فتحت حقيبتي لإخراج جهاز اللابتوب ففوجئت بوجود دمية كبيرة و بعض أكياس البلاستيك الفارغة بداخلها. بين مستغرب و منتش لسخافة الموقف أطلقت ضحكة اهتزت لها رؤوس كل من بالمكتبة إحتجاجاً. إنتبهت لذلك فتمالكت نفسي و صدر من داخلي صوت هامس يقول "تاااااااني يا مريومة!!!". نعم إنها صغيرتي مريم لا أحد غيرها يقوم بمثل هذه الأفعال الغريبة. لم أتهم مريم إفتراءاً بل كان ذلك تخمينا منطقياً للتعرف على الفاعل من خلال الفعل. فإختفاء مجوهرات من الخزانة مثلاً يدل على وجود سارق و بابٌ كُتب عليه " حضرنا و لم نجدكم" يدل على قدوم زائر وهكذا. بنفس هذا المنطق يراودني أحيانا شعور بأن المفكر الشيوعي كارل ماركس كتب مذكراته وهو جالس على بمبر يحتسي شاياً باللبن المقنن مع صحن من الزلابيا لدى ست الشاي الشهيرة أميرة. لا تسألوني كيف لكاتب توفي أيام المهدية أن يفعل ذلك، لأن ردي سيكون إذهبو إلى ماركس و أسألوه من أين أتى بهذه القدرات السحرية. أما من ناحيتي فإن ماركس كتب عن حال السودان في مذكراته ما يكفي للجزم بأن شاي أميرة ساهم بشكل واضح في توثيق نتاجه الفكري.


كتب ماركس كثيرا عن الإنشقاق الطبقي الذي يقسم المجمتع إلى طبقيتين: طبقة كادحة و مطحونة تتهافت على رزق اليوم و تخشى عتمة المستقبل و يسميها بالبرولتاريا. و طبقة برجوازية تستعبد البوليتاريا المنتجة بإحتكار رؤوس الأموال و أدوات الإنتاج. البرجوازية تعمل قليلا لتكسب كثيرا و تقوم كل يوم بتوسيع الهوة بينها وبين البرولتاريا "الغبشاء". هذا ما دفعني أن أشك أن ماركس كان لدى أميرة بالذات و ليس لدى أي ست شاي أخرى. أميرة ست الشاي هذه تديرعملها التجاري من تحت مظلة صغيرة في العمارات شارع 21 و شاءت الاقدار أن تطل مظلتها هذه على فسحة كبيرة. عشاق الشاي الأميري يأتون من كل صوب و حدب من حي الديم البسيط و من كافوري الأرستوقراطية، من الدخينات التي لا يزيد معدل دخل الفرد فيها عن دولار واحد في اليوم ومن الرياض التي تصل قيمة الأرض فيها إلى مائة ألف دولار. طلب ماركس عدد واحد شاي لبن (كباية كبيرة) و زلابيا بقيمة خمسة جنيهات ثم سحب بمبره إلى ركن يتيح له رؤية هذا التنافر المجتمعي المذهل ثم خلع سفجنته و سحب من أذنه القلم ومن حقيبته الكراسة و قرر أن يكتب.

جلس إلى جانب ماركس شابان في منتصف الثلاثينات يرتديان أبرولات زرفقاء ملطخة بالبقع السوداء التي تفوح بترولا و زيت فرامل. جلسا يتسامران إلى حين أن دخلت سيارة فارهة الفسحة و إختارت لها موقعا للتخزين وسط كم السيارات الهائل المتواجد بالمكان مسبقاً. لاحظ ماركس أن نقاش الشابين تحول إلى نقاش عن السيارات الفارهة و عن طرق تصنيعها. ظلا يسردان و بالتفصيل الطريقة التي تتنج بها هذا النوع من السيارات. ماركس لم يكن ميكانيكياً لذا لم يفهم من ذلك شيئا و قرر تجاهلما لكنه لم يستطع أن يقاوم فضوله في متابعة الحوار حين سمع احده الشابين يقول للآخر: " ياخي نحن شغالين نصنع في العربات دي كل يوم يا الله يكون عندنا حديدة زي دي متين؟". صعق ماركس مما سمعه فهرع بسحب القلم مرة أخرى من أذنه و كتب على كراسته Alienation أي بالعربية "إستلاب". هذان العاملان لفتا إنتاه ماركس إلى الطبيعة البشعة للعمل في عالمنا المعاصر. عمل يعزل الصانع عن صنعته و يسلب المخترع من إختراعه. إنه عمل لا يحسس الفرد بأهمية ما تقوم به يداه أي بالقيمة التي يضيفها بخبرته إلى الإنسانية. أو ليس ما قاله ماركس عن الإستلاب صحيحاً؟ فكم من بائع دجاج لم يتذؤق طعم الدجاج منذ سنوات وكم من عامل في مصنع ملابس لا يمتلك كسوة شتاء و لا صيف وكم من ميكانيكي لا يعلم ان لولاه لعادت الأمة لإمتطاء الدواب و السير على الأقدام.

