عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 


استقلال السلطة القضائية والإعلام الحر هما الركيزة الأساسية التي تقوم عليها دولة القانون والعدالة ، والقاضي في جميع الأحوال يجب ألا يتأثر بما يثار حوله ويجب عليه أن يصدر حكمه بناء على الأدلة التي تقدم اثناء المحاكمة ، وأن يحكم وفق عقيدته التي كونت اثناء نظر القضية ، لكن القضاة بشر يتأثرون بما يدور حولهم من تغطيات إعلامية ونشر وقائع الجلسات وغيرها ، والضغط الإعلامي يخلق لدى القاضي ضغط نفسي قد يؤثر في حكمه ويؤثر سلبياً على القرار القضائي.
ولا شك ان الإعلام يقوم بدور كبير في متابعة القضايا الجنائية وجعل الرأي العام يتابع الاحداث ليكون رقيباً على العملية القضائية في اطار من العلانية ، والعلانية تجعل الرأي العام رقيباً على إجراءات المحاكمة فيدعم ثقته في عدالتها ، وهذه الرقابة تحمل القضاء على التطبيق السليم للقانون وتحري المزيد من الدقة في عملهم ، لكن في بعض الأحيان وبحكم أن الاعلام غير متخصص ينعدم الحياد والموضوعية والمهنية ويتم نقل الوقائع بصورة غير صحيحة ، ويتم تناول تفاصيل الجرائم وطريقة إرتكابها والحديث عن شخصية المتهم والمطالبة بتوقيع أقسى العقوبات عليه ، والجمهور يستخلص من تلك الوقائع غير الصحيحة إشارات سالبة ومعطيات غير حقيقية مما يخلق انطباع لدى الراي العام بان المتهم موضوع هذه القضية (شخص مجرم) ويكون نتيجة ذلك خلق مناخ متوتر وبذلك تضعف قرينة البراءة لديه ويؤثر ذلك على دفاعه ولا يستطيع المتهم تقديم دفاعه بالشكل المطلوب ويتم اجهاض حق المتهم في محاكمة عادلة تُكفل فيها للمتهم كل الضمانات اللازمة.
والمتهم في مرحلة التحريات والمحاكمة يعتبر شخص برئ ، والبراءة مبدأ أساسي لضمان الحرية الشخصية للمتهم ، وبمقتضى هذا المبدأ أن كل متهم بجريمة مهما بلغت جسامتها يجب معاملته بوصفه شخص برئ حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي ، وقاعدة ان المتهم برئ حتى تثبت ادانته تعبر عن أصل البراءة في الانسان وإذا نسب إلى شخص ما بأنه أرتكب جريمة ، فإن مجرد هذا الإدعاء لا يلغي الأصل في الإنسان، ولا الفطرة السليمة التي جبل عليها ، فالوضع الطبيعي الذي وجد عليه الانسان انه لا يجرم ، والجريمة أمر طارئ في حياته ، ويقتضي الحق في افتراض البراءة أن يتحاشى القضاة أي تحيز مسبق ضد المتهم ، وينطبق هذا أيضاً على جميع الموظفين العموميين ووسائل الاعلام المختلفة ، ومعنى هذا أن على السلطات العامة وأجهزة الاعلام أن تمتنع عن الإدلاء بأية تصريحات عن إدانة أو براءة المتهم قبل صدور الحكم النهائي عليه ، هذا ما أكده الإعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة (11) كما يلي: « كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه» والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة (14/2): « من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا» والاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان في المادة (6/2) : « كل شخص يتهم في جريمة يعتبر بريئاً حتى تثبت إدانته طبقاً للقانون» ونص دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2005م في المادة (34/1) : "المتهم برئ حتى تثبت إدانته وفقًا للقانون". والمادة (4) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م " المتهم برئ حتى تثبت أدانته وله الحق في أن يكون التحري معه ومحاكمته بوجه عادل وناجز"
الملاحظ في الآونة الأخيرة ان القضايا التي يتناولها الاعلام وتتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي والوسائط المختلفة تحظى بمتابعة الراي العام ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية المحلية والدولية ، وأغلب هذه التغطيات تتحول وتدخل ضمن اطار الصراع السياسي لدمغ النظام بعدم إحترام حقوق الانسان او اتهامه بإهدار حقوق الضحايا وغير ذلك ، لكن يتناسى البعض ان مثل هذا التناول الإعلامي يضر بقضية المتهم ويهدر ثقة المجتمع في القضاء وفي أحكامه ، خاصة القضايا التي تكون قيد النظر في المحاكم حيث يتم تعبئة الراي العام - ضد المتهم - من خلال ما ينشر من وقائع غير صحيحة ، وفي بعض الأحيان يتم إصدار أحكام استباقية على المتهم وتجريمه ، لذلك عندما تأتي مرحلة النطق بالحكم في القضية ويحكم القاضي بالبراءة لعدم توفر الأدلة في مواجهة المتهم ، يصبح الرأي العام في حالة صدمة حقيقية ويتحول القاضي الذي ينظر في القضية في نظر الرأي العام من ناظر للقضية إلى مدان ، لأنه سبق للإعلام نشر مآلات غير حقيقية تتصادم مع ما توصل اليه القاضي في حكمه ، لذلك في النظام الانجلوسكسوني الذي يعمل بنظام " هيئات المحلفين" يتم عزل المحلفين عن الإعلام طوال فترة نظر القضية لضمان سير الدعوى الجنائية وعدم تأثر قناعاتهم بمؤثرات خارجية غير الأدلة التي تقدم لهم اثناء نظر الدعوى الجنائية ، وأيضا هناك دراسات علمية أثبتت ان التقارير الإعلامية تؤثر في حجم وتشديد العقوبات على المتهمين وفي الإجراءات المتبعة ضدهم.
مع التأكيد على علنية المحاكمات وحق وسائل الإعلام نشر المحاكمات والحصول على المعلومة وهذا حق دستوري وقانوني ، ولكن يجب على وسائل الاعلام والوسائط المختلفة ايضا الالتزام بالحيادية ونقل الوقائع بتجرد دون أي اعتبارات شخصية أو تحيز لطرف دون آخر حتى لا يتسبب ذلك في التأثير على الرأي العام والتأثير على حق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة ، والمبدأ القانوني لا يضر العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على الناس ومعاقبة الأبرياء دون حق ، ويجب على اجهزة الاعلام والوسائط المختلفة ترسيخ مفهوم استقلال السلطة القضائية واستقلال القاضي وحياده ونزاهته ، واحترام الاحكام والقرارات التي تصدرها المحاكم من اجل سيادة حكم القانون .