تطرّق المقال السابق لقضية بارادايم أو أنموذج الدولة السودانية ما بعد الاستقلال ، و وضع وصفا عاما لهذا الأنموذج الذي ظلت تسير عليه أنظمة الحكم المختلفة ، كما قدّم توضيحا مجملا لأنماط هذه الأنظمة وطريقة مقاربتها للحكم. وسيحاول المقال التالي اكمال الصورة بتناول ممارسات المعارضات المتوالية و كيفية تعاطيها و تفاعلها مع تلك الأنظمة المتعاقبة من أجل وضع سياق واطار عام للمجال السياسي الذي يعمل من خلاله أنموذج الدولة السودانية.

إن الواقع السياسي لأي دولة لا يتشكل فقط من تحركات الحكومة القائمة ، فالحكومات لا تمارس أعمالها وسط فراغ سياسي فهنالك العديد من القوى المجتمعية والسياسية التي تنشط خارج نطاق الحكومة ، والتي تحظى بتأثير متفاوت فتتفاعل فيما بينها ومع الحكومات سلبا أو إيجابا لتؤثر في مجريات الأمور وتسهم في تشكيل الواقع السياسي للدولة. ويشهد التاريخ والواقع السياسي السوداني بتأثير ملموس لمختلف الحركات المعارضة لأنظمة الحكم المتعاقبة . وفيما أرى أننا عندما نحلل أدوار الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم السودان نُغفل أو نقلل في كثير من الأحيان من أثر ودور المعارضات السياسية المتوالية التي واجهت كل الحكومات السابقة ، ولا نمنح إسهاماتها المهمة في تشكيل الواقع السياسي في الدولة الاهتمام الكافي ، كما لا نُقيِّم بصورة موضوعية أثر الأدوار السالبة التي اضطلعت بها في كثير من الأحيان والتي تكاد أن توازي أو تفوق في سوئها وضررها ما ألحقته سياسات الحكومات التي كانت تعارضها.

لقد آن الأوان أن نعي و ندرك أن كل الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان بما لها وما عليها لم تأتي من فراغ ، إذ ما كانت هذه الحكومات إلا معارضات سابقة للحكومات التي سبقتها ، مثلت ذلك بشكل أو بآخر ، و أن معظمها قد خطط وعمل فعلا على اسقاط حكم قائم أو سعى لوراثته عمن سبقها من أنظمة وحكومات . ولقد لعبت تلك المعارضات/ الحكومات من خلال عملها المعارض أدوارا مهمة في تشكيل بيئة سياسية فاسدة كما أسهمت في تقويض الدولة مدنيا وعسكريا . وهذا قد يضعنا أمام فرضية قد تبدوغريبة للوهلة الأولى ولكنها تزداد منطقية بعد تتبع تسلسل أحداث تاريخ العمل السياسي السوداني وهي ان أغلب أزمات البلاد السياسية تستفحل من ممارسة الحكم و المعارضة على قدم المساواة.

وتماما كقرينتها من الحكومات المتعاقبة لم تفهم المعارضات المتوالية في معظم الأوقات الدور المنوط بها في العملية السياسية ولم تتحمل بتجرد عبء المسئولية العظيمة الملقاة على عاتقها في الاعداد والانشاء والمحافظة على نظام حكم ديموقراطي فاعل ومستدام. لقد ظلت المعارضات المتوالية تتبادل الأدوار مع الحكومات المتعاقبة ما بين الحكم والمعارضة وظلا يستعيران من بعضهما البعض نفس الأساليب الملتوية والمقاربات الفاسدة للعمل السياسي ، فكلاهما يمثل بذلك وجها من أوجه الأنموذج البائس للدولة السودانية الذي لن نتخلص منه أو ننتج أنموذجا جديدا بديلا عنه والحال على ماهو عليه إزاء طريقة العمل السياسي بصيغتيه الموالية للحكم والمعارضة له.

