أحياناً يستغرقني التفكير في أن بطلنا الأسطوري "مصطفي سعيد" هو نحن، وأن روائينا الراحل الطيب صالح رسمه داخل رحم أمهاتنا لنخرج نحن إلى الدنيا تملأنا العاطفة وتغرقنا أثناء تعاطينا مع أكثر الأمور جدية، فحتى الاقتصاد عند مصطفى سعيد يقوم على الحب لا على الأرقام. وهنا تكمن المفارقة ففي أثناء الأحداث الكبرى والصغرى على السواء تجدنا عاطفيين، وكذلك في مقارعتنا لنظام "الانقاذ" ومواجهة جبروته وإرهابه وقهره لنا.

المفارقة أننا نريد الشيء وضده في آن معاً، نحارب لكي لا نمنح النظام "الشرعية" ونناضل لإحراز أهداف محدودة تدعم شرعيته. نريد إزالة النظام السياسي وسلطته القهرية البوليسية، وفي ذات الوقت نريد تقويمه وتهذيبه وأن نضغط عليه للامتثال لطبائع النظم السياسية السوية الحكيمة التي نتطلع إليها ونبعده عن طبائع الاستبداد المجبولة عليها أصلاً، وكما يقال فإن الطبع يغلب التطبع.

والخطيئة الكبرى الملازمة لتلك المفارقة، هي أننا نتعامل مع قضايا الحقوق والحريات كجزر معزولة عن بعضها، وكلما حسبنا أننا أحرزنا نجاحاً في قضية تسلبنا جزيرة أخرى متعة الفرحة بذلك النجاح، وكلها قضايا حقوق. نشد الأحزمة ونعلن حالة الاستنفار القصوى ونحشد كل القدرات حول قضية محددة، نحتج لدى النظام الحاكم في انتهاكه للحقوق ونطالبه بتطبيق القانون والإلتزام بالدستور، وهو ذات النظام السياسي الذي نصمه بالإرهابي والشمولي ونشكك في قدرة أجهزته التنفيذية على الفكاك من أسره طالما هو مهيمن عليها وهي موظفة لحمايته، نشكك في حيادية عمل الشرطة ونشكك في حيادية واستقلال القضاء، ونشكك في القائمين على أمر الخدمة المدنية، ورغم أننا نعلم أن اللوائح التي تنظم عمل كل هذه الأجهزة ربما لا تشوبها شائبة ومتسقة في كثير من جوانبها "وبروتوكولاتها" مع نصوص الدستور ومواد القانون، فالدستور (2005 المؤقت) يطالب الجميع بالإبقاء عليه ومتفق عليه لأنه لم يكن اجتهاد الانقاذ بل ثمرة نضال طويل سرقته "نيفاشا" ونهاياتها في خاتمة المطاف لتعود حليمة لعادتها القديمة. هذا التشكيك مسنود بوقائع واعترافات قادة النظام بأنهم في الأصل ليسو محايدين بل إنهم مكنوا لأنفسهم ولنظامهم على حساب القانون والكفاءات والأخلاق المهنية أو كما أسموه "عهد التمكين" الذي أفرغ كل النصوص الدستورية والمواد القانونية من محتواها، من هنا جاء التشكيك في الأجهزة التنفيذية والقضائية والتشريعية التي تخدم هذا النظام إلى الآن.

لنأخذ مثالاً آخر؛ يندرج تحت البروتوكول الثاني لحكماء صهيون: السيطرة على الحكم والتعليم والصحافة.

خبر على هذه الشاكلة يشرح الكثير، في بيان للشبكة في مارس الماضي عن محاكمة رئيس تحرير "الجريدة" وكاتب بالجريدة "تؤكد الشبكة ان نهج السلطة بمحاكمة الصحفيين بالقانون الجنائي مخالفة للمواثيق والعهود الدولية التي تمنع محاكمة الصحف إلا عبر محاكم مدنية.

تطالب الشبكة كافة المنظمات المحلية والاقليمية والدولية المهتمة بحقوق الإنسان والحريات وعلى رأسها حرية التعبير التدخل والضغط على السلطة لوقف مثل هذا النوع من الانتهاكات الخطيرة التي تهدف إلى ارهاب الصحفيين ومنعهم من تناول ونشر قضايا الفساد."

إلى جانب ذلك الانتهاكات المستمرة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني المتمثلة في مصادرة الصحف أو منع كاتب من النشر، والتي كثيراً ما تصدر بشأنها بيانات، أو تحمل اللافتات بشعارات "صحافة حرة أو لا صحافة".

