المثل البولندي يقول (عِدْ غنماتك قبل المرعي)! والناس تحاول الآن أن تقف على أبعاد الفساد وملاحقة (القطط المدغلَبه) ولكن كيف السبيل إلى معرفة موقفهم المالي وممتلكاتهم -إن وجدت - قبل أن يحصلوا على المناصب وعلى التسهيلات؟ ورحم الله شعارات (إقرارات الذمة) فقد إنقضى الحديث عنها وكأن لم يكن، وضحك أصحاب الذمم البلاستيكية في أكمامهم سخرية من هذه الشعارات البالونية التي تم شحنها بغاز الهيليوم! ولهذا سوف يتعثر المسعى في ملاحقة المفسدين ويُضاف الى العقبات الكؤود التي تقف حجر عثرة أمام آمال الوطن في تحقيق المعافاة وتثبيت أركان حكم القانون!

ولا معنى لأن يخرج علينا محامي أو حقوقي بحديث سداه ولحمته المصلحة الخاصة (له ولموكليه العتاة) عندما يقول إن الفساد في بلادنا لا يؤثر على الإقتصاد، وأن محاربته لن تصلح من (شأن المعيشة) ونحن نقول له (كضباً كاضب)! حيث لا يمكن لأحد أن يفهم ويعقل مثل هذا الحديث إلا من باب أنه يصب في خانة (توهين العزائم) في الحرب ضد الفساد.. ولو أنصف لقال إن التدهور الاقتصادي وإنهيار العملة الوطنية وتراجع أوضاع المعيشة وثيق الصلة بالفساد، بل هي من أسبابه المباشرة...لماذا؟ لأن الفساد يا سيدنا لا يعني السرقات الطفيفة.. بل هو، في أبسط تعريف له، يشمل إنتهاب المال العام، ومخالفة القوانين، وإختراق اللوائح، وتجنيب المال، وإستغلال النفوذ، وتقنين المحسوبية، وتهريب الموارد، وتبخيس الأصول، واللعب في المخصصات، وخيانة الأمانة، والتلاعب في المواصفات، وترويج السلع الفاسدة، والتربّح من المنصب، وتولية غير المؤهلين، والإستيلاء على الأراضي، وتخصيص العطاءات والمناقصات عوضاً عن إشهارها وطرحها للعموم...إلخ، فما الذي يخل بمقدرات البلاد وإقتصادها أكثر من هذه الآفات؟ خاصة إذا كانت المرافعة عن المتهمين تشمل طائفة واسعة من هذه المثالب والموبقات وما ينتج عنها من إكتناز الأموال وحيازة الضياع؟! وإذا كان بعض الذين حامت حولهم (الشبهات) ولا نقول (الإدانات) قد قام بثلاثة أو أربعة فقط من هذه الإختراقات فكم تبلغ قيمة ما جرى تحويله من الملكية العامة إلى (الجيوب الخاصة)؟! ثم كيف يكون وقع هذه الجرائم على معيشة الناس؟ هذا عدا الآثار الجانبية المُهدرة للمقدرات والتي تجعل الناس يزهدون في العمل والإنتاج وهم يرون الآخرين يحصدون ريع الدولة من غير جهد، ويهبرون ما خف وزنه وثقلت موازينه عبر هذه (الحوائط القصيرة)؟! علاوة على ما يصيب الشباب من اليأس والقنوط، وما يتكبّده التجار الوطنيين العاديين الذين لا يستطيعون منافسة البضائع المضروبة والتسهيلات التي تتيح للآخرين الحماية والإعفاءات؛ فمن يستطيع منافسة (سلع الإغاثات) أو (الأدوية المجانية)؟ لهذا يا سيدي ترى الناس لا يجدون الخبز ولا التيار الكهربائي، والتلاميذ لا يجدون المقاعد ولا وجبة الإفطار، والنساء لا يجدن الغاز، والمصارف لاتوفر للمواطنين أموالهم المودعة، وهكذا يهل على الناس كل صباح جديد همٌ جديد مُقيم.. ولسان حالهم يقول: (ذهبت همومٌ حِرتُ في أسمائها:: وأتتْ همومٌ ما لهن أسامي)!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.