ظلت المعارضات السودانية المتوالية تتقمص دور المُخرّب و المُقوِّض في النظام السياسي ، إذ أنها لم تدّخر وسعا ، ولم تترك حيلة ، مشروعة كانت ام غير ذلك ، إلا واستخدمتها لاضعاف واسقاط الحكومات التي كانت تعارضها . فمن زعزعة النظام الديمقراطي بالمؤامرات السياسية على الحكومات القائمة ومحاولة افشالها وفض ائتلافاتها ، إلى افتعال الأزمات الاقتصادية باحتكار وتخزين المواد التموينية وخلق الندرة ورفع الاسعار بصورة جنونية لاستثارة الناس ، و وضع العصا في عجلة الدولة وشل مؤسساتها بافتعال الاضرابات النقابية بسبب وبدون سبب ، فضلا عن محاولاتها المتكررة لاقحام الجيش في السياسة بتجنيد عناصر منه لتنفيذ انقلابات لصالحها ، وأخيرا وليس آخرا كدحها المتواصل لا لتغيير النظام فحسب بل لاسقاط الدولة بأكملها بمحاربتها سياسيا وعسكريا بالتحالف مع مختلف القوى الأجنبية ذات المصلحة في محاصرة أو اضعاف أو تقويض الدولة السودانية.

إن تقمُّص هذا الدور المأساوي ناجم في جانب منه عن خلل جوهري في فهم دور المعارضة في النظام السياسي سواء كان هذا النظام نظاما استبداديا أو ديمقراطيا ، والمقصود بهذا الخلل هو إختزال دور المعارضة في السعي الدؤوب لإسقاط الحكومة بكل الوسائل ومن ثَم الحلول محلها. ومن جانب آخر تنم هذه الرؤية القاصرة لدور المعارضة في النظام السياسي عن محدودية التصور لطبيعة العمل السياسي والمقاربة الصفرية لمعادلة الحكم في الدولة والتي يتجلى أبلغ توصيف لها في المقولة السودانية "يا فيها يا أطفيها".

إن أهمية التركيز على هذه النقطة تحديدا تنبع من حقيقة تاريخية مفادها أن كل حكومات السودان المتعاقبة عسكرية كانت أو مدنية أمضت جل وقتها وبذلت أكبر جهدها واستنفدت معظم طاقاتها في المحافظة على كرسي السلطة الواهن والمُضعضع أصلا . فبالإضافة لتقاصر هذه الحكومات المختلفة عن فهم طبيعتي الحكم والبلد ، يرجع ذلك أيضا للمعارضات المتعددة التي واجهتها تلك الحكومات والمحاولات المتكررة لإسقاطها بكافة الوسائل مما أسهم إسهاما كبيرا في صرف إنتباهها عن الحكم الرشيد ، أو الحكم من حيث هو في حالة الحكومات المدنية ، وأسهم في فشلها جميعا في النهاية وان كان بدرجات متفاوته بطبيعة الحال. وهنا لابد من الاشارة إلى ما ذكره أحد السفراء الأمريكيين في حقبة الديمقراطية الثانية مما قام بإخراجه وترجمته مشكورا الأستاذ الكبير محمد علي صالح إذ ترجم عن السفير الأمريكي بالخرطوم قوله في تقرير بعث به إلى وزارة الخارجية الأمريكية فقال : "المناورات والمساومات على الحكم تشغل السياسين السودانيين عن الحكم ... ليس فقط الحكم الناجح او الحكم الفاشل، مجرد الحكم. لانه، بطبيعة الحال، عدم استقرار الحكومات المتعاقبة لا يعطيها وقتا كافيا لتكون حكومة ناجحة. او حتى فاشلة. وذلك لانها حتى لم تحكم. لم يأت الفشل في ما فعلت، الفشل في انها لم تفعل اي شى ...". جزء من رسالة من السفير الأمريكي بالخرطوم الى وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 4-6-1967

إن المعارضات السودانية المتوالية ومقابلها من الحكومات المتعاقبة ، المتصارعين دوما على كراسي الحكم ، لم يكونوا في الواقع مستعدين فنيا ولا مؤهلين أخلاقيا لتولي مقاليد الحكم في بلد كالسودان في يوم من الأيام. وبما أننا ناقشنا ماذا فعلت الحكومات بالحكم في المقال السابق ، فلنا أن نتناول هنا ماذا أعدت المعارضات لتولي الحكم مكان غيرها . فلم تمتلك أي من تلك المعارضات سابقا/ الحكومات لاحقا ، لم تمتلك أي برامج متكاملة تعالج مشاكل البلاد الرئيسية في شكل الحكم وهيكل الادارة وموارد الاقتصاد وتقديم الخدمات وما إلى ذلك ، ولم تنتج رؤية واضحة تخاطب الواقع السوداني وتسعى لحلحلة اشكالاته بمنهجية علمية مدروسة ، بل أنها لم تعتمد على تاريخ معروف لمنجزات مستدامة مُجمَع عليها تشفع لها أمام الناس أو تثبت فاعلية أدائها .