فقد درجنا على مخاطبة من نعتبره الجلاد ونطالبه بوقف الانتهاكات الخطيرة، والجلاد هو ذات السلطة التي تنفذ خطة وبرنامج النظام السياسي الذي نطالب ليل نهار بإزالته. ومن خلال المتابعة فإن الأمر لا يعدو كونه تثبيت موقف أكثر منه مواظبة على واستمرار من أجل المطالبة بحق التعبير، فما أن تغيب شمس اليوم الذي تنتهي فيه الوقفة ويصدر فيه البيان وتعاود الصحيفة الصدور في اليوم التالي، وكأن الأمور استقامت وأن انتهاكات جهاز الأمن توقفت وأن نظام الإنقاذ امتثل للضغوط وأصبح مؤمناً بحرية التعبير طالما أن الصحف لا تصادر، فيصبح النظام شرعياً بقية ايام السنة، مع العلم أن هناك صحف لأحزاب معارضة من الوزن الثقيل تصدر في ظل قوانين ذلك النظام مثلها مثل غيرها، وتستمر في الصدور إلى أن يحدث وتصادر من قبل جهاز الأمن مثلها مثل بقية الصحف "المستقلة"، ويحدث نفس الشيء من بيانات ولافتات. وهذا يعني أحد أمرين، إما أن النظام السياسي القائم، والذي نطالب بإزالته، مظلوم طالما أن تلك الصحف تصدر وأن هناك حرية تعبير ومساحة كافية للنشر وإما أن هذه الصحف لا تنشر ما يثير غضب النظام ويحفز شهوته لعقابها إلا على فترات متباعدة فتصادر مثلها وبقية الصحف "المستقلة"، وتهدأ الأمور متى ما أطل فجر يوم جديد وعادت رائحة الحبر إلى المطابع.

ونعاود، مثلا، الحديث عن قانون للصحافة، ونحتج على مواد عدة في قانون مقترح، متجاهلين تماماً أن الكلمة الفصل في كل هذا للنظام السياسي القائم ذي الطبيعة الإحادية القمعية الشمولية. نطالبه أن يصدر لنا قانوناً على مقاسنا نستظل به ونحاكمه به.

لنتناول نموذجاً آخر؛ "منع جهاز الامن نشطاء سودانيين وأسر معتقلين امس الخميس من تنظيم وقفة إحتجاجية وتسليم مذكرة لمفوضية حقوق الانسان في السودان تطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ، وإيقاف إنتهاكات حقوق الانسان بالبلاد . وأجبر رجال الأمن الذين أنتشروا بكثافة حول وأمام مقر مفوضية حقوق الأنسان الخرطوم الناشطين وأسر المعتقلين على مغادرة المفوضية على الفور."

هذا غير وقفات أسر معتقلين وناشطين أمام مباني جهاز الأمن والمخابرات الوطني التي تطالب بإطلاق سراح أبنائها المعتقلين لأسباب سياسية، يظل الجدل موسمياً مرتبطاً بالفترة الزمنية التي يبقى فيها المعتقل أو المعتقلون أسرى السلطات الأمنية، متجاهلين تماماً أن الأصل في الأمر لا علاقة له بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، بل في الجهة التي أمرت بإنشائه والغرض منه والقوانين التي أصدرتها بشأنه، فالاعتقالات تتم بأمر القانون والحصانة التي يتمتع بها فرد الأمن أجازها القانون أما التجاوزات التي تحدث فسيقولون لك بكل بساطة "إنها فردية"، وسيعاقب مرتكبها وفقاً للوائح الداخلية المصممة خصيصاً.

إذاً نحن نطالب الجهاز الذي صممه النظام السياسي لقمعنا وإرهابنا بالكف عن ممارسة مهامه، بالكف عن اعتقالنا وتعذيبنا وانتهاك حقوقنا، نطالب بتقويم جهاز الأمن وتعديل مهامه والقوانين المقيدة للحريات التي يرتكز عليها عمله أو جزء من عمله، لتتسق وروح حقوق الإنسان والحريات التي ننشدها وهو القائم في ظل نظام سياسي قمعي بطبيعته وشمولي وإرهابي.

ومتى ما أطلق سراح المعتقلين، وإلى حين إشعار آخر تجف الأقلام وترفع الصحف، وتسير الأمور طبيعية وسمن على عسل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.