خصّصت الإذاعة البريطانية برنامجا تفاعلياً بالأمس سداه ولحمته (قضية سودانية بإمتياز)! وهي الهوة السحيقة التي تفصل بين الحاكمين والمحكومين؛ من حيث الرفاه والمسغبة، والإمتلاء والخواء، والكفاية والعوز! وينطلق البرنامج من مسلمة لا خلاف عليها تقول إن المتنفّذين وأهل السلطة والوزراء وأصحاب المناصب السياسية والبرلمانيين يعيشون في رفاهية لا تخطئها العين بينما تتضوّر شعوبهم جوعاً وعطشاً وتتمرّغ في فقر وعوّز، ولا تجد الخدمات في حدها الأدنى؛ فهم ينعمون (بمطايب الحياة) ولا يكادون يخفونها عن الناس، بل ربما لا تتم سعادتهم إلا بإظهارها والتحدّث بها مع انها (نعمة غير مُستحقة) وليست النعمة الخالصة السابغة المشروعة البريئة من الاختلاس والغصب التي قال عنها رب العزة (وأما بنعمة ربك فحدّث)!

وتداعت فقرات البرنامج تستفتي الناس فتوالت الشهادات والإستشهادات التي تؤكد على هذه الحالة وتشير إلى انشغال الحاكمين والمتنفّذين بدنياهم الخاصة! ومن أمثلة ذلك في السودان أن الناس في أحلك أوان الأزمة الاقتصادية الطاحنة يرون المسؤولين وأسرهم منشغلين بشواغلهم الخاصة عن سواد الناس؛ بل يرى الناس كيف أنهم يتحركون في أعراس أبنائهم وبناتهم البهيجة وبين أنديتهم ومطاعمهم الخاصة وأسفارهم المليارية في أوج أزمة إنعدام السيولة وعجز المواطنين عن سحب ما يملكون! ولا تقل لي أن حالة الإعسار هذه تجيز أسفار الرسميين من أجل نوافل العبادات، أو المهام التي يمكن أن تقوم بها السفارات؛ فكما للدين عزائم ونوافل ومندوبات كذلك لمهام الوطن عزائم ونوافل ومندوبات!

لقد ربط البرنامج بين هذه الحالة التي يعيش فيها المسؤولون بمعزل عن حياة شعوبهم وبين المواطنين الذين لا يجدون شروى نقير أو (قشرة نواة تمرة) من الخدمات التي يقع واجب توفيرها على هؤلاء المسؤولين! وعلى سبيل المثال كيف يفهم الناس سفر المسؤول الأول عن صحة المواطنين إلى مدن العالم القصيّة من أجل (نتوء في القضروف) أو من أجل جلسة (للدلك الطبيعي) وهي نافلة بالقياس الى أمراض المواطنين القاتلة التي يحملها أصحابها وقوفاً بها على أبواب المستشفيات المعطوبة!

كان اتفاق أغلب متحدثي البرنامج أن مبعث هذه المفارقات هو الفساد، وأشاروا إلى أن الفساد يمكن أن (يتوحّش) فيتحوّل إلى مرحلة (الإستباحة الشاملة) التي تجعل المواطنين في واد آخر (غير ذي زرع) غير الوادي الذي يعيش فيه من يديرون شؤونهم! وكان السؤال الرئيسي يدور حول كيفية (ردم هذه الهوة) التي تفصل بين الحاكمين والمحكومين، وكيفية إعادة الأموال والموارد العامة والخدمات لصاحبها الحقيقي؛ وهو الشعب.. لا أن يستغل بخيرات البلاد (عشرات فقط) من الذين وضعتهم الأقدار في سدة السلطة! وهنا يبرز التساؤل المحوري المحيّر: مَنْ يستطيع أن يتصدى للفساد ويشير إلى المفسدين وينظر إليهم في عيونهم.. ويجلبهم للعدالة؟ وهو سؤال لا يمكن إجابته إلا بمعرفة درجة (تغلغل الفساد في المفاصل)! وما إذا كان هناك مَنْ يقف في (بقعة نظيفة) بيد نظيفة لم تتلطّخ بهذا الإثم المبين!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.