و يمكن اجمال الرصيد السياسي للمعارضات تحت ثلاثة أصناف من "المؤهلات" ، إن جاز لنا التعبير بذلك ، فهي إما صاحبة آيديولوجيات كونية مستوردة ، مُعلَّبة خارجيا تظن أنها تمتلك بها وصفة سحرية لعلاج كل أزمات البلاد ومشاكلها بجرعة واحدة وإلى الأبد ، حتى إذا اصطدمت بمحك الواقع وأعياها التلتيق وبانت استحالة التطبيق اضطرت أخيرا إلى وضعها جانبا بهدوء والعمل بدونها كيفما اتفق. ويمثل الصنف الثاني كومة من الشعارات الغوغائية الجوفاء وشعث متفرق من الافكار الديماجوجية التي تُهوّم في الهواء مابين السماء والأرض والتي لا ترقى حتى لمستوى الآيديولوجيات السابقة من حيث التكامل والتناسق البنيوي. أما الصنف الثالث فهو عبارة عن رصيد جاهز من قطاعات فؤية أو مجاميع تمثل جماهير اثنية أو جهوية او طائفية دينية والتي تُستجمَع بناءً على الهوية بغض النظر عن أي شيء آخر.

وغني عن البيان أن كل ما سبق من "مؤهلات" لا يساعد في تكوين أي فهم منطقي لطبيعة أزمات ومشاكل البلاد ولا يدفع إلى تبني برامج واقعية تخاطب جذور المشاكل وطبعا وفوق ذلك كله لا يغرس إيمانا صادقا بمبادئ الديمقراطية أو الحكم الرشيد ولا يُهيء ويُعِد لمواجهة متطلبات حكم بلد معقد ومركب كالسودان وعليه من السهل التكهن مسبقا بحاصل جمع مخرجات هذه المؤهلات مع بعضها البعض في المجال السياسي، وهي نتيجة صفرية حتما ان لم تكن سالبة ، تتمثل في صراع محموم ونزاع لا ينتهي لا يفضي إلا للضياع مابين أحزاب مُتكلّسة مُتيبّسة و أخرى هلاميّة لزجة و طغم عسكرية متسلطة. والحصيلة النهائية ترسيخ لأنموذج الدولة السودانية البائس واعادة انتاج الأزمات وتدوير الفشل .

والآن و بعد كل ما ذكر هل من المنطق أن نكتفي بالقاء اللوم على الحكومات والمعارضات ممثلة في الساسة والأفراد الناشطين بكليهما وننفض أيدينا من كل السياسة السودانية ؟ هل ثمة هنالك عامل مشترك أكبر بين الحكومات والمعارضات يستتر من خلفهما وهل وراء الأكمة ما ورائها ؟ وهل من الانصاف أن نضع الجميع في سلة واحدة ونساوي بينهم في المسئولية ؟. طبعا لا. لا يستوون.

حسناً.. لنا أن نستخلص أن آفة العمل السياسي في السودان بِشقّيه الحكومي والمعارض لا تكمن في الأفراد بحد ذاتهم بل في المنظومات المعطوبة التي تعمل كحكومة تارة وكمعارضة تارة أخرى والتي لم تُصنع ولم تُشكّل إلا لأجل السلطة ، والتي توظف هؤلاء الأفراد وغيرهم لتخرج أسوأ مافيهم وتنتج ممارسات سياسية عقيمة لا توّلد سوى الأزمات الماحقة للبلاد.

