من العسير جداً أن تتكلّم عن الشاعر (محمد ود الرضي) في لمحة أو عمود أو مقال أو كتاب أو مجلد أو ملحمة! فالرجل غزير الإنتاج بصورة مذهلة.. ولا أعرف باباً أو غرضاً لم يكتب فيه قصيدة أو مقطع أو أغنية أو دوبيت أو أهزوجة أو (رمية) فالرجل عاش فترة ممتدة بروح شاعرة مع خفة ظل وإمتلاك عجيب لما يسميه الخواجات (روح المفاكهة) وملكة واسعة في التصرّف اللغوي؛ وهو فوق ذلك يرتكز على خلفية فقهية عميقة، فقد عاش في بيئة صوفية خصبة في شرق النيل وهو لا ينسى في كل خاطرة "أن يعمل حساب مشايخو"! وله ذكاء فطري وعارضة قوية وحُسن تخلّص؛ فحتى عندما يريد أن يُبحر قليلا ًفي وصف الغراميات ومخايل النساء الجسمانية أو أحوال زينتهن، فإنه لا ينسى (خط الرجعة) وتجهيز رد المساءلة؛ وعندما يرسل إشاراته الغزلية ولواعجه العاطفية فإنه يعرف كيف ينسب ذلك الي (أحلام اليقظة) أو (أحلام المنام) او التمنيات المُرسلة wishful thinking وقد فعلها في أحوال كثيرة منها في أغنية "أنا في التمني" حينما شعر أنه توغل في الغزل والمداعبة ووصف (إتكاءة الحنّة) و(حمّام البخار البلدي) فعاد يقول (متلاعب ليس إلا... ما موضع مطامع)! ثم إنه يبدأ أغنيته "ليالي الخير جادن" بما لا يمكن أن يوآخذ عليه، ويقول من أول السطر (شفتَ في الأحلام ظِبا يتهادن) ويكرر في شطرة تالية: (تلكم أحلام.. ليت تمادن)! ثم يؤكد في الختام أن الحكاية أحلام نائم: (صحيت ندمان نومي إنقلّ.. أتناوم غش وقواي كلّ)..وهي مع ذلك أغنية بديعة جمع فيها في بيت واحد ثماني صفات، وفي مربع واحد "أربعطاشر صفة"! وهي صفات تتضافر وتتكامل بحيث تغطي الوصف العضوي والمعنوي والوجداني والتمثيلي ووصف الحالة و"سحر الهالة" (رانع واحل تائه غافل.. لادن هادل ضامر كافل/ هادي وساكن آمن قادل.. بهجة هيبة حاكم عادل)!

ثقافته الدينية ومعرفته بالمقولات الفقهية لا تخطئها العين؛ وتبقى المهارة في التعبير الغنائي عنها.. من مثل (مَنْ تعاطي المكروه عمداً ..غير شك يتعاطي الحرام) وإشارته لقصة سيدنا يوسف (شوفتك حالية غالية وبيها يحظي جناني.. زي ريحة قميص الخشا بير كنعانِ) ومثل هذا كثير (إمتى حرَمَك ادخل حِماهو؟ ..قالي مذهب مالك حَماهو) و(سنة الإسلام السلام) والتعوّذ من "شر غاسق إذا وقب".. مع معنى لطيف لتجسيد اللطائف؛ فكأن هناك من يترصّد الأحلام وهي تسير على رجلين: (يا أماني من كل واقبْ... مالو طيفك لي ماهو راغبْ... هل في طُرق الأحلام مُراقبْ.. أم يحاذر أمراً مخيف)! ومن طريف إشاراته في هذا المجال إنه يقول في شكوى الغرام (ميت مين يلم اعضاي وياخد أجري..سببي الريقو بين سبحان وسورة الحجرِ) والسورة التي بين سبحان والحجر هي سورة النحل ..وهو يريد أن يقول أن ريق محبوبته كالعسل!! ...وهذا باب يطول!

روح الطرافة هذه تجدها في معظم شعره الغزير؛ أنظر إلى أنشودة (ست البيت بريدا براها) من أولها إلى آخرها.. وأنظر إلى تتبعه الباخرة "ومن فيها" من إسكلا الخرطوم حتى الرجّاف في أقصى الجنوب الحبيب "أيام كان النقل النهري في تمام عافيته".. وأنظر إلى لماحيته في الرميات فهو (ملك الرميات) بغير منازع ويكفي للتدليل على ذلك رمية واحدة أو إثنتين من عشرات الرميات (يعاينن توبتي في كامن ضميري ويمحن..والشاف فاتن جمالن وانتشارن يمحن.. قلوباً ما انشون بي نار حسارن قِمحن ..الله يكبِّرن الكبرني وسمحن) والثانية (نادت منادي قلوبنا صاح..واتبكموا الناس الفُصاح..المجنون نِصِح وجنّوا النُصاح...الشافعه مي شافعة نصاح)!..هذا طبعاً غير رمياته الشهيرة "جلسن شوف ياحلاتن" وطابق البوخة" و"فاح لي كَبَريتا" و"سبب نوحي واضجاري" و"مال مع الصفقه" و"شيخنا قال لينا" و"قمنا نتشرّف" و"الكتوف واقعة" وهلمجرا..

وفوق ذلك تميّز ود الرضي باستعاراته المدهشة؛ فعندما ذهب للعمل في (خزان مكوار) خالط الإخوة المصريين واستعار منهم لفظة يسخرون فيها من الحظ "الهباب" العاثر: فقال (ميلي قامتِك عرجنيله.. وقولي للوز "جاتو نيله")!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.