هذا اليوم الموبوء، هو اليوم الثامن، من أيام الأسبوع الخامس، في الشهر الثالث عشر، فهو الذكرى التاسعة والعشرين لانقلاب 30 يونيو 1989، فمنذ يومها اختلت المواقيت والموازين والقيم، وانهارت الهمم، وكبرت العمم، ولم نعد نعرف غير الرماد والسجم، ولم يعد مسموحا للمواطن ان يقول "بِغِم"

على مدى 29 عاما حسوما وحكومتنا تعارض نفسها، وتثبت أنها حكومة فقط بالاسم، فلم تعد تحكم، بل يتحكم أساطينها في العباد والبلاد، ولم تعد هناك معارضة حزبية فاعلة، بل هناك فقط قيادات تاريخية "حسابيا" متكلسة لا تعرف من العمل السياسي سوى توقيع النداءات والاتفاقات والمواثيق ثم لحس محتواها، وبعض تلك القيادات معارض بالنهار وحكومي بالليل عندما يحسم الكاش النقاش

والفساد في سودان اليوم يمكن رصده بالعين المجردة والأنف، تراه في جضوم الذين ما كان عندهم قرش وصار لكل منهم عظيم كرش، وتراه وتشمه في الشوارع والجسور والأرض اليباب والمرافق التي شملها الخراب، والعاطل من كل مؤهل وموهبة وصار من ذوي الألقاب

ولا أفهم لماذا يعتقل جماعة الأمن بعض غمار الناس لأنه قال إن هناك فساد او سوء إدارة هنا او هناك، بينما الأجدر بالاعتقال هم العاملون بديوان المراجع العام الذين يعلنون كل بضعة أشهر عن اختلاسات وسرقات مليارية في بيانات معززة بالأسماء والأرقام الدقيقة

لماذا يشتم أهل الحكم المواطن العادي ويسيئون إليه ولا يتحملون منه مجرد الشكوى، بحيث صار نقل صور فيديو او فتوغرافية صادقة عن حال المستشفيات تهديدا لأمن البلاد واستقرارها، مالكم كيف تحكمون وفيكم من قال: الما عنده قروش داير يقرأ ل شنو؟؟ ومن يتساءل عن جدوى علاج مرضى السرطان طالما أنهم عديمو الذوق و"يموتون"، وعن "من أين تأتون بكل هؤلاء المرضى؟"، و"كنتم شحاتين قبل أن نأتي لنحكمكم"، ويقول وزير إنه لم يترك بابا للشحتة دون أن يطرقه بلا طائل، ويبقى في منصبه

وأكثر من 70% من المواطنين رأوا أن الانتخابات الصورية التي تجرى بين الحين والآخر لا تعنيهم فسمعنا أن "مقاطعو الانتخابات أراذل القوم"، وسمعنا أننا كنا في العصر الحجري ما قبل عام 1989 ولم نكن نعرف الكبريت والصابون ولم يكن لأي منا أكثر من قميص واحد بل قال قائلهم إنه لو لم يأتوا الى الحكم لكان شعب السودان قد انقرض

وشيوخ السلطان يقولون إن غضب الله حاق بالشعب بسبب ابتعاده عن الله، ولم يشرحوا للمواطن كيف يتمتع بخط ساخن مع السماء دون الانضمام للحزب الحاكم؟

ما الحل طالما الحكومة رفعت يدها عن أمور الحكم؟ ما البديل والمعارضة القائمة على الأحزاب لا تحسن التسديد إلا في العارضة، ولكنني أجزم بأن أصحاب الأصوات الجهيرة منهم ينتظر كالعادة أن يقنطر الشعب الكرة أمام مرمى بلا حارس ليقوموا هم بالتسديد ونيل شرف إحراز الهدف

أخشى ما أخشاه على وطني هو تفجر ثورة الجياع بلا قيادة أو خطة. وفي الذاكرة ما حدث ليلة مصرع جون قرنق عندما قامت آلاف مؤلفة بأعمال تدمير وحرق ونهب لا علاقة لها بالحادث نفسه بقدر ما كانت تعبيرا عن غضب مكتوم من عموم أهل الخرطوم التي صارت "مدينة الشوم" ووكرا للبوم

ولو عالجت الحكومة غوص الجنيه في مستنقع السبهللية بإجراءات أمنية فماذا قد تفعل إذا وجدت الجنيه يجرها هي نفسها الى القاع؟ ماذا لو انتفض "أراذل" القوم الجياع؟ شعبنا جرب منطق "يا غرق يا جيت حازمها" مرتين فقد خرج في أكتوبر 1964 وابريل 1985 وهم يعلن "فليستشهد من يستشهد ولكن إما نحن وإما هم" و"ليس في الإمكان أسوأ مما كان"

ولست ممن ينعتون الشعب بأنه جبان، فقد تعرض لهندسة اجتماعية منذ تولى علي عثمان (الحالم بالعودة) كرسي وزارة التخطيط الاجتماعي، وتم تفريغ المدارس والجامعات من أي محتوى تعليمي او معرفي، وتدمير مرافق الخدمات لصالح قطاع الطرق الطفيليين، باسم الخصخصة وتعزيز دور القطاع الخاص، فصار هناك قطاع خاص "جدا" يمسك بكل مفاصل الاقتصاد وقطاع عام ظاهريا ولكنه خصوصي للغاية

شغلوا الناس بأمور القوت وزينوا له الموت، وحسبوا أن ذلك يجعلهم آمنين في كراسيهم، متناسين أن الشعب ليس هو أحزاب المعارضة ولا (بالتأكيد) أحزاب قاعة الصداقة، فالشعوب كل الشعوب تبدع في منعطفات معينة من تاريخها وتصحح مسارات بلدانها، كما فعلت شعوب الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية وإيران وغيرها، وفعلها شعبنا قبلهم جميعا (ولكن خذلته قياداته فأجهضت انتفاضتي أكتوبر وإبريل)، ومن المؤكد أنه شعب مؤمن ولن يلدغ من نفس الأفاعي ثلاث مرات.