نظر ماركس الى كبايته فإذا هي فارغة من شايها الأميري الملهم فقرر أن يطلب شاياً آخر ولكن ذلك كلفه زمناً طويلا لأن طابور الطلبات كان طويلا. وقف أمامه في الطابور رجل أربعييني أنيق المظهر يرتدي جينزديزل و حذاء كلاركس و يتحدث في هاتفه الباهظ الثمن في لغة عربية منمقة و ممزوجة بإنجليزية ممتازة النطق. و فجأة صاح الرجل في من يحدثه على الهاتف " ياخي قلت ليك أفصلهم كلهم فصل تعسفي، المكنة الجديدة دي حتوفر علينا كتير". بعد ما سمعه ماركس من هذا الرجل غادر الطابور و هرع صوب بمبره خوفاً من أن تتبخر أفكاره في الفضاء وأمسك بكراسته مرة أخرى ثم كتب عليها Insecurity أي إنعدام الأمن. تباكى في سطوره هذه على الطريقة التي يعامل بها العامل كوسيلة لتحقيق الربح يمكن التخلص منها بمجرد ظهور تقنيات جديدة تخفض من التكلفة و تضاعف هذا الربح. في هذا الشطر من مذكراته تجلت إنسانية ماركس الذي لا يود للإنسان أن يعيش مرتعداً من كابوس الطرد من العمل و شدد على أن الانسان كائن يستحق الإحترام وأن يكون له مكان في قلب العالم يحتله دون الخوف من زواله يوما ما. نظر ماركس مرة أخرى إلى حذاء الرأسمالي فتأكد من أنه كلاركس ثم نظر إلى حذاء جاريه الميكانيكين و عرف أنها من النوع الذي يباع في سوق الكلاكلة اللفة فجن جنونه و ندد في كراسته بوسائل الرأسمالين التي تخفض أجورالعمال لتضحيم ثرواتهم و التي أسماها primitive accumulation أي التراكم البدائي. و يقصد بذلك انه و بالرغم مما يدعيه الرأسماليون من أن أرباحهم هي نتاج لذكائهم التجاري فإن ماركس يرى أن مكاسبهم هي و بكل بساطة ليست إلا إحتيالا على حقوق الضعفاء الذين يكدحون ليلا و نهارا.

غرق ماركس في كتابته ساعات طوال لدرجة أنه لم يشعر بأن كل من حوله كانوا قد غادروا المكان. و في هذه الأثناء جاءه صوت نساءي جميل يقول "شنو يا ماركس الليلة ما ماش البيت و لا شنو" كانت تلك أميرة تحاول في أدب تسريح آخر زبون لها في هذه الليلة. إلتفت ماركس حوله و أدرك أن الشعب قد خلد للنوم. راحت البروليتريا لترتاح لسويعات قبل العودة للمناجم و المصانع عند الصباح الباكر و عادت البرجوازية إلى قصورها المكيفة و أسرتها الناعمة لإعطاء أدمغتها المنهكة من الحسابات الرياضية قسطاً من الراحة قبل إستهلال يوم إستغلال جديد. لملم ماركس أغراضه، لبس سفجنته، ابتسم في وجه أميرة ثم إختفى وسط عمارات العمارات الشاهقة و تلاشى في ظلام تلك الليلة المتعبة نفسياً.

******
علمنا بعد ذلك بأن تشخيص ماركس للحالة السودانية كان مختلاً بعض الشيء. و أنه مات بشكل غريب في إحدى أرجاء العاصمة المثلثة.
كيف و أين؟ لنا حديث آخر عن ذلك قريبا....


محمد كمال الدين (أبو كمال)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.