أوشكنا ان نقول ان مسألة تجفيف المدارس بحجة خفض نفاقات الدولة هي أكبرمهزلة في تاريخ الدنيا وتاريخ الدول وتاريخ التعليم! إلا أن بعض العقلاء نصحونا بأن نتريّث ولا نقول إنها خاتمة المهازل.. فما يصدر في الفترة الحالية من قرارات قد ينافس في موسوعة (جينيس العالمية) وربما تتفوّق قرارت قادمة على حكاية تجفيف المدارس بمحاولة (تجفيف الأوكسجين) نفسه عن رئات المواطنين!

ولكننا في الوقت الحالي لا نرى أن هناك (طامة أكبر) من هذا القرار لو قُدِّر له النفاذ.. فهو إجراء يدعو صراحة إلى نشر ألوية الجهل في مدن السودان وقراه.. والأوجع والأنكى أن يكون القصد من مثل هذا القرار تخفيض النفقات على الدولة! إنها ملهاة (مكتملة الفصول)؛ أن تنظر دولة إلى قائمة نفقاتها وأوجه صرفها فتغمض عينها عن كل مكان يستحق التخفيض والتقليص والبتر والتجفيف فلا ترى أنسب من مدارس التلاميذ ومنافذ العلم لتوجّه إليها ضربتها، بل وتجد الشجاعة في الإعلان عن قطع مياه العلم عن التلاميذ! ومن لم ير أن التعليم قد تم استهدافه في عشرات القرارات السابقة وجرى تقويض أركانه، فهو يحتاج الي عملية عاجلة في (الشبكية والقرنية) ونزح المياه الزرقاء والبيضاء عن بصره وبصيرته! تكاثر الجامعات على نمط (تكاثر الفطريات) مع تعاظم الألقاب وزيادة الجهل؛ يقابله تقويض التعليم الأولى الابتدائي الذي لا تستقيم بدونه المنظومة التعليمية، والحاصل أننا نكشف بذلك عن جهلنا وعن فداحة قرارات المتجرئين الذين وضعتهم الظروف في أماكن اتخاذ القرار؛ ليعلنوا للدنيا عن هذا (الحل العبقري) الذي يربط تخفيض نفقات الدولة بتجفيف المدارس التي يعكف علي تاسيسها ورعايتها المواطنون أهل البطون الطاوية، ويكملون فيها تقصير الدولة من جيوبهم ومن قوتهم وماء عيونهم!

ايهما بالله عليك أحق بالتجفيف؛ المدارس؟ أم المراتع التي يرتع فيها من تطيب نفوسهم بسحب مليارات المال العام والمصارف بالإختلاس أو بالضمانات الوهمية؟! وأنظر إلى المبالغ التي تدور حولها (قضية واحدة) أعلنتها الدولة نفسها عن القطط السمان أو عبر تقارير ديوان المراجع العام، وأحسب كم هي قادرة على تأهيل واستمرار آلاف المدارس في ربوع الوطن! ولكن الدولة ترى أن تخفيض النفقات يكون بالنكاية في طلاب القرى والمدن وإبعاد التلاميذ والمعلمين عن المدارس.. وليس من الغريب أن تنتشر هذه الأيام صور المعلمين بشيبهم الوقور يجلسون على التراب محتجزين بحجة أنهم تعاطفوا مع التعليم ومع الطلاب ومع مدارسهم ومع واجبهم بما يشكّل إساءة لنظام الدولة!

كثيرون محضّوا النصح وقدموا البدائل والحلول واقترحوا مواقع عديدة هي الأقمن بتخفيف نفقات الدولة، وأشاروا الي جيوش العمالة الزائدة في جهاز الدولة والمجالس النيابية والوظائف الشَرَفية، وفي الآلاف الذين قعدوا على أنفاس الخزينة العامة بإسم (المحاصصة والمجاوهة) التي تجعل الشخص هو الذي يخلق المنصب وليس العكس! وهذه من علامات إنهيار الدول ووصولها إلى نقطة التلاشي؛ الا أن يتولى الله البلاد من أن تتنزّل عليها مصائر عاد (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد)!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

/////////////