ولا ننكر هنا أن الساحة السياسية السودانية ، حالها حال البيئات السياسية في غيرها من الأماكن ، ظلت تنتج وتعُج بالعديد من الشخصيات الوصولية الطامعة في تحقيق مكسب سهل و ثراء سريع ، وأخرى نرجسية تطمح وتتعطش إلى السلطة وتشعر بالاستحقاق تجاه المناصب دونا عن غيرها ، وغيرهم العديد ممن يعانون من مختلف أنواع الاعتلالات النفسية والاختلالات الشخصية ومن أصحاب الغرض والمرض والعُقد. فمن سوء الحظ أن طبيعة العمل السياسي لا تطالب بكشف مبكر لممتهنيها ولا تفرض عليهم حدا أدنى من المؤهلات على عكس أي مهنة أخرى.

ولكن على الجانب الآخر لا يجب أن يدفعنا هذا الاقرار إلى أن نَشْطَط ونُغمِط حق حواء السودانية في الاعتراف لها بأنها ما عقرت يوما من انجاب رجال ونساء على درجة عالية من التأهيل و الاستقامة والوطنية ما فتؤوا يكافحون ويناضلون من أجل مستقبل أفضل لهذا البلد. ولكن ولسوء الحظ أيضا غالبا ما يصطدم هؤلاء بتيارات بيئة العمل السياسي الفاسدة الجارفة والتي تعيقهم عن القيام بالدور المؤمّل فيهم وتثبط من نمو الاصلاح السياسي في الدولة.

ونختم هنا بالقول إن المنظومات السياسية سواء كانت حاكمة أو معارضة ، وعلى اختلاف مشاربها ، بسعيها الدؤوب الى الوصول الى السلطة بأي وسيلة و المحافظة عليها بأي ثمن ، جعلت من السلطة غاية في حد ذاتها يفنى في سبيلها كل شيء ويُستنزَف في الصراع عليها ومن أجلها كل مورد و وقت وجهد وفكر وقيمة ، مما كان سببا في جلب عدم الاستقرار السياسي وتخبط السياسات العامة واحتذاء نفس الأنموذج مرة بعد أخرى والدوران في حلقة مفرغة مما أدى في النهاية الى التدهور الاقتصادي المستمر والتقهقر المطّرِد للدولة والانحدار العام لمجمل اللأوضاع. فكل قرائن الأحوال لدينا تشير إلى أن المنظومة السياسية المعطوبة سواء كانت حزبا سياسيا أو حكومة تنفيذية أو كيانا معارضا أو غيرها هي آفة العمل السياسي السوداني ، وهي الجرثومة الرئيسية المسؤولة عن افساد بيئة العمل السياسي والمؤدية إلى انتهاج ممارسات سياسية عقيمة والمفضية إلى انتاج حكومات ومعارضات تحتذي نفس الأنموذج في كل مرة ولا تنتج سوى الأزمات والفشل .

ذلك لأن أصل العلة في هذه المنظومة يكمن في كونها آلة بدائية صُمِّمت لهدف واحد هو الوصول الى السلطة و من ثَم المحافظة عليها. لا أكثر ولا أقل. وان بدا عليها شكل من أشكال التنظيم والمؤسسية أو ملمح من ملامح الفكر أو الرؤية أو مسحة من مسوح القيم والمُثل ، فلا تعدو أن تكون إلا رسوم ونقوش ورتوش خارجية وسطحية لا تنفذ إلى صلب التصميم ولا تغير من طريقة العمل. فهي أداة صماء لا تسمع نقدا أو تسمح باصلاح ، وهي آلة عمياء لا ترى خللا في بنيتها ولا تبصر قانونا تهتدي به في عملها ، وهي أداة بكماء لا تستجيب لمن يستعملها الا بطريقتين اثنتين ، تماما كالمِعوَلٍ ذي الرأسين أحدهما مدبب تستعمله عندما تكون في خانة المعارضة لتدك به عرش الحكومة وتسقطها حتى لو سقطت الدولة بأسرها معها ، وآخر مسطح تعمل به عندما تكون في الحكومة وتستخدمه في تكويش أكبر قدر من السلطة في جانبها حتى لو لم يتبقى لغيرها ابسط الحقوق. ولنا أن نسأل أنفسنا هاهنا ، كيف لبلد أن ينهض ولأمّة أن تتحد وأبناؤها ينزلون بمعاول الهدم على بعضهم البعض بدلا من أن يصعدوا فيها وبها بروافع البناء؟!!.
يتبع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////