفة فلها أصدقاء من أفغانستان و المغرب و هولندا و العراق... إلخ بجانب الكثير من السودانيين.

إنني أكتب هذه الخواطر المتناثرة عن حياة ثرّة لا يمكن اختزالها في عدة أسطر لكنه عربون وفاء وددت تقديمه لها كي تقرأه و يقيني أنها تعرفه جيداً لكن كما يقول الهولنديون ما يُكتَب يبقى و يقارع الزمن ، و لقد اخترت أبيات شاعر الشعب محجوب شريف الشهيرة في قصائده لوالدته مريم محمود و هو في المعتقل ليصبرها على بعاده حيث قال لها:

يا والدة دينك كم دين الوطن كمّين

لكنني أتجرأ على شاعرنا المجيد محجوب شريف أقول له بل دين الأهل وخاصة الأم أكبر من دين الوطن ، أستحضر قول صديقي الهادي كرم الدين عندما رحلت والدته عن الدنيا فجاءة فلم يرغب في العودة إلى السودان حيث قال لي اكتشفت فجأة أن الوطن كان أمي وبرحيلها لم تعد عندي الرغبة في الذهاب إلى السودان.

عرفتني تصاريف الحياة على الكثير من الناشطين السياسيين السودانيين ممن خاضوا نضالات ضخمة ضد ديكتاتورية نميري و البشير منهم من أمضى سنوات طويلة من أعمارهم في اعتقالات عبثية عانت فيها أسرهم بصبر و للأسف و لأنهم من غمار الناس فقد ذهبت تضحياتهم الفردية أدراج الرياح فكثرة المحن و الإحن في بلدنا المكلوم جعلتنا نصاب بمرض عدم المبالاة بمعاناة الكثيرين و جعلتنا الظروف الاستثنائية التي أضحت مستديمة لا نستنكر وجود قسم ثابت في سجن كوبر إسمه قسم المعتقلين السياسيين عمره حوالي 50 عاماً ، و في كل حواراتي مع أصدقائي هؤلاء شكلت غصّة رحيل أمهاتهم حسرة في نفوسهم و هم إما في هجرات قسرية أو اعتقالات طويلة دون أي تهم محدودة .

فلمن لا تزال أمه على قيد الحياة إحتف بوجودها فالأم الإنسان الوحيد في هذه الدنيا من يعرف في أي ساعة من اليوم ولدت و تتذكر بدقة وزن ولادتك و ما تعرضت له من أمراض الطفولة مثل اليرقان و الجدري الكاذب ، و هي الشخص الوحيد التي يمكن أن تفاجأك و انت تنتقد سلوكا غريبا لأحد أطفالك بأن ذلك بالتحديد ما كنت تفعله في صغرك ، لله دَرُّهُن أمهاتنا لن نستطع مجازاتهن أبداً.

أمجد إبراهيم سلمان
5 أغسطس 2018
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
whatsapp 0